في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، بدا خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقرب إلى بيان سياسي تعبوي منه إلى خطاب احتفالي تقليدي. فالمنصة التي كان يُفترض أن تُكرّس الإجماع الوطني حول رمزية التأسيس، تحولت إلى مساحة لإعادة تعريف الصراع السياسي الداخلي بصيغة أيديولوجية حادة، تتصدرها مفردة “الشيوعية” بوصفها تهديدًا متجددًا للأمة الأمريكية. لم يكن اختيار هذا المفهوم اعتباطيًا، بل جاء محمّلًا بدلالات تاريخية تعيد استحضار مناخات الحرب الباردة، ولكن ضمن سياق داخلي هذه المرة، حيث لم يعد “العدو” خارج الحدود، بل داخل البنية السياسية والاجتماعية نفسها. فتصوير الشيوعية على أنها “سرطان” يهدد الجسد الأمريكي يعكس انتقالًا من خطاب الاختلاف السياسي إلى خطاب التهديد الوجودي، وهو تحول بالغ الخطورة في بنية الخطاب العام. في هذا السياق، لا يُقرأ الخطاب بوصفه توصيفًا دقيقًا لتيارات أيديولوجية محددة، بقدر ما هو إعادة صياغة فضفاضة لمفهوم “الخصم”، بحيث يتسع ليشمل طيفًا واسعًا من التيارات اليسارية والتقدمية، دون حاجة إلى تحديد تنظيمي أو سياسي دقيق. هذا التعميم يتيح توسيع دائرة الاستهداف الرمزي، وتحويل الخصم السياسي إلى حالة ذهنية قابلة للتكييف وفق مقتضيات الخطاب. ومن اللافت أن الخطاب، رغم حدته في توصيف “الخطر الشيوعي”، تجنب التسمية المباشرة لبعض الحركات المثيرة للجدل في السياق الأمريكي مثل “أنتيفا”، وهو ما يشير إلى استراتيجية خطابية تقوم على تجريد الخصم من شكله التنظيمي، وإبقائه ضمن إطار أيديولوجي واسع ومرن، يسمح بتوظيفه سياسيًا دون التورط في تحديدات قانونية أو مؤسسية مباشرة. كما عكس الخطاب تداخلًا واضحًا بين الرمزية الوطنية والوظيفة الانتخابية، حيث تم توظيف مناسبة تأسيس الدولة لإعادة إنتاج خطاب تعبوي موجّه للداخل السياسي، يقوم على تعزيز مفاهيم مثل الهوية، والأمن، والانتماء، في مقابل تصوير الخصوم السياسيين كتهديد لهذه القيم المؤسسة. وهنا تتحول المناسبة الوطنية إلى منصة لإعادة تموضع سياسي أكثر منها لحظة تأمل تاريخي. إن هذا النمط من الخطاب يعكس إحدى سمات السياسة الأمريكية المعاصرة، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الدولة ككيان رمزي جامع، والحزب كفاعل سياسي تنافسي، لصالح تداخل يجعل من الرمزية الوطنية جزءًا من الصراع الانتخابي المستمر. من وجهةنظري، لا يمكن قراءة خطاب ترامب بمعزل عن سياق الاستقطاب الداخلي المتصاعد في الولايات المتحدة، إذ يتجاوز الخطاب كونه تعليقًا على “الشيوعية” ليصبح أداة في إعادة تشكيل الوعي السياسي العام، عبر إعادة تعريف العدو، وتوسيع دائرته، وتحويله من خصم سياسي إلى تهديد وجودي. وهكذا، فإن الذكرى التي كان يُفترض أن تؤسس لسردية وحدة وطنية، تحولت إلى لحظة لإعادة إنتاج الانقسام، ولكن هذه المرة بلغة أيديولوجية أكثر حدة ووضوحًا.
في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، بدا خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقرب إلى بيان سياسي تعبوي منه إلى خطاب احتفالي تقليدي. فالمنصة التي كان يُفترض أن تُكرّس الإجماع الوطني حول رمزية التأسيس، تحولت إلى مساحة لإعادة تعريف الصراع السياسي الداخلي بصيغة أيديولوجية حادة، تتصدرها مفردة “الشيوعية” بوصفها تهديدًا متجددًا للأمة الأمريكية. لم يكن اختيار هذا المفهوم اعتباطيًا، بل جاء محمّلًا بدلالات تاريخية تعيد استحضار مناخات الحرب الباردة، ولكن ضمن سياق داخلي هذه المرة، حيث لم يعد “العدو” خارج الحدود، بل داخل البنية السياسية والاجتماعية نفسها. فتصوير الشيوعية على أنها “سرطان” يهدد الجسد الأمريكي يعكس انتقالًا من خطاب الاختلاف السياسي إلى خطاب التهديد الوجودي، وهو تحول بالغ الخطورة في بنية الخطاب العام. في هذا السياق، لا يُقرأ الخطاب بوصفه توصيفًا دقيقًا لتيارات أيديولوجية محددة، بقدر ما هو إعادة صياغة فضفاضة لمفهوم “الخصم”، بحيث يتسع ليشمل طيفًا واسعًا من التيارات اليسارية والتقدمية، دون حاجة إلى تحديد تنظيمي أو سياسي دقيق. هذا التعميم يتيح توسيع دائرة الاستهداف الرمزي، وتحويل الخصم السياسي إلى حالة ذهنية قابلة للتكييف وفق مقتضيات الخطاب. ومن اللافت أن الخطاب، رغم حدته في توصيف “الخطر الشيوعي”، تجنب التسمية المباشرة لبعض الحركات المثيرة للجدل في السياق الأمريكي مثل “أنتيفا”، وهو ما يشير إلى استراتيجية خطابية تقوم على تجريد الخصم من شكله التنظيمي، وإبقائه ضمن إطار أيديولوجي واسع ومرن، يسمح بتوظيفه سياسيًا دون التورط في تحديدات قانونية أو مؤسسية مباشرة. كما عكس الخطاب تداخلًا واضحًا بين الرمزية الوطنية والوظيفة الانتخابية، حيث تم توظيف مناسبة تأسيس الدولة لإعادة إنتاج خطاب تعبوي موجّه للداخل السياسي، يقوم على تعزيز مفاهيم مثل الهوية، والأمن، والانتماء، في مقابل تصوير الخصوم السياسيين كتهديد لهذه القيم المؤسسة. وهنا تتحول المناسبة الوطنية إلى منصة لإعادة تموضع سياسي أكثر منها لحظة تأمل تاريخي. إن هذا النمط من الخطاب يعكس إحدى سمات السياسة الأمريكية المعاصرة، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الدولة ككيان رمزي جامع، والحزب كفاعل سياسي تنافسي، لصالح تداخل يجعل من الرمزية الوطنية جزءًا من الصراع الانتخابي المستمر. من وجهةنظري، لا يمكن قراءة خطاب ترامب بمعزل عن سياق الاستقطاب الداخلي المتصاعد في الولايات المتحدة، إذ يتجاوز الخطاب كونه تعليقًا على “الشيوعية” ليصبح أداة في إعادة تشكيل الوعي السياسي العام، عبر إعادة تعريف العدو، وتوسيع دائرته، وتحويله من خصم سياسي إلى تهديد وجودي. وهكذا، فإن الذكرى التي كان يُفترض أن تؤسس لسردية وحدة وطنية، تحولت إلى لحظة لإعادة إنتاج الانقسام، ولكن هذه المرة بلغة أيديولوجية أكثر حدة ووضوحًا.
في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، بدا خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقرب إلى بيان سياسي تعبوي منه إلى خطاب احتفالي تقليدي. فالمنصة التي كان يُفترض أن تُكرّس الإجماع الوطني حول رمزية التأسيس، تحولت إلى مساحة لإعادة تعريف الصراع السياسي الداخلي بصيغة أيديولوجية حادة، تتصدرها مفردة “الشيوعية” بوصفها تهديدًا متجددًا للأمة الأمريكية. لم يكن اختيار هذا المفهوم اعتباطيًا، بل جاء محمّلًا بدلالات تاريخية تعيد استحضار مناخات الحرب الباردة، ولكن ضمن سياق داخلي هذه المرة، حيث لم يعد “العدو” خارج الحدود، بل داخل البنية السياسية والاجتماعية نفسها. فتصوير الشيوعية على أنها “سرطان” يهدد الجسد الأمريكي يعكس انتقالًا من خطاب الاختلاف السياسي إلى خطاب التهديد الوجودي، وهو تحول بالغ الخطورة في بنية الخطاب العام. في هذا السياق، لا يُقرأ الخطاب بوصفه توصيفًا دقيقًا لتيارات أيديولوجية محددة، بقدر ما هو إعادة صياغة فضفاضة لمفهوم “الخصم”، بحيث يتسع ليشمل طيفًا واسعًا من التيارات اليسارية والتقدمية، دون حاجة إلى تحديد تنظيمي أو سياسي دقيق. هذا التعميم يتيح توسيع دائرة الاستهداف الرمزي، وتحويل الخصم السياسي إلى حالة ذهنية قابلة للتكييف وفق مقتضيات الخطاب. ومن اللافت أن الخطاب، رغم حدته في توصيف “الخطر الشيوعي”، تجنب التسمية المباشرة لبعض الحركات المثيرة للجدل في السياق الأمريكي مثل “أنتيفا”، وهو ما يشير إلى استراتيجية خطابية تقوم على تجريد الخصم من شكله التنظيمي، وإبقائه ضمن إطار أيديولوجي واسع ومرن، يسمح بتوظيفه سياسيًا دون التورط في تحديدات قانونية أو مؤسسية مباشرة. كما عكس الخطاب تداخلًا واضحًا بين الرمزية الوطنية والوظيفة الانتخابية، حيث تم توظيف مناسبة تأسيس الدولة لإعادة إنتاج خطاب تعبوي موجّه للداخل السياسي، يقوم على تعزيز مفاهيم مثل الهوية، والأمن، والانتماء، في مقابل تصوير الخصوم السياسيين كتهديد لهذه القيم المؤسسة. وهنا تتحول المناسبة الوطنية إلى منصة لإعادة تموضع سياسي أكثر منها لحظة تأمل تاريخي. إن هذا النمط من الخطاب يعكس إحدى سمات السياسة الأمريكية المعاصرة، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الدولة ككيان رمزي جامع، والحزب كفاعل سياسي تنافسي، لصالح تداخل يجعل من الرمزية الوطنية جزءًا من الصراع الانتخابي المستمر. من وجهةنظري، لا يمكن قراءة خطاب ترامب بمعزل عن سياق الاستقطاب الداخلي المتصاعد في الولايات المتحدة، إذ يتجاوز الخطاب كونه تعليقًا على “الشيوعية” ليصبح أداة في إعادة تشكيل الوعي السياسي العام، عبر إعادة تعريف العدو، وتوسيع دائرته، وتحويله من خصم سياسي إلى تهديد وجودي. وهكذا، فإن الذكرى التي كان يُفترض أن تؤسس لسردية وحدة وطنية، تحولت إلى لحظة لإعادة إنتاج الانقسام، ولكن هذه المرة بلغة أيديولوجية أكثر حدة ووضوحًا.
التعليقات
إعادة إنتاج الصراع الأيديولوجي في الداخل الأمريكي بقلم: د. علي فواز العدوان
التعليقات