وجدتُ نفسي في الآونة الأخيرة، أقارب أكثر من كتابٍ في الوقت نفسه، دون ولاء كامل لكتاب واحد. قراءة في مساراتٍ متشعِّبَةٍ، تتنقل بمرونة بين عوالم وأساليب متباينة، دون انضباطٍ صارم يفرض مسارًا مستقيمًا. رغم متعة هذا الأسلوب ورحابة حريته، إلا ان الكاتبة السيدة جهاد قراعين، حين أهدتني مع بداية هذا العام، كتبها الثلات (سديم ألمي وقلمي، غفوة الأقحوان، وأرواح متشظية) مباشرة عقب إصدارها، إقتحمتني ببراعة ولم تدعني خارجها. نجحت في عزلي عن باقي الكتب، وهو امر نادر الحدوث. رغبة مني في التفرغ لقراءة كتبها، والعيش في تفاصيلها، لجأت لقراءة بطيئة، أتذوق خلالها كل مشهد. وأتوقف عند مقاطع كثيرة، لا يمكن التهامها بسرعة، لأنها تدعوك بإلحاح، للتوقف والنظرمن النوافذ، لمزيد من الانتباه الكاشف للفراغات في النصوص، وفيما تحمل أفكارها من مغازٍ. فكثيرا ما تكون الفراغات بين الجمل والافكار، دعوة للقارئ على ملئها بما يراه مناسبا. بهذا الشكل، يصبح النص حوارا داخليا، بين القارئ والمسكوت عنه، ليكتشف القارئ الحصيف المعاني المضمرة والمدمجة، وفق مرجعياته وتجربته الشخصية. الكاتبه عرفتها عن قرب قريب، مثقفة مختلطةـ من قارئة شغوفة وكاتبة مجتهدة. تؤمن بان القراءة الجادة، قد جعلت منها، ذاتا لا تمرعلى أحداث الحياة ومظاهرها مرور الغافل. ورسخ فيها إيمانا بأن الكتابة فعل ضرورة، لمعرفة ما يدور في حياة الناس، وتبعاته وآثاره عليهم. وأن الكتابة الملتزمة أمانة ومسؤولية، على عاتق كل قادر عليها. لذا فان المتتبع المحترف للكاتبة، سيجد أنَّ كثيرا من مظاهرالحياة، حاضر في كتبها الثلاث، بوصفها تجارب حية، لا مجرد ديكور ثقافي. ومن قبلها أيضا، كان باكورة كتبها ( رقصة أخيرة )، الذي صدر في العام 2021، وكنت ممن حرَّضوها على نشره، وكتبت لها مقدمته. السيدة جهاد قراعين كما عرفتها، كاتبة مدفوعة بقناعتها بقوة الأدب في الوقاية من التعاسة ومقاومتها. وبثقتها بأن الأدب الملتزم، شكل من أشكال التحفيزعلى التمرد، وخلق عوالم بديلة، تتحدى محاولات إخضاع الإنسان للتنميط. لذا تعمدت في سردياتها، كشف النقاب عن حقائق قاسية، في المناطق المظلمة من حياة أبطالها. فهي من المؤمنين والمؤمنات بأن العمل الأدبي الحق، لا يتقنه إلا من رزقه الله ملَكات السرد، واجتهد في تحصيل أدواته، وامتلك ما يكفي من المهارات اللازمة للكتابة الأدبية الإبداعية. عرفتها كاتبة إقتحامية متعددة الهوايات، تقصد ما تريد، مُتَّكِئة على حُزَمٍ من الجدية والصبر. تكتب الشعر والمقالة والخواطر، لرصد حكايات ما حصل أو ما زال يحصل، في الحدائق الخلفية لما مضى من عمر. تتابع أصغر التحوّلات التي قد لا ينتبه لها، إلا من تعلم اليقظة ومارس فنّ الانتباه. هذه الكتب الثلاث: لتصولَ الكاتبة وتجولَ في مواضيع كتبها الثلاث، إختارت الإرتقاء على أكثر من مِرقاب، يُطِل على مساحات حياتية تبدو عادية، هي الأنا والآخر. غير أن هذا «العادي» يتحوّل، مع دقة الملاحظة وصدق الكتابة، إلى مسرح واسع للحياة بكل تناقضاتها. يكتظ بقلق الانسان المتغير، وتحولات الانسان المعاصر. فكتبت عن الحب، الشغف، الترقب، الرحيل والبراعم النائمة للرحيل، وأوراق الخريف المتساقطة، وعن الزمن والفقد والأمومة، وعن العزاء في عالمٍ يتصدّع ببطء. ناقشت قراعين في كتبها الثلاث، ثيمات متعددة متباينة اختارتها بعناية. ولكن بالاستناد الى الحضورالمتكرر في جُلِّ النصوص، فان الفكرة المحورية التي يرتكز العمل الفني عليها، والتي حظيت بمساحة مهمة في هذه الكتب، وتمت معالجتها على عدة مستويات، هي الحب بمقدماته وسيروراته وتبعاته ومآلاته. وهو موضوع إشكالي مُتَمَلْمِل، خِلافيٌّ مثير لنقاش واسع، وجدل عميق بين المهتمين. وأنت تقارب المعمار الشكلي للسرد الأدبي في الكتب الثلاث، تحار في تكييف ما أنت أمامه، ولكن أيّا كان زعمك، فان الخط السردي فيها، يحتضن حكايات متشابكة لتجربة إنسانية عامة، حتى وإن لَبِسَ بعضها أو جلُّها ببذخ، لبوس الشخصي والخاص المحدد. فالنصوص تسير في خطَّين متوازيَين؛ الأول يعود إلى الماضي، حيث تظهر شخصيات النصوص مرتبطة بمواقف قديمة، عاشت فيها لحظات فرح وأمان. والخط الثاني يحدث في الزمن الحاضر، المكتظ بالارتطامات اليومية الموجعة والصراعات المتوالدة القاتلة. بهذا الفهم، دون مواربة ولا تجميل ولا تشذيب، شرعتُ في قراءة نصوص السيدة قراعين، وما يثقل كاهلها من أبعاد دلالية، غير قابلة للالتباس ولا الترميز، ورصد ثيماتها وما أُقحِمَ عليها من تفريعات، وحصر المفاهيم الأساسية المُدمجة فيها، وتحديد تصورات كاتبتها للمعاني، المبثوثة في متونها النثرية، وما تُناصرُها وما تشجُبُه منها. ما إن أتممتُ أكثر من قراءة للنصوص، حاولتُ إدراك كل ما كنتُ أبحث عنه بالتحليل المُحايِِث، الذي يفصل النصوص عن أي شيء خارجها. والتخلص من كل السياقات المحيطة بها، ففشلتُ بامتياز. قراءتي للنصوص وفجواتها، تشي، بأن الكاتبة لم تتلكأ بعقلها الجريء، عن الخروج من أصداف الذات والتزاماتها، وعبور المزيد من وقائع التجربة الحياتية وتبعاتها، لنحت بطلة لنصوصها، والبناء عليها صراحة أو مواربة بالترميز. تاركة لنا خيارات التخمين والاسقاط، وفق ما نعيش في ظله من وقائع ومرجعيات. من على ربوة فكرية، أطلت قراعين بأريحية، على الكثير مما في الحدائق الخلفية لما مضى من العمر، وكَمَن لا يراها أحد، إستدعت ما رأته مناسبا لهذه المرحلة ، لتطرق الأبواب اللافتة في حياة بطلتها، فتحتها بهدوء، وتأملت بوعي نقدي ما يدور فيها، وكي لا تبقى الكاتبة مجرد مراقِبٍ، إختارت من وقائع بطلتها، ما يكفي لأن يولِّد ذاتَها داخل وعي البطلة. وقررت أن تصبح تلك الولادة خاضعة للمراقبة العامة. لذا ودون الوقوع في المباشرة، أو في فخ الذاتية إلى حد كبير، قررت الكاتبة بجمال سردها ولغتها الهادئة الشفيفة، مزاوجة الفكرة والراي لتقول: أن بطلتها قد ارتطمت بشريك لها، وقف ذات صدفة في طريقها، تماما كالوصول المفاجئ إلى جزيرة لم يكن وجودها معلوما من قبل، وتماما كما كانت تلك الصدفة وتبعاتها. تجاوزت العلاقة بين الشريكين عناقيد من مشاعر، شُرح سياقها ومضامينها في متن العمل، لتصبح مفهومًا يشير إلى وعي مأزومٍ، بالتغيُّر والتَّحوِّل الذي أحدثته المشاعر الجديدة. تحوّلٌ لم يعد يرى فيها تحرّرًا، بل استمرارا للواقع بأقنعة مختلفة. فالواقع والقيم التي حكمت صدفة الارتطام الأول، باقية لا تزول. واكتفى الجديد بإعادة تدويرالأعماق في صورجديدة، وتبديل الأسطح فقط. كل ما تغيّر وفق رواية الساردة الغاضبة، هو يوميات خداع، سرق الشريك خلالها حلمها، دون أن تعترف بأنها هي الأخرى، قد سرقت حريته، وحوَّلته لمطارَد في شراكة لم تعد تعرفه. ترفع شعارات حب يمارِس كل تلاوين الاستحواذ بالقهر. كلاهما يواجه مآلات الواقع الجديد، وهو ينهار بتشوهاته وانكساراته. يظهر في كليهما الإنسان ممزَّقًا بعيون الشك والظن الظالم، بين الرغبة في التحوّل والخوف من فقدان الذات، بين وعيٍ يدرك زيف الواقع، وإحساسٍ بالعجز أمام استمرار الظلم. يؤمنان إذا أرادا أن يبقى كُلُّ شيء كما كان، فلا بد أن يتغيّر جوهرُ كلَّ شيء. ففي النهاية لا يتبدّل شيء، إلا بقدر ما يتبدّل وعي الإنسان به. وهذا هو جوهر المأساة التي عبّرت عنها جهاد، بطرق مختلفة ولغة واحدة. المشاعر المشتركة بهذا المعنى، بعيدًا عن نصوص قراعين ومآل أبطالها، هي مرآة لما نعيشه حتى في أبسط تفاصيل يومنا، حين نمارس الفهلوة، نعيد أخطائنا بأسماء وأهداف كثيرة، نزيّف التغيير،لأننا نخشى أن نلمس الجذر الحقيقي للشراكة، فنكتفي بتجميل القشرة . رغم ما استخدمت السيدة قراعين، من لغة جذابة، للتحرر من الذاتية، في تناول الثيمة الغامضة الشائكة، الغالبة على جل النصوص، إلا أنها لم تنجح في الإفلات منها تمامًا. هذه النصوص تندرج ضمن الأعمال السردية، التي تتخذ من الواقع الاجتماعي، مادة أساسية لبنائها الفني والفكري. كمعظم الكتاب الواقعيين، إستلت قراعين من الواقع شذرات، وقاربتها منفردة دون تتابع زمني، خلافا للسرد التقليدي. نصوص تشي بأن بطلتها كانت على مفارق العمر، قد اختبرتُ كل أشكال التعب، لا تعب التعلق واستيعاب التحولات والتعافي، بل تعب المراقبة والتدقيق والتنجيم وتشظيات سوء ظن متناسل. لم يُتِحْ لبطلة النصوص وقتًا كافيًا متمهلا، لتنهل إجابات شافية للتعافي قدرانتظارها لمصباح علاء الدين، علَّه يُطَمئن بالها ويجبرخاطرها بالقول: أُنظري حولك من جديد، حاولي لعل في الأمر إشتباه يا سيدتي. يقال أن هناك ذات تعيش، وذات تتذكر، ولكن ما أوضحته قراءتي للنصوص، أن ذاكرة البطلة هنا، لم تسجل التجربة كاملة، بل اختصرتها في لحظات الذروة وما تظنه النهاية. وحين صارت تلك اللحظات صادمة، فإنها قد لوّنتها كلها بلون الوجع والحزن الجاف، وأسقطت من الحساب، كل ما سبق الوجع من متع وفرح. كان الأَِوْلى، ألإعتراف بأن كل لحظة عاشها الشريكان، كانت تستحق الاحتفاء، لأن ما عاشاه معا كان حقيقيًّا. وأن المعنى أحيانًا، يجب أن يُلتقط في وقته، قبل أن تسرقه أشباه النهايات. اهمية النصوص من هذا التوازي بين الذاتي والموضوعي الذي يثقل السارده، بعناقيد من الأسئلة المفتوحة، ويمنحنا فرصة للتأكيد على أن ما من كاتب، تعاشره نصوصه كأفكارمن صلب حياته، قبل تحققها بالكتابة، إلا وأحاسيسه تخربش بدلاً منه على الورق، فالغلبة عند تأثيث النصوص الأدبية، تكون دائما للفكرة التي تتشكل هويتها الأولى، في روح الكاتب على حساب الواقع. فلا يمكن تجاهل النقاش الدائر، حول علاقة التشابه، التي ترى في العمل الأدبي انعكاسا لشخصية صاحبه، بكل أبعادها الفكرية والسلوكية. فهي إشكالية مركزية في النقاش الثقافي الراهن، ما تزال مقتوحة ولم تحسم بعد حسما قاطعا. الفكرة هي اللبنة الأساس لما يُكتب عنها من نصوص أدبية، فوراء كل كتاب فكرة، ووراء كل فكرة خطوة الى الأمام، وأن المحرك لكل إبداع هي تلك البارقة التي تومض في العقل، لتقود إلى نقاش متضارب الرؤى داخل النفس، ما بين دهاليز القلب ومسارات العقل، تكون كثيرة الإلحاح على المبدع، سعيا لترجمة هذا الصراع لولادة إبداعية، تتمثل في جنس أدبي مكتمل الأركان والجمال. لا تستطيع كاتبة او كاتب ملتزم، أن يفلت من بصمات الحياة المتناسلة فرحا ووجعا. لأن الكتابة هي انتخابُ الخاص من العام أو العام من الخاص. لذا اضطرت جهاد، حين قررت أن تقدم وجبة دسمة من الواقعية، أن تدخلنا إلى عوالم إنسانيّة رّحبة، عبر تجربتها الخاصّة التي تقدّمها على استحياء، في أكثر من نص. أزعم أنّه ليس مجرّد سرد خياليّ، وإن قدّمتها بشكل سرديّ يجمع بين الحقائق والتّخيلات، التي تجمع بين الألغاز والتعمية، ومن هذا التقاطع بالتّحديد، نستطيع أن ننطلق في سبر أغوار نصوصها، ورصد جماليّات سردها. لغة النصوص تتميز لغة النصوص بالمباشرة الأنيقة، التي تخدم التوجه الواقعي. غير أن هذه المباشرة، تميل أحيانا إلى التقريرية، مما يقلل من كثافة الرمز والصورة الفنية. ويؤخذ عليها أيضا بعض الرتابة، جراء تكراربعض الأفكار، وهيمنة بعض المقاطع الوصفية المطولة. وعلى الرغم من تلك الملاحظات الفنية آنفة الذكر، تضيف السيدة قراعين عبر كتبها السردية الثلاث هذه، تأكيدا على دورالأدب الملتزم في نقد الواقع، وكشف اختلالات المجتمع، وتَفْتحُ آفاقا للمساءلة والتأمل. اختم بالقول: أن المنظومة الثقافية المحلية السائدة، بكل مشاهدها مثقلة بأزمات حقيقية متوالدة، تطفو واحدة وتخبو أخرى. من أهمها ركوب الكثيرمن الأشباه لموج الأدب وروافعه. وسهولة النشرالتي أفرزت أقلاماً هشة لا قيمة لها. ناهيكم عما يجري في حفلات الإشهارمن تسحيج وتلميع لحصى. وعما يجري في النقد العشوائي حدِّث بلا حرج. إلى جانب كل هذا، فإن المنظومة الثقافية نفسها، ثرية بالتأكيد، بقامات أدبية باسقة، وبواعدين وواعدات لا يجيدون لعبة العلاقات العامة، يُغتالون أو يُهمّشون. وفي هذا السياق أقول: أن قراعين وهي تسافر بغزارة في غيطان الأدب، قد اعتزلت فعل الجوقة احتراما لنفسها. لا تريد أن تتحول من أديبة واعدة تعتز بقلمها، إلى صائدة منصات، تبحث عن ظهور هنا، أو لايك هناك، أو تعقيب هنالك. وأنا على وشك توديع هذه الانثيالات، أود التأكيد على أن السيده جهاد قراعين، تؤمن على أنها ليست مي زيادة، ولا غادة السمان، ولا حتى أحلام مستغانمي، وأنها تدرك في الوقت نفسه، أن تجربتها الأدبية ظامئة لتعدد القراءات المنصفة والمثرية لها، من قبل القراء وحراس الأدب. الذين يقاربون النصوص بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات. ويفصلون ما بين ذائقتهم المحدودة، والقيمة التي قد ينجح النص عبرها من تحاوز ذائقتهم. ولا تبحث عن أولئك الذين لا يدركون المسافة الدقيقة بين الفهم والحكم والنقد والشخصنة. وأنا أؤكد على أن السيدة قراعين، حالة أدبية واعدةـ تستحق الاحتفاء بها. أبارك للمكتبة الأدبية الأردنية هذه الإضافات المثرية، وأبارك لها متمنيا عليها المزيد من الإبداع الأدبي، الذي تتفوق به على نفسها. ومواصلة صقل ملكاتها، وتحصين مهاراتها، بالمزيد من التواضع والإتقان والتنويع. فهذا وحده، هو الذي سيرسخ حضورها في المشهد الثقافي الأردني، ويطوره.
وجدتُ نفسي في الآونة الأخيرة، أقارب أكثر من كتابٍ في الوقت نفسه، دون ولاء كامل لكتاب واحد. قراءة في مساراتٍ متشعِّبَةٍ، تتنقل بمرونة بين عوالم وأساليب متباينة، دون انضباطٍ صارم يفرض مسارًا مستقيمًا. رغم متعة هذا الأسلوب ورحابة حريته، إلا ان الكاتبة السيدة جهاد قراعين، حين أهدتني مع بداية هذا العام، كتبها الثلات (سديم ألمي وقلمي، غفوة الأقحوان، وأرواح متشظية) مباشرة عقب إصدارها، إقتحمتني ببراعة ولم تدعني خارجها. نجحت في عزلي عن باقي الكتب، وهو امر نادر الحدوث. رغبة مني في التفرغ لقراءة كتبها، والعيش في تفاصيلها، لجأت لقراءة بطيئة، أتذوق خلالها كل مشهد. وأتوقف عند مقاطع كثيرة، لا يمكن التهامها بسرعة، لأنها تدعوك بإلحاح، للتوقف والنظرمن النوافذ، لمزيد من الانتباه الكاشف للفراغات في النصوص، وفيما تحمل أفكارها من مغازٍ. فكثيرا ما تكون الفراغات بين الجمل والافكار، دعوة للقارئ على ملئها بما يراه مناسبا. بهذا الشكل، يصبح النص حوارا داخليا، بين القارئ والمسكوت عنه، ليكتشف القارئ الحصيف المعاني المضمرة والمدمجة، وفق مرجعياته وتجربته الشخصية. الكاتبه عرفتها عن قرب قريب، مثقفة مختلطةـ من قارئة شغوفة وكاتبة مجتهدة. تؤمن بان القراءة الجادة، قد جعلت منها، ذاتا لا تمرعلى أحداث الحياة ومظاهرها مرور الغافل. ورسخ فيها إيمانا بأن الكتابة فعل ضرورة، لمعرفة ما يدور في حياة الناس، وتبعاته وآثاره عليهم. وأن الكتابة الملتزمة أمانة ومسؤولية، على عاتق كل قادر عليها. لذا فان المتتبع المحترف للكاتبة، سيجد أنَّ كثيرا من مظاهرالحياة، حاضر في كتبها الثلاث، بوصفها تجارب حية، لا مجرد ديكور ثقافي. ومن قبلها أيضا، كان باكورة كتبها ( رقصة أخيرة )، الذي صدر في العام 2021، وكنت ممن حرَّضوها على نشره، وكتبت لها مقدمته. السيدة جهاد قراعين كما عرفتها، كاتبة مدفوعة بقناعتها بقوة الأدب في الوقاية من التعاسة ومقاومتها. وبثقتها بأن الأدب الملتزم، شكل من أشكال التحفيزعلى التمرد، وخلق عوالم بديلة، تتحدى محاولات إخضاع الإنسان للتنميط. لذا تعمدت في سردياتها، كشف النقاب عن حقائق قاسية، في المناطق المظلمة من حياة أبطالها. فهي من المؤمنين والمؤمنات بأن العمل الأدبي الحق، لا يتقنه إلا من رزقه الله ملَكات السرد، واجتهد في تحصيل أدواته، وامتلك ما يكفي من المهارات اللازمة للكتابة الأدبية الإبداعية. عرفتها كاتبة إقتحامية متعددة الهوايات، تقصد ما تريد، مُتَّكِئة على حُزَمٍ من الجدية والصبر. تكتب الشعر والمقالة والخواطر، لرصد حكايات ما حصل أو ما زال يحصل، في الحدائق الخلفية لما مضى من عمر. تتابع أصغر التحوّلات التي قد لا ينتبه لها، إلا من تعلم اليقظة ومارس فنّ الانتباه. هذه الكتب الثلاث: لتصولَ الكاتبة وتجولَ في مواضيع كتبها الثلاث، إختارت الإرتقاء على أكثر من مِرقاب، يُطِل على مساحات حياتية تبدو عادية، هي الأنا والآخر. غير أن هذا «العادي» يتحوّل، مع دقة الملاحظة وصدق الكتابة، إلى مسرح واسع للحياة بكل تناقضاتها. يكتظ بقلق الانسان المتغير، وتحولات الانسان المعاصر. فكتبت عن الحب، الشغف، الترقب، الرحيل والبراعم النائمة للرحيل، وأوراق الخريف المتساقطة، وعن الزمن والفقد والأمومة، وعن العزاء في عالمٍ يتصدّع ببطء. ناقشت قراعين في كتبها الثلاث، ثيمات متعددة متباينة اختارتها بعناية. ولكن بالاستناد الى الحضورالمتكرر في جُلِّ النصوص، فان الفكرة المحورية التي يرتكز العمل الفني عليها، والتي حظيت بمساحة مهمة في هذه الكتب، وتمت معالجتها على عدة مستويات، هي الحب بمقدماته وسيروراته وتبعاته ومآلاته. وهو موضوع إشكالي مُتَمَلْمِل، خِلافيٌّ مثير لنقاش واسع، وجدل عميق بين المهتمين. وأنت تقارب المعمار الشكلي للسرد الأدبي في الكتب الثلاث، تحار في تكييف ما أنت أمامه، ولكن أيّا كان زعمك، فان الخط السردي فيها، يحتضن حكايات متشابكة لتجربة إنسانية عامة، حتى وإن لَبِسَ بعضها أو جلُّها ببذخ، لبوس الشخصي والخاص المحدد. فالنصوص تسير في خطَّين متوازيَين؛ الأول يعود إلى الماضي، حيث تظهر شخصيات النصوص مرتبطة بمواقف قديمة، عاشت فيها لحظات فرح وأمان. والخط الثاني يحدث في الزمن الحاضر، المكتظ بالارتطامات اليومية الموجعة والصراعات المتوالدة القاتلة. بهذا الفهم، دون مواربة ولا تجميل ولا تشذيب، شرعتُ في قراءة نصوص السيدة قراعين، وما يثقل كاهلها من أبعاد دلالية، غير قابلة للالتباس ولا الترميز، ورصد ثيماتها وما أُقحِمَ عليها من تفريعات، وحصر المفاهيم الأساسية المُدمجة فيها، وتحديد تصورات كاتبتها للمعاني، المبثوثة في متونها النثرية، وما تُناصرُها وما تشجُبُه منها. ما إن أتممتُ أكثر من قراءة للنصوص، حاولتُ إدراك كل ما كنتُ أبحث عنه بالتحليل المُحايِِث، الذي يفصل النصوص عن أي شيء خارجها. والتخلص من كل السياقات المحيطة بها، ففشلتُ بامتياز. قراءتي للنصوص وفجواتها، تشي، بأن الكاتبة لم تتلكأ بعقلها الجريء، عن الخروج من أصداف الذات والتزاماتها، وعبور المزيد من وقائع التجربة الحياتية وتبعاتها، لنحت بطلة لنصوصها، والبناء عليها صراحة أو مواربة بالترميز. تاركة لنا خيارات التخمين والاسقاط، وفق ما نعيش في ظله من وقائع ومرجعيات. من على ربوة فكرية، أطلت قراعين بأريحية، على الكثير مما في الحدائق الخلفية لما مضى من العمر، وكَمَن لا يراها أحد، إستدعت ما رأته مناسبا لهذه المرحلة ، لتطرق الأبواب اللافتة في حياة بطلتها، فتحتها بهدوء، وتأملت بوعي نقدي ما يدور فيها، وكي لا تبقى الكاتبة مجرد مراقِبٍ، إختارت من وقائع بطلتها، ما يكفي لأن يولِّد ذاتَها داخل وعي البطلة. وقررت أن تصبح تلك الولادة خاضعة للمراقبة العامة. لذا ودون الوقوع في المباشرة، أو في فخ الذاتية إلى حد كبير، قررت الكاتبة بجمال سردها ولغتها الهادئة الشفيفة، مزاوجة الفكرة والراي لتقول: أن بطلتها قد ارتطمت بشريك لها، وقف ذات صدفة في طريقها، تماما كالوصول المفاجئ إلى جزيرة لم يكن وجودها معلوما من قبل، وتماما كما كانت تلك الصدفة وتبعاتها. تجاوزت العلاقة بين الشريكين عناقيد من مشاعر، شُرح سياقها ومضامينها في متن العمل، لتصبح مفهومًا يشير إلى وعي مأزومٍ، بالتغيُّر والتَّحوِّل الذي أحدثته المشاعر الجديدة. تحوّلٌ لم يعد يرى فيها تحرّرًا، بل استمرارا للواقع بأقنعة مختلفة. فالواقع والقيم التي حكمت صدفة الارتطام الأول، باقية لا تزول. واكتفى الجديد بإعادة تدويرالأعماق في صورجديدة، وتبديل الأسطح فقط. كل ما تغيّر وفق رواية الساردة الغاضبة، هو يوميات خداع، سرق الشريك خلالها حلمها، دون أن تعترف بأنها هي الأخرى، قد سرقت حريته، وحوَّلته لمطارَد في شراكة لم تعد تعرفه. ترفع شعارات حب يمارِس كل تلاوين الاستحواذ بالقهر. كلاهما يواجه مآلات الواقع الجديد، وهو ينهار بتشوهاته وانكساراته. يظهر في كليهما الإنسان ممزَّقًا بعيون الشك والظن الظالم، بين الرغبة في التحوّل والخوف من فقدان الذات، بين وعيٍ يدرك زيف الواقع، وإحساسٍ بالعجز أمام استمرار الظلم. يؤمنان إذا أرادا أن يبقى كُلُّ شيء كما كان، فلا بد أن يتغيّر جوهرُ كلَّ شيء. ففي النهاية لا يتبدّل شيء، إلا بقدر ما يتبدّل وعي الإنسان به. وهذا هو جوهر المأساة التي عبّرت عنها جهاد، بطرق مختلفة ولغة واحدة. المشاعر المشتركة بهذا المعنى، بعيدًا عن نصوص قراعين ومآل أبطالها، هي مرآة لما نعيشه حتى في أبسط تفاصيل يومنا، حين نمارس الفهلوة، نعيد أخطائنا بأسماء وأهداف كثيرة، نزيّف التغيير،لأننا نخشى أن نلمس الجذر الحقيقي للشراكة، فنكتفي بتجميل القشرة . رغم ما استخدمت السيدة قراعين، من لغة جذابة، للتحرر من الذاتية، في تناول الثيمة الغامضة الشائكة، الغالبة على جل النصوص، إلا أنها لم تنجح في الإفلات منها تمامًا. هذه النصوص تندرج ضمن الأعمال السردية، التي تتخذ من الواقع الاجتماعي، مادة أساسية لبنائها الفني والفكري. كمعظم الكتاب الواقعيين، إستلت قراعين من الواقع شذرات، وقاربتها منفردة دون تتابع زمني، خلافا للسرد التقليدي. نصوص تشي بأن بطلتها كانت على مفارق العمر، قد اختبرتُ كل أشكال التعب، لا تعب التعلق واستيعاب التحولات والتعافي، بل تعب المراقبة والتدقيق والتنجيم وتشظيات سوء ظن متناسل. لم يُتِحْ لبطلة النصوص وقتًا كافيًا متمهلا، لتنهل إجابات شافية للتعافي قدرانتظارها لمصباح علاء الدين، علَّه يُطَمئن بالها ويجبرخاطرها بالقول: أُنظري حولك من جديد، حاولي لعل في الأمر إشتباه يا سيدتي. يقال أن هناك ذات تعيش، وذات تتذكر، ولكن ما أوضحته قراءتي للنصوص، أن ذاكرة البطلة هنا، لم تسجل التجربة كاملة، بل اختصرتها في لحظات الذروة وما تظنه النهاية. وحين صارت تلك اللحظات صادمة، فإنها قد لوّنتها كلها بلون الوجع والحزن الجاف، وأسقطت من الحساب، كل ما سبق الوجع من متع وفرح. كان الأَِوْلى، ألإعتراف بأن كل لحظة عاشها الشريكان، كانت تستحق الاحتفاء، لأن ما عاشاه معا كان حقيقيًّا. وأن المعنى أحيانًا، يجب أن يُلتقط في وقته، قبل أن تسرقه أشباه النهايات. اهمية النصوص من هذا التوازي بين الذاتي والموضوعي الذي يثقل السارده، بعناقيد من الأسئلة المفتوحة، ويمنحنا فرصة للتأكيد على أن ما من كاتب، تعاشره نصوصه كأفكارمن صلب حياته، قبل تحققها بالكتابة، إلا وأحاسيسه تخربش بدلاً منه على الورق، فالغلبة عند تأثيث النصوص الأدبية، تكون دائما للفكرة التي تتشكل هويتها الأولى، في روح الكاتب على حساب الواقع. فلا يمكن تجاهل النقاش الدائر، حول علاقة التشابه، التي ترى في العمل الأدبي انعكاسا لشخصية صاحبه، بكل أبعادها الفكرية والسلوكية. فهي إشكالية مركزية في النقاش الثقافي الراهن، ما تزال مقتوحة ولم تحسم بعد حسما قاطعا. الفكرة هي اللبنة الأساس لما يُكتب عنها من نصوص أدبية، فوراء كل كتاب فكرة، ووراء كل فكرة خطوة الى الأمام، وأن المحرك لكل إبداع هي تلك البارقة التي تومض في العقل، لتقود إلى نقاش متضارب الرؤى داخل النفس، ما بين دهاليز القلب ومسارات العقل، تكون كثيرة الإلحاح على المبدع، سعيا لترجمة هذا الصراع لولادة إبداعية، تتمثل في جنس أدبي مكتمل الأركان والجمال. لا تستطيع كاتبة او كاتب ملتزم، أن يفلت من بصمات الحياة المتناسلة فرحا ووجعا. لأن الكتابة هي انتخابُ الخاص من العام أو العام من الخاص. لذا اضطرت جهاد، حين قررت أن تقدم وجبة دسمة من الواقعية، أن تدخلنا إلى عوالم إنسانيّة رّحبة، عبر تجربتها الخاصّة التي تقدّمها على استحياء، في أكثر من نص. أزعم أنّه ليس مجرّد سرد خياليّ، وإن قدّمتها بشكل سرديّ يجمع بين الحقائق والتّخيلات، التي تجمع بين الألغاز والتعمية، ومن هذا التقاطع بالتّحديد، نستطيع أن ننطلق في سبر أغوار نصوصها، ورصد جماليّات سردها. لغة النصوص تتميز لغة النصوص بالمباشرة الأنيقة، التي تخدم التوجه الواقعي. غير أن هذه المباشرة، تميل أحيانا إلى التقريرية، مما يقلل من كثافة الرمز والصورة الفنية. ويؤخذ عليها أيضا بعض الرتابة، جراء تكراربعض الأفكار، وهيمنة بعض المقاطع الوصفية المطولة. وعلى الرغم من تلك الملاحظات الفنية آنفة الذكر، تضيف السيدة قراعين عبر كتبها السردية الثلاث هذه، تأكيدا على دورالأدب الملتزم في نقد الواقع، وكشف اختلالات المجتمع، وتَفْتحُ آفاقا للمساءلة والتأمل. اختم بالقول: أن المنظومة الثقافية المحلية السائدة، بكل مشاهدها مثقلة بأزمات حقيقية متوالدة، تطفو واحدة وتخبو أخرى. من أهمها ركوب الكثيرمن الأشباه لموج الأدب وروافعه. وسهولة النشرالتي أفرزت أقلاماً هشة لا قيمة لها. ناهيكم عما يجري في حفلات الإشهارمن تسحيج وتلميع لحصى. وعما يجري في النقد العشوائي حدِّث بلا حرج. إلى جانب كل هذا، فإن المنظومة الثقافية نفسها، ثرية بالتأكيد، بقامات أدبية باسقة، وبواعدين وواعدات لا يجيدون لعبة العلاقات العامة، يُغتالون أو يُهمّشون. وفي هذا السياق أقول: أن قراعين وهي تسافر بغزارة في غيطان الأدب، قد اعتزلت فعل الجوقة احتراما لنفسها. لا تريد أن تتحول من أديبة واعدة تعتز بقلمها، إلى صائدة منصات، تبحث عن ظهور هنا، أو لايك هناك، أو تعقيب هنالك. وأنا على وشك توديع هذه الانثيالات، أود التأكيد على أن السيده جهاد قراعين، تؤمن على أنها ليست مي زيادة، ولا غادة السمان، ولا حتى أحلام مستغانمي، وأنها تدرك في الوقت نفسه، أن تجربتها الأدبية ظامئة لتعدد القراءات المنصفة والمثرية لها، من قبل القراء وحراس الأدب. الذين يقاربون النصوص بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات. ويفصلون ما بين ذائقتهم المحدودة، والقيمة التي قد ينجح النص عبرها من تحاوز ذائقتهم. ولا تبحث عن أولئك الذين لا يدركون المسافة الدقيقة بين الفهم والحكم والنقد والشخصنة. وأنا أؤكد على أن السيدة قراعين، حالة أدبية واعدةـ تستحق الاحتفاء بها. أبارك للمكتبة الأدبية الأردنية هذه الإضافات المثرية، وأبارك لها متمنيا عليها المزيد من الإبداع الأدبي، الذي تتفوق به على نفسها. ومواصلة صقل ملكاتها، وتحصين مهاراتها، بالمزيد من التواضع والإتقان والتنويع. فهذا وحده، هو الذي سيرسخ حضورها في المشهد الثقافي الأردني، ويطوره.
وجدتُ نفسي في الآونة الأخيرة، أقارب أكثر من كتابٍ في الوقت نفسه، دون ولاء كامل لكتاب واحد. قراءة في مساراتٍ متشعِّبَةٍ، تتنقل بمرونة بين عوالم وأساليب متباينة، دون انضباطٍ صارم يفرض مسارًا مستقيمًا. رغم متعة هذا الأسلوب ورحابة حريته، إلا ان الكاتبة السيدة جهاد قراعين، حين أهدتني مع بداية هذا العام، كتبها الثلات (سديم ألمي وقلمي، غفوة الأقحوان، وأرواح متشظية) مباشرة عقب إصدارها، إقتحمتني ببراعة ولم تدعني خارجها. نجحت في عزلي عن باقي الكتب، وهو امر نادر الحدوث. رغبة مني في التفرغ لقراءة كتبها، والعيش في تفاصيلها، لجأت لقراءة بطيئة، أتذوق خلالها كل مشهد. وأتوقف عند مقاطع كثيرة، لا يمكن التهامها بسرعة، لأنها تدعوك بإلحاح، للتوقف والنظرمن النوافذ، لمزيد من الانتباه الكاشف للفراغات في النصوص، وفيما تحمل أفكارها من مغازٍ. فكثيرا ما تكون الفراغات بين الجمل والافكار، دعوة للقارئ على ملئها بما يراه مناسبا. بهذا الشكل، يصبح النص حوارا داخليا، بين القارئ والمسكوت عنه، ليكتشف القارئ الحصيف المعاني المضمرة والمدمجة، وفق مرجعياته وتجربته الشخصية. الكاتبه عرفتها عن قرب قريب، مثقفة مختلطةـ من قارئة شغوفة وكاتبة مجتهدة. تؤمن بان القراءة الجادة، قد جعلت منها، ذاتا لا تمرعلى أحداث الحياة ومظاهرها مرور الغافل. ورسخ فيها إيمانا بأن الكتابة فعل ضرورة، لمعرفة ما يدور في حياة الناس، وتبعاته وآثاره عليهم. وأن الكتابة الملتزمة أمانة ومسؤولية، على عاتق كل قادر عليها. لذا فان المتتبع المحترف للكاتبة، سيجد أنَّ كثيرا من مظاهرالحياة، حاضر في كتبها الثلاث، بوصفها تجارب حية، لا مجرد ديكور ثقافي. ومن قبلها أيضا، كان باكورة كتبها ( رقصة أخيرة )، الذي صدر في العام 2021، وكنت ممن حرَّضوها على نشره، وكتبت لها مقدمته. السيدة جهاد قراعين كما عرفتها، كاتبة مدفوعة بقناعتها بقوة الأدب في الوقاية من التعاسة ومقاومتها. وبثقتها بأن الأدب الملتزم، شكل من أشكال التحفيزعلى التمرد، وخلق عوالم بديلة، تتحدى محاولات إخضاع الإنسان للتنميط. لذا تعمدت في سردياتها، كشف النقاب عن حقائق قاسية، في المناطق المظلمة من حياة أبطالها. فهي من المؤمنين والمؤمنات بأن العمل الأدبي الحق، لا يتقنه إلا من رزقه الله ملَكات السرد، واجتهد في تحصيل أدواته، وامتلك ما يكفي من المهارات اللازمة للكتابة الأدبية الإبداعية. عرفتها كاتبة إقتحامية متعددة الهوايات، تقصد ما تريد، مُتَّكِئة على حُزَمٍ من الجدية والصبر. تكتب الشعر والمقالة والخواطر، لرصد حكايات ما حصل أو ما زال يحصل، في الحدائق الخلفية لما مضى من عمر. تتابع أصغر التحوّلات التي قد لا ينتبه لها، إلا من تعلم اليقظة ومارس فنّ الانتباه. هذه الكتب الثلاث: لتصولَ الكاتبة وتجولَ في مواضيع كتبها الثلاث، إختارت الإرتقاء على أكثر من مِرقاب، يُطِل على مساحات حياتية تبدو عادية، هي الأنا والآخر. غير أن هذا «العادي» يتحوّل، مع دقة الملاحظة وصدق الكتابة، إلى مسرح واسع للحياة بكل تناقضاتها. يكتظ بقلق الانسان المتغير، وتحولات الانسان المعاصر. فكتبت عن الحب، الشغف، الترقب، الرحيل والبراعم النائمة للرحيل، وأوراق الخريف المتساقطة، وعن الزمن والفقد والأمومة، وعن العزاء في عالمٍ يتصدّع ببطء. ناقشت قراعين في كتبها الثلاث، ثيمات متعددة متباينة اختارتها بعناية. ولكن بالاستناد الى الحضورالمتكرر في جُلِّ النصوص، فان الفكرة المحورية التي يرتكز العمل الفني عليها، والتي حظيت بمساحة مهمة في هذه الكتب، وتمت معالجتها على عدة مستويات، هي الحب بمقدماته وسيروراته وتبعاته ومآلاته. وهو موضوع إشكالي مُتَمَلْمِل، خِلافيٌّ مثير لنقاش واسع، وجدل عميق بين المهتمين. وأنت تقارب المعمار الشكلي للسرد الأدبي في الكتب الثلاث، تحار في تكييف ما أنت أمامه، ولكن أيّا كان زعمك، فان الخط السردي فيها، يحتضن حكايات متشابكة لتجربة إنسانية عامة، حتى وإن لَبِسَ بعضها أو جلُّها ببذخ، لبوس الشخصي والخاص المحدد. فالنصوص تسير في خطَّين متوازيَين؛ الأول يعود إلى الماضي، حيث تظهر شخصيات النصوص مرتبطة بمواقف قديمة، عاشت فيها لحظات فرح وأمان. والخط الثاني يحدث في الزمن الحاضر، المكتظ بالارتطامات اليومية الموجعة والصراعات المتوالدة القاتلة. بهذا الفهم، دون مواربة ولا تجميل ولا تشذيب، شرعتُ في قراءة نصوص السيدة قراعين، وما يثقل كاهلها من أبعاد دلالية، غير قابلة للالتباس ولا الترميز، ورصد ثيماتها وما أُقحِمَ عليها من تفريعات، وحصر المفاهيم الأساسية المُدمجة فيها، وتحديد تصورات كاتبتها للمعاني، المبثوثة في متونها النثرية، وما تُناصرُها وما تشجُبُه منها. ما إن أتممتُ أكثر من قراءة للنصوص، حاولتُ إدراك كل ما كنتُ أبحث عنه بالتحليل المُحايِِث، الذي يفصل النصوص عن أي شيء خارجها. والتخلص من كل السياقات المحيطة بها، ففشلتُ بامتياز. قراءتي للنصوص وفجواتها، تشي، بأن الكاتبة لم تتلكأ بعقلها الجريء، عن الخروج من أصداف الذات والتزاماتها، وعبور المزيد من وقائع التجربة الحياتية وتبعاتها، لنحت بطلة لنصوصها، والبناء عليها صراحة أو مواربة بالترميز. تاركة لنا خيارات التخمين والاسقاط، وفق ما نعيش في ظله من وقائع ومرجعيات. من على ربوة فكرية، أطلت قراعين بأريحية، على الكثير مما في الحدائق الخلفية لما مضى من العمر، وكَمَن لا يراها أحد، إستدعت ما رأته مناسبا لهذه المرحلة ، لتطرق الأبواب اللافتة في حياة بطلتها، فتحتها بهدوء، وتأملت بوعي نقدي ما يدور فيها، وكي لا تبقى الكاتبة مجرد مراقِبٍ، إختارت من وقائع بطلتها، ما يكفي لأن يولِّد ذاتَها داخل وعي البطلة. وقررت أن تصبح تلك الولادة خاضعة للمراقبة العامة. لذا ودون الوقوع في المباشرة، أو في فخ الذاتية إلى حد كبير، قررت الكاتبة بجمال سردها ولغتها الهادئة الشفيفة، مزاوجة الفكرة والراي لتقول: أن بطلتها قد ارتطمت بشريك لها، وقف ذات صدفة في طريقها، تماما كالوصول المفاجئ إلى جزيرة لم يكن وجودها معلوما من قبل، وتماما كما كانت تلك الصدفة وتبعاتها. تجاوزت العلاقة بين الشريكين عناقيد من مشاعر، شُرح سياقها ومضامينها في متن العمل، لتصبح مفهومًا يشير إلى وعي مأزومٍ، بالتغيُّر والتَّحوِّل الذي أحدثته المشاعر الجديدة. تحوّلٌ لم يعد يرى فيها تحرّرًا، بل استمرارا للواقع بأقنعة مختلفة. فالواقع والقيم التي حكمت صدفة الارتطام الأول، باقية لا تزول. واكتفى الجديد بإعادة تدويرالأعماق في صورجديدة، وتبديل الأسطح فقط. كل ما تغيّر وفق رواية الساردة الغاضبة، هو يوميات خداع، سرق الشريك خلالها حلمها، دون أن تعترف بأنها هي الأخرى، قد سرقت حريته، وحوَّلته لمطارَد في شراكة لم تعد تعرفه. ترفع شعارات حب يمارِس كل تلاوين الاستحواذ بالقهر. كلاهما يواجه مآلات الواقع الجديد، وهو ينهار بتشوهاته وانكساراته. يظهر في كليهما الإنسان ممزَّقًا بعيون الشك والظن الظالم، بين الرغبة في التحوّل والخوف من فقدان الذات، بين وعيٍ يدرك زيف الواقع، وإحساسٍ بالعجز أمام استمرار الظلم. يؤمنان إذا أرادا أن يبقى كُلُّ شيء كما كان، فلا بد أن يتغيّر جوهرُ كلَّ شيء. ففي النهاية لا يتبدّل شيء، إلا بقدر ما يتبدّل وعي الإنسان به. وهذا هو جوهر المأساة التي عبّرت عنها جهاد، بطرق مختلفة ولغة واحدة. المشاعر المشتركة بهذا المعنى، بعيدًا عن نصوص قراعين ومآل أبطالها، هي مرآة لما نعيشه حتى في أبسط تفاصيل يومنا، حين نمارس الفهلوة، نعيد أخطائنا بأسماء وأهداف كثيرة، نزيّف التغيير،لأننا نخشى أن نلمس الجذر الحقيقي للشراكة، فنكتفي بتجميل القشرة . رغم ما استخدمت السيدة قراعين، من لغة جذابة، للتحرر من الذاتية، في تناول الثيمة الغامضة الشائكة، الغالبة على جل النصوص، إلا أنها لم تنجح في الإفلات منها تمامًا. هذه النصوص تندرج ضمن الأعمال السردية، التي تتخذ من الواقع الاجتماعي، مادة أساسية لبنائها الفني والفكري. كمعظم الكتاب الواقعيين، إستلت قراعين من الواقع شذرات، وقاربتها منفردة دون تتابع زمني، خلافا للسرد التقليدي. نصوص تشي بأن بطلتها كانت على مفارق العمر، قد اختبرتُ كل أشكال التعب، لا تعب التعلق واستيعاب التحولات والتعافي، بل تعب المراقبة والتدقيق والتنجيم وتشظيات سوء ظن متناسل. لم يُتِحْ لبطلة النصوص وقتًا كافيًا متمهلا، لتنهل إجابات شافية للتعافي قدرانتظارها لمصباح علاء الدين، علَّه يُطَمئن بالها ويجبرخاطرها بالقول: أُنظري حولك من جديد، حاولي لعل في الأمر إشتباه يا سيدتي. يقال أن هناك ذات تعيش، وذات تتذكر، ولكن ما أوضحته قراءتي للنصوص، أن ذاكرة البطلة هنا، لم تسجل التجربة كاملة، بل اختصرتها في لحظات الذروة وما تظنه النهاية. وحين صارت تلك اللحظات صادمة، فإنها قد لوّنتها كلها بلون الوجع والحزن الجاف، وأسقطت من الحساب، كل ما سبق الوجع من متع وفرح. كان الأَِوْلى، ألإعتراف بأن كل لحظة عاشها الشريكان، كانت تستحق الاحتفاء، لأن ما عاشاه معا كان حقيقيًّا. وأن المعنى أحيانًا، يجب أن يُلتقط في وقته، قبل أن تسرقه أشباه النهايات. اهمية النصوص من هذا التوازي بين الذاتي والموضوعي الذي يثقل السارده، بعناقيد من الأسئلة المفتوحة، ويمنحنا فرصة للتأكيد على أن ما من كاتب، تعاشره نصوصه كأفكارمن صلب حياته، قبل تحققها بالكتابة، إلا وأحاسيسه تخربش بدلاً منه على الورق، فالغلبة عند تأثيث النصوص الأدبية، تكون دائما للفكرة التي تتشكل هويتها الأولى، في روح الكاتب على حساب الواقع. فلا يمكن تجاهل النقاش الدائر، حول علاقة التشابه، التي ترى في العمل الأدبي انعكاسا لشخصية صاحبه، بكل أبعادها الفكرية والسلوكية. فهي إشكالية مركزية في النقاش الثقافي الراهن، ما تزال مقتوحة ولم تحسم بعد حسما قاطعا. الفكرة هي اللبنة الأساس لما يُكتب عنها من نصوص أدبية، فوراء كل كتاب فكرة، ووراء كل فكرة خطوة الى الأمام، وأن المحرك لكل إبداع هي تلك البارقة التي تومض في العقل، لتقود إلى نقاش متضارب الرؤى داخل النفس، ما بين دهاليز القلب ومسارات العقل، تكون كثيرة الإلحاح على المبدع، سعيا لترجمة هذا الصراع لولادة إبداعية، تتمثل في جنس أدبي مكتمل الأركان والجمال. لا تستطيع كاتبة او كاتب ملتزم، أن يفلت من بصمات الحياة المتناسلة فرحا ووجعا. لأن الكتابة هي انتخابُ الخاص من العام أو العام من الخاص. لذا اضطرت جهاد، حين قررت أن تقدم وجبة دسمة من الواقعية، أن تدخلنا إلى عوالم إنسانيّة رّحبة، عبر تجربتها الخاصّة التي تقدّمها على استحياء، في أكثر من نص. أزعم أنّه ليس مجرّد سرد خياليّ، وإن قدّمتها بشكل سرديّ يجمع بين الحقائق والتّخيلات، التي تجمع بين الألغاز والتعمية، ومن هذا التقاطع بالتّحديد، نستطيع أن ننطلق في سبر أغوار نصوصها، ورصد جماليّات سردها. لغة النصوص تتميز لغة النصوص بالمباشرة الأنيقة، التي تخدم التوجه الواقعي. غير أن هذه المباشرة، تميل أحيانا إلى التقريرية، مما يقلل من كثافة الرمز والصورة الفنية. ويؤخذ عليها أيضا بعض الرتابة، جراء تكراربعض الأفكار، وهيمنة بعض المقاطع الوصفية المطولة. وعلى الرغم من تلك الملاحظات الفنية آنفة الذكر، تضيف السيدة قراعين عبر كتبها السردية الثلاث هذه، تأكيدا على دورالأدب الملتزم في نقد الواقع، وكشف اختلالات المجتمع، وتَفْتحُ آفاقا للمساءلة والتأمل. اختم بالقول: أن المنظومة الثقافية المحلية السائدة، بكل مشاهدها مثقلة بأزمات حقيقية متوالدة، تطفو واحدة وتخبو أخرى. من أهمها ركوب الكثيرمن الأشباه لموج الأدب وروافعه. وسهولة النشرالتي أفرزت أقلاماً هشة لا قيمة لها. ناهيكم عما يجري في حفلات الإشهارمن تسحيج وتلميع لحصى. وعما يجري في النقد العشوائي حدِّث بلا حرج. إلى جانب كل هذا، فإن المنظومة الثقافية نفسها، ثرية بالتأكيد، بقامات أدبية باسقة، وبواعدين وواعدات لا يجيدون لعبة العلاقات العامة، يُغتالون أو يُهمّشون. وفي هذا السياق أقول: أن قراعين وهي تسافر بغزارة في غيطان الأدب، قد اعتزلت فعل الجوقة احتراما لنفسها. لا تريد أن تتحول من أديبة واعدة تعتز بقلمها، إلى صائدة منصات، تبحث عن ظهور هنا، أو لايك هناك، أو تعقيب هنالك. وأنا على وشك توديع هذه الانثيالات، أود التأكيد على أن السيده جهاد قراعين، تؤمن على أنها ليست مي زيادة، ولا غادة السمان، ولا حتى أحلام مستغانمي، وأنها تدرك في الوقت نفسه، أن تجربتها الأدبية ظامئة لتعدد القراءات المنصفة والمثرية لها، من قبل القراء وحراس الأدب. الذين يقاربون النصوص بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات. ويفصلون ما بين ذائقتهم المحدودة، والقيمة التي قد ينجح النص عبرها من تحاوز ذائقتهم. ولا تبحث عن أولئك الذين لا يدركون المسافة الدقيقة بين الفهم والحكم والنقد والشخصنة. وأنا أؤكد على أن السيدة قراعين، حالة أدبية واعدةـ تستحق الاحتفاء بها. أبارك للمكتبة الأدبية الأردنية هذه الإضافات المثرية، وأبارك لها متمنيا عليها المزيد من الإبداع الأدبي، الذي تتفوق به على نفسها. ومواصلة صقل ملكاتها، وتحصين مهاراتها، بالمزيد من التواضع والإتقان والتنويع. فهذا وحده، هو الذي سيرسخ حضورها في المشهد الثقافي الأردني، ويطوره.
التعليقات
اطلالة على أدب جهاد قراعين. كتب الدكتور سمير محمد ايوب
التعليقات