تكشف التطورات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران أن المنطقة لم تعد تقف أمام مجرد حرب تقليدية أو مواجهة عسكرية عابرة، بل أمام عملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، ضمن صراع يتجاوز الملف النووي الإيراني ليطال مستقبل الطاقة العالمية، والتحالفات الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، وحتى شكل النظام السياسي في الإقليم. فالضربات الأميركية الجديدة ضد مواقع إطلاق صواريخ وقوارب إيرانية في جنوب إيران، رغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ الثامن من نيسان، تؤكد أن واشنطن ما تزال تعتمد سياسة “الضغط بالنار أثناء التفاوض”، أي استخدام القوة العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي لمنع طهران من فرض وقائع ميدانية جديدة خلال التفاوض. وفي المقابل، فإن وصول وفد إيراني رفيع المستوى إلى الدوحة، يضم شخصيات سياسية ومالية وأمنية بارزة، يعكس أن طهران نفسها باتت تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يهدد بنية الاقتصاد الإيراني، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على قطاع الطاقة وتجميد الأموال الإيرانية وتعقيدات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. لكن اللافت في المشهد كله أن الدوحة تحولت إلى مركز إدارة الاشتباك السياسي بين واشنطن وطهران، بما يعكس عودة الخليج العربي إلى لعب دور “منصة التوازن الإقليمي” بدلاً من البقاء مجرد ساحة لتلقي ارتدادات الصراع. المفاوضات الجارية اليوم لا تدور فقط حول وقف الحرب، بل حول إعادة تعريف النفوذ في الشرق الأوسط: من يسيطر على أمن الخليج؟ ومن يضمن تدفق الطاقة؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة الممرات البحرية؟ ومن يرسم حدود العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي بعد الحرب؟ هنا تحديداً يمكن فهم إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ربط أي تفاهم مع إيران بتوسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، ومحاولة دفع دول عربية وإسلامية نحو التطبيع مع إسرائيل ضمن صفقة إقليمية شاملة. غير أن هذا الطرح يكشف أيضاً عن فجوة كبيرة في فهم تعقيدات المنطقة؛ لأن العديد من الدول العربية، وعلى رأسها السعوديةوقطر، تربط أي تطبيع شامل بقيام دولة فلسطينية مستقلة، في ظل تنامي الغضب الشعبي العربي من الحرب في غزة ولبنان. كما أن التصعيد الإسرائيلي ضد 'حزب الله' في جنوب لبنان يعقّد المشهد أكثر، لأن إيران تعتبر أن أي اتفاق إقليمي لا يشمل وقف الحرب في لبنان سيكون اتفاقاً ناقصاً يفتقد لضمانات الاستقرار الحقيقي. إسرائيل من جهتها تبدو وكأنها تحاول استثمار لحظة الضغط الأميركي على إيران لتصفية الحساب العسكري مع حزب الله، عبر توسيع الضربات ورفع مستوى الاستنزاف العسكري في الجنوب اللبناني، وهو ما يهدد بنسف أي مسار تفاوضي إذا توسعت المواجهة إلى حرب شاملة على الجبهة الشمالية. وفي العمق، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عسكرية، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم: هل سيكون شرق أوسط تقوده التفاهمات الاقتصادية؟ أم شرق أوسط تحكمه الأحلاف العسكرية؟ أم منطقة تعيش على حافة الحروب منخفضة الحدة لعقود طويلة؟ الأسواق العالمية بدأت تعكس هذا القلق بوضوح. فأسعار النفط تشهد اضطراباً حاداً، فيما يراقب العالم مستقبل مضيق هرمز باعتباره شريان الطاقة الأهم عالمياً. وأي تعطيل طويل للملاحة هناك يعني إعادة تسعير الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم التصعيد العسكري، فإن استمرار المحادثات في الدوحة يؤكد أن جميع الأطراف تدرك استحالة الحسم الكامل بالقوة العسكرية وحدها. فالولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية شاملة تستنزف الاقتصاد الأميركي في سنة انتخابية حساسة، وإيران تدرك أن الانهيار الاقتصادي الداخلي قد يكون أخطر عليها من الضربات العسكرية نفسها، بينما تخشى دول الخليج من تحوّل المنطقة إلى ساحة فوضى دائمة تهدد مشاريع التنمية والطاقة والاستثمار. لذلك يمكن القول إن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة “هدنة فوق فوهة بركان”؛ هدنة لا تعني نهاية الصراع، بل انتقاله من الميدان العسكري المباشر إلى طاولة إعادة توزيع النفوذ والتوازنات. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتوقف الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟
تكشف التطورات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران أن المنطقة لم تعد تقف أمام مجرد حرب تقليدية أو مواجهة عسكرية عابرة، بل أمام عملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، ضمن صراع يتجاوز الملف النووي الإيراني ليطال مستقبل الطاقة العالمية، والتحالفات الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، وحتى شكل النظام السياسي في الإقليم. فالضربات الأميركية الجديدة ضد مواقع إطلاق صواريخ وقوارب إيرانية في جنوب إيران، رغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ الثامن من نيسان، تؤكد أن واشنطن ما تزال تعتمد سياسة “الضغط بالنار أثناء التفاوض”، أي استخدام القوة العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي لمنع طهران من فرض وقائع ميدانية جديدة خلال التفاوض. وفي المقابل، فإن وصول وفد إيراني رفيع المستوى إلى الدوحة، يضم شخصيات سياسية ومالية وأمنية بارزة، يعكس أن طهران نفسها باتت تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يهدد بنية الاقتصاد الإيراني، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على قطاع الطاقة وتجميد الأموال الإيرانية وتعقيدات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. لكن اللافت في المشهد كله أن الدوحة تحولت إلى مركز إدارة الاشتباك السياسي بين واشنطن وطهران، بما يعكس عودة الخليج العربي إلى لعب دور “منصة التوازن الإقليمي” بدلاً من البقاء مجرد ساحة لتلقي ارتدادات الصراع. المفاوضات الجارية اليوم لا تدور فقط حول وقف الحرب، بل حول إعادة تعريف النفوذ في الشرق الأوسط: من يسيطر على أمن الخليج؟ ومن يضمن تدفق الطاقة؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة الممرات البحرية؟ ومن يرسم حدود العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي بعد الحرب؟ هنا تحديداً يمكن فهم إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ربط أي تفاهم مع إيران بتوسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، ومحاولة دفع دول عربية وإسلامية نحو التطبيع مع إسرائيل ضمن صفقة إقليمية شاملة. غير أن هذا الطرح يكشف أيضاً عن فجوة كبيرة في فهم تعقيدات المنطقة؛ لأن العديد من الدول العربية، وعلى رأسها السعوديةوقطر، تربط أي تطبيع شامل بقيام دولة فلسطينية مستقلة، في ظل تنامي الغضب الشعبي العربي من الحرب في غزة ولبنان. كما أن التصعيد الإسرائيلي ضد 'حزب الله' في جنوب لبنان يعقّد المشهد أكثر، لأن إيران تعتبر أن أي اتفاق إقليمي لا يشمل وقف الحرب في لبنان سيكون اتفاقاً ناقصاً يفتقد لضمانات الاستقرار الحقيقي. إسرائيل من جهتها تبدو وكأنها تحاول استثمار لحظة الضغط الأميركي على إيران لتصفية الحساب العسكري مع حزب الله، عبر توسيع الضربات ورفع مستوى الاستنزاف العسكري في الجنوب اللبناني، وهو ما يهدد بنسف أي مسار تفاوضي إذا توسعت المواجهة إلى حرب شاملة على الجبهة الشمالية. وفي العمق، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عسكرية، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم: هل سيكون شرق أوسط تقوده التفاهمات الاقتصادية؟ أم شرق أوسط تحكمه الأحلاف العسكرية؟ أم منطقة تعيش على حافة الحروب منخفضة الحدة لعقود طويلة؟ الأسواق العالمية بدأت تعكس هذا القلق بوضوح. فأسعار النفط تشهد اضطراباً حاداً، فيما يراقب العالم مستقبل مضيق هرمز باعتباره شريان الطاقة الأهم عالمياً. وأي تعطيل طويل للملاحة هناك يعني إعادة تسعير الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم التصعيد العسكري، فإن استمرار المحادثات في الدوحة يؤكد أن جميع الأطراف تدرك استحالة الحسم الكامل بالقوة العسكرية وحدها. فالولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية شاملة تستنزف الاقتصاد الأميركي في سنة انتخابية حساسة، وإيران تدرك أن الانهيار الاقتصادي الداخلي قد يكون أخطر عليها من الضربات العسكرية نفسها، بينما تخشى دول الخليج من تحوّل المنطقة إلى ساحة فوضى دائمة تهدد مشاريع التنمية والطاقة والاستثمار. لذلك يمكن القول إن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة “هدنة فوق فوهة بركان”؛ هدنة لا تعني نهاية الصراع، بل انتقاله من الميدان العسكري المباشر إلى طاولة إعادة توزيع النفوذ والتوازنات. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتوقف الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟
تكشف التطورات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران أن المنطقة لم تعد تقف أمام مجرد حرب تقليدية أو مواجهة عسكرية عابرة، بل أمام عملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، ضمن صراع يتجاوز الملف النووي الإيراني ليطال مستقبل الطاقة العالمية، والتحالفات الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، وحتى شكل النظام السياسي في الإقليم. فالضربات الأميركية الجديدة ضد مواقع إطلاق صواريخ وقوارب إيرانية في جنوب إيران، رغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ الثامن من نيسان، تؤكد أن واشنطن ما تزال تعتمد سياسة “الضغط بالنار أثناء التفاوض”، أي استخدام القوة العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي لمنع طهران من فرض وقائع ميدانية جديدة خلال التفاوض. وفي المقابل، فإن وصول وفد إيراني رفيع المستوى إلى الدوحة، يضم شخصيات سياسية ومالية وأمنية بارزة، يعكس أن طهران نفسها باتت تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يهدد بنية الاقتصاد الإيراني، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على قطاع الطاقة وتجميد الأموال الإيرانية وتعقيدات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. لكن اللافت في المشهد كله أن الدوحة تحولت إلى مركز إدارة الاشتباك السياسي بين واشنطن وطهران، بما يعكس عودة الخليج العربي إلى لعب دور “منصة التوازن الإقليمي” بدلاً من البقاء مجرد ساحة لتلقي ارتدادات الصراع. المفاوضات الجارية اليوم لا تدور فقط حول وقف الحرب، بل حول إعادة تعريف النفوذ في الشرق الأوسط: من يسيطر على أمن الخليج؟ ومن يضمن تدفق الطاقة؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة الممرات البحرية؟ ومن يرسم حدود العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي بعد الحرب؟ هنا تحديداً يمكن فهم إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ربط أي تفاهم مع إيران بتوسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، ومحاولة دفع دول عربية وإسلامية نحو التطبيع مع إسرائيل ضمن صفقة إقليمية شاملة. غير أن هذا الطرح يكشف أيضاً عن فجوة كبيرة في فهم تعقيدات المنطقة؛ لأن العديد من الدول العربية، وعلى رأسها السعوديةوقطر، تربط أي تطبيع شامل بقيام دولة فلسطينية مستقلة، في ظل تنامي الغضب الشعبي العربي من الحرب في غزة ولبنان. كما أن التصعيد الإسرائيلي ضد 'حزب الله' في جنوب لبنان يعقّد المشهد أكثر، لأن إيران تعتبر أن أي اتفاق إقليمي لا يشمل وقف الحرب في لبنان سيكون اتفاقاً ناقصاً يفتقد لضمانات الاستقرار الحقيقي. إسرائيل من جهتها تبدو وكأنها تحاول استثمار لحظة الضغط الأميركي على إيران لتصفية الحساب العسكري مع حزب الله، عبر توسيع الضربات ورفع مستوى الاستنزاف العسكري في الجنوب اللبناني، وهو ما يهدد بنسف أي مسار تفاوضي إذا توسعت المواجهة إلى حرب شاملة على الجبهة الشمالية. وفي العمق، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عسكرية، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم: هل سيكون شرق أوسط تقوده التفاهمات الاقتصادية؟ أم شرق أوسط تحكمه الأحلاف العسكرية؟ أم منطقة تعيش على حافة الحروب منخفضة الحدة لعقود طويلة؟ الأسواق العالمية بدأت تعكس هذا القلق بوضوح. فأسعار النفط تشهد اضطراباً حاداً، فيما يراقب العالم مستقبل مضيق هرمز باعتباره شريان الطاقة الأهم عالمياً. وأي تعطيل طويل للملاحة هناك يعني إعادة تسعير الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم التصعيد العسكري، فإن استمرار المحادثات في الدوحة يؤكد أن جميع الأطراف تدرك استحالة الحسم الكامل بالقوة العسكرية وحدها. فالولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية شاملة تستنزف الاقتصاد الأميركي في سنة انتخابية حساسة، وإيران تدرك أن الانهيار الاقتصادي الداخلي قد يكون أخطر عليها من الضربات العسكرية نفسها، بينما تخشى دول الخليج من تحوّل المنطقة إلى ساحة فوضى دائمة تهدد مشاريع التنمية والطاقة والاستثمار. لذلك يمكن القول إن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة “هدنة فوق فوهة بركان”؛ هدنة لا تعني نهاية الصراع، بل انتقاله من الميدان العسكري المباشر إلى طاولة إعادة توزيع النفوذ والتوازنات. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتوقف الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟
التعليقات
الشرق الأوسط بين هدنة النار وصفقة النفوذ بقلم الدكتور علي فواز العدوان
التعليقات