A Systems-Based Framework for National Economic Design
الفصل الثاني
عندما يتحول النجاح إلى منظومة وطنية
الأحد ٢٠٢٦/٧/١٢
في الفصل الأول من هذه الرحلة تحدثت عن اللحظة التي يمكن فيها لمباراة كرة قدم أن تتجاوز حدود الملعب فتتحول إلى إعلام وسياحة واستثمار وهوية وطنية وفرص للشباب
وكان السؤال في جوهره بسيطًا
كيف نجعل نجاحًا واحدًا يصنع نجاحات أخرى؟
أما اليوم فننتقل إلى سؤال أعمق
لماذا تنجح بعض المبادرات والمشاريع في الأردن للحظة ثم يتراجع أثرها سريعًا؟
ولماذا نحتفل كثيرًا بالبدايات بينما لا نعرف بعد عام ماذا بقي من النتائج؟
الحقيقة أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب الأفكار ولا في ضعف الرغبة في الإنجاز
بل في أننا نتعامل مع النجاح باعتباره لحظة وصول بينما هو في الدول والمؤسسات المتقدمة بداية دورة جديدة من العمل والقياس والتطوير
فنحن نعلن عن مشروع
ونحتفل بإطلاقه
وننشر الصور والتصريحات
ثم ننتقل إلى مشروع آخر
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو
ماذا غيّر هذا المشروع فعلًا؟
كم فرصة عمل مستدامة خلق؟
كم مؤسسة استفادت منه؟
كم دينارًا إضافيًا دخل إلى الاقتصاد؟
كم مواطنًا تحسنت حياته؟
كم قطاعًا تحرك بسببه؟
وماذا تعلمنا من نقاط ضعفه؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا بالإنجاز
بل هي التي تحمي الإنجاز من أن يتحول إلى ذكرى إعلامية أو كلفة صامتة تتحملها الدولة والمواطن
في أدبيات البنك الدولي لا يُقاس نجاح المشاريع بمجرد تنفيذ النشاط أو إنفاق الموازنة بل من خلال سلسلة واضحة تبدأ بالمخرجات ثم تنتقل إلى النتائج وتنتهي بالأثر
فإنشاء مركز تدريب مثلًا هو مخرج
وتدريب عدد من الشباب نتيجة أولية
لكن حصول هؤلاء الشباب على فرص عمل وارتفاع دخلهم وتحسن قدرتهم الإنتاجية هو الأثر الذي يبرر المشروع في النهاية
ولهذا يؤكد البنك الدولي أن إطار النتائج يجب أن يحدد منذ البداية العلاقة بين المدخلات والمخرجات والنتائج والأثر وأن يتضمن مؤشرات وخطوط أساس وأهدافًا زمنية قابلة للقياس والمراجعة
وهنا يظهر الفرق بين إنجاز المشروع وإنجاز الغاية
قد تُنجز الحكومة مبنى في الوقت المحدد
وقد تُطلق منصة إلكترونية
وقد تعقد مؤتمرًا اقتصاديًا ضخمًا
وقد تعلن عن مبادرة للشباب
لكن ذلك كله لا يكفي لاعتبار السياسة ناجحة
فالمنصة لا تُقاس بعدد مرات الإعلان عنها بل بعدد الخدمات التي حسّنتها
والمؤتمر لا يُقاس بعدد الحضور بل بالاستثمارات والاتفاقيات التي تحولت إلى واقع
والمبادرة الشبابية لا تُقاس بعدد المشاركين في حفل الافتتاح بل بعدد الشباب الذين انتقلوا من الانتظار إلى الإنتاج
والمشروع الاقتصادي لا يُقاس بحجم كلفته بل بحجم القيمة التي أضافها إلى الاقتصاد وحياة الناس
ولهذا فإن النجاح في هندسة الاقتصاد الوطني ليس حدثًا
النجاح نظام
ودورة حياة النجاح في مفهوم JEEA لا تتوقف عند التنفيذ
بل تسير على النحو الآتي
فكرة
ثم تصميم
ثم تنفيذ
ثم مخرجات
ثم نتائج
ثم قياس للأثر
ثم تعلم من الأخطاء
ثم تطوير وتوسّع
ثم إعادة استثمار للنجاح
ثم نجاح جديد
أما عندما نتوقف عند التنفيذ والاحتفال فإن الدورة تصبح أقصر بكثير
فكرة
ثم إعلان
ثم تنفيذ جزئي
ثم احتفال
ثم نسيان
وهنا نخسر القيمة التي كان يمكن أن تتولد من المشروع حتى لو كانت الفكرة الأصلية جيدة
معهد إدارة المشاريع PMI يضع ما يسمى إدارة تحقيق المنافع في صميم إدارة البرامج والمشاريع الحديثة
فالمشروع لا ينجح لمجرد أنه سلّم مخرجاته ضمن الوقت والموازنة بل عندما تتحقق المنافع التي أنشئ من أجلها وتستمر بعد انتهاء التنفيذ الرسمي
أي أن قيمة المشروع تبدأ بالظهور أحيانًا بعد انتهاء عمل فريق المشروع لا قبل ذلك
وهذا المبدأ بالغ الأهمية في الإدارة العامة
فالطريق الذي يُعبّد ليس غايته تعبيد الإسفلت
غايته تقليل الحوادث وتقصير زمن الرحلة وخفض كلفة النقل وربط الناس بالأسواق والخدمات
والمستشفى الذي يُبنى لا تكون غايته عدد الأسرّة فقط
بل جودة الرعاية وسرعة الوصول وانخفاض المضاعفات وتحسن صحة الناس
والبرنامج الاقتصادي لا تكون غايته عدد الشركات المسجلة
بل قدرتها على البقاء والنمو والتصدير وخلق الوظائف والقيمة المضافة
وإذا لم نحدد هذه الغايات منذ البداية فإننا سنحتفل بالمخرجات بينما يظل المواطن يبحث عن النتائج
وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الإدارة التقليدية
أنها تراقب ما تم إنفاقه وما تم تنفيذه لكنها لا تتبع بما يكفي ما الذي تغير في حياة الناس
أما الإدارة الحديثة فتبدأ من النهاية
تحدد الأثر المطلوب أولًا
ثم تعود إلى الخلف لتصمم السياسات والمشاريع التي تستطيع تحقيقه
وهذا قريب من مفهوم نظرية التغيير الذي تستخدمه المؤسسات الدولية
حيث يجب أن تكون هناك سلسلة سببية واضحة تشرح لماذا سيؤدي النشاط إلى مخرج ولماذا سيؤدي المخرج إلى نتيجة وكيف ستقود النتيجة إلى أثر طويل المدى مع تحديد المخاطر والافتراضات في كل مرحلة
وهنا يأتي التفكير المنظومي الذي تتبناه JEEA
فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تؤكد أن التحديات العامة الحديثة مترابطة ومعقدة ولا يمكن معالجتها بأدوات قطاعية منعزلة لأن التدخل في جزء واحد من النظام قد ينتج آثارًا مباشرة وغير مباشرة في أجزاء أخرى
ولهذا تدعو إلى استخدام التفكير المنظومي في صنع السياسات لفهم العلاقات والتغذية الراجعة والآثار المتراكمة بدل الاكتفاء بعلاج كل مشكلة على حدة
وهذه هي الفكرة الجوهرية التي أحاول تقديمها من خلال هندسة الاقتصاد الوطني
لا يكفي أن تنجح وزارة في مشروعها إذا لم ينعكس نجاحها على المنظومة الوطنية
ولا يكفي أن يتحسن قطاع دون أن نعرف كيف سيغذي القطاعات الأخرى
ولا يكفي أن نخلق فرصة استثمارية إذا بقيت منفصلة عن التعليم والتدريب والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد المحلية
فالنجاح المعزول قد يحقق رقمًا
أما النجاح المترابط فيبني اقتصادًا
لنأخذ مثالًا بسيطًا
إذا أطلقنا مشروعًا سياحيًا في منطقة ما فقد نعتبر افتتاحه نجاحًا
لكن من منظور هندسة الاقتصاد الوطني تبدأ الأسئلة بعد الافتتاح
هل استفاد أبناء المنطقة من الوظائف؟
هل دخلت المنتجات المحلية إلى سلسلة التوريد؟
هل استفادت شركات النقل؟
هل تم تطوير المهارات المطلوبة في الجامعات والمعاهد؟
هل ظهرت مشاريع صغيرة حول الموقع؟
هل جرى تسويق المنطقة عالميًا؟
هل تحسنت البنية التحتية؟
هل زادت مدة إقامة السائح وإنفاقه؟
هل تم قياس الأثر البيئي والاجتماعي؟
إذا كانت الإجابات واضحة ومدعومة بالبيانات فقد تحول المشروع إلى منظومة وطنية
أما إذا بقي المشروع مبنى جميلًا أو فعالية موسمية فقد حقق مخرجًا لكنه لم يحقق كامل قيمته
والأمر ذاته ينطبق على الرياضة
فالفصل السابق لم يكن دعوة للاحتفال بالنشامى فقط
بل لفهم كيف يمكن للنجاح الرياضي أن يتحول إلى أكاديميات وصناعة رياضية وسياحة وإعلام واحتراف وفرص عمل وتسويق دولي للأردن
فإذا انتهى الإنجاز بانتهاء البطولة فقد نجح المنتخب
أما إذا تحركت القطاعات الأخرى فقد نجحت الدولة في تحويل الإنجاز إلى منظومة
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني ليس في يوم إطلاقه
بل بعد عام وثلاثة أعوام وخمسة أعوام
ماذا بقي؟
وماذا نما؟
ومن استفاد؟
وما الذي تغير؟
وما الذي فشل؟
وماذا تعلمنا؟
الدول الجادة لا تخشى قياس الفشل
لأن الفشل المقاس معلومة
أما الفشل المخفي فهو كلفة تتكرر
والنجاح غير المقاس ادعاء
أما النجاح المدعوم بالنتائج فهو أصل وطني يمكن البناء عليه
ولهذا أصدرت OECD توصية حديثة تدعو إلى منهج مؤسسي ومنظومي لتقييم السياسات العامة لأن الحكومات تواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات أن استخدام الموارد العامة والقرارات المتخذة يحقق نتائج فعلية ويحسن حياة الناس
هذه الفكرة ترتبط مباشرة برؤية التحديث الاقتصادي الأردني 2033
فالرؤية ليست مجرد قائمة من المبادرات
وإنما مسار وطني طويل يحتاج إلى إدارة مترابطة وقياس مستمر
والنجاح الحقيقي للرؤية لن يكون في عدد المشاريع التي أعلنت تحت مظلتها
بل في قدرتها على رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة وزيادة الصادرات والاستثمار وتحسين نوعية حياة المواطن
وهنا لا يأتي JEEA منافسًا للرؤية ولا بديلًا عنها
بل كمنهج هندسي يساعد على ربط محركاتها ومبادراتها ضمن منظومة واحدة
منهج يبدأ بالسؤال عن الأثر المطلوب
ثم يصمم العلاقات بين القطاعات
ثم يحدد المسؤوليات
ثم يضع المؤشرات
ثم يقيس النتائج
ثم يعيد توجيه الموارد وفق ما تثبته البيانات
ففي الهندسة لا نكتفي ببناء النظام
بل نختبره تحت الضغط
نقيس أداءه
نكتشف نقاط الضعف
نحلل أسباب الخلل
نصحح التصميم
ثم نعيد الاختبار
والاقتصاد الوطني يحتاج إلى العقلية نفسها
ليس كل قرار فاشلًا لأنه احتاج إلى تعديل
الفشل الحقيقي هو أن تظهر النتائج السلبية ولا نراجع القرار
وليس كل مشروع ناجحًا لأنه افتتح
النجاح الحقيقي أن يستمر أثره ويتوسع ويخلق قيمة جديدة
وهنا أقترح أن يصبح لكل مشروع وطني كبير بطاقة أثر معلنة ومفهومة للمواطن تتضمن الهدف الأصلي وخط الأساس والموازنة والمخرجات المتوقعة والنتائج المستهدفة والأثر المطلوب والمؤشرات والجدول الزمني والجهة المسؤولة عن القياس وما تحقق فعلًا وما لم يتحقق ولماذا
ليس بهدف التشهير أو تصفية الحسابات
بل لحماية المال العام وتحسين القرارات وبناء الثقة
فالثقة لا تُبنى بكثرة التصريحات
بل عندما يرى المواطن أن الدولة تقول ما الذي ستفعله ثم تنشر ما الذي تحقق ثم تعترف بما لم يتحقق ثم تصحح المسار
وهذه ليست رفاهية إدارية
بل أساس من أسس الاقتصاد القوي
لأن المستثمر يحتاج إلى مؤسسات تقيس وتتعلم
والمواطن يحتاج إلى معرفة أين تذهب موارده
والمسؤول الجاد يحتاج إلى بيانات تساعده على اتخاذ القرار
والدولة تحتاج إلى ذاكرة مؤسسية تمنع تكرار الأخطاء مع كل تغيير إداري أو حكومي
ومن هنا نصل إلى المبدأ الثاني في هندسة الاقتصاد الوطني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
فالنية تطلق المشروع
لكن القياس يحميه
والتخطيط يبدأه
لكن التعلم يطوره
والتمويل يبنيه
لكن الأثر هو الذي يمنحه الشرعية والاستدامة
لقد اعتدنا أن نسأل
كم مشروعًا أطلقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم مشروعًا ما زال يصنع قيمة؟
واعتدنا أن نسأل
كم أنفقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا تحقق؟
واعتدنا أن نسأل
كم مستفيدًا حضر؟
لكن السؤال الأهم هو
كم حياة تغيرت فعلًا؟
هذه هي النقلة التي نحتاجها
من ثقافة النشاط إلى ثقافة النتائج
ومن إدارة المشروع إلى إدارة المنفعة
ومن الاحتفال بالمخرجات إلى قياس الأثر
ومن نجاح منفصل إلى منظومة وطنية متكاملة
تأمل JEEA
النجاح ليس لحظة نصل إليها
النجاح منظومة تتعلم وتتطور وتولد نجاحًا جديدًا
والدول لا تُبنى بكثرة ما تطلقه من مشاريع
بل بقدرتها على تحويل كل مشروع إلى قيمة مستدامة يشعر بها المواطن
هذه هي رحلتنا في هندسة الاقتصاد الوطني
لا نبحث فيها عن مشروع أكبر
بل عن أثر أعمق
ولا عن إعلان أكثر بريقًا
بل عن نتيجة أبقى
ولا عن نجاح ينتهي بالتصفيق
بل عن نجاح يبدأ منه البناء
م. سفيان الخالدي
Founder & Chief Architect
Jordan Economic Engineering Architecture (JEEA)
Economic Systems Architect
نُصمم الاقتصاد… ليشعر المواطن بالأثر
Designing Economies. Delivering Impact.
المبدأ الأول
لا يوجد نجاح يجب أن يعمل وحده… كل نجاح يجب أن يصنع نجاحًا آخر
المبدأ الثاني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
A Systems-Based Framework for National Economic Design
الفصل الثاني
عندما يتحول النجاح إلى منظومة وطنية
الأحد ٢٠٢٦/٧/١٢
في الفصل الأول من هذه الرحلة تحدثت عن اللحظة التي يمكن فيها لمباراة كرة قدم أن تتجاوز حدود الملعب فتتحول إلى إعلام وسياحة واستثمار وهوية وطنية وفرص للشباب
وكان السؤال في جوهره بسيطًا
كيف نجعل نجاحًا واحدًا يصنع نجاحات أخرى؟
أما اليوم فننتقل إلى سؤال أعمق
لماذا تنجح بعض المبادرات والمشاريع في الأردن للحظة ثم يتراجع أثرها سريعًا؟
ولماذا نحتفل كثيرًا بالبدايات بينما لا نعرف بعد عام ماذا بقي من النتائج؟
الحقيقة أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب الأفكار ولا في ضعف الرغبة في الإنجاز
بل في أننا نتعامل مع النجاح باعتباره لحظة وصول بينما هو في الدول والمؤسسات المتقدمة بداية دورة جديدة من العمل والقياس والتطوير
فنحن نعلن عن مشروع
ونحتفل بإطلاقه
وننشر الصور والتصريحات
ثم ننتقل إلى مشروع آخر
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو
ماذا غيّر هذا المشروع فعلًا؟
كم فرصة عمل مستدامة خلق؟
كم مؤسسة استفادت منه؟
كم دينارًا إضافيًا دخل إلى الاقتصاد؟
كم مواطنًا تحسنت حياته؟
كم قطاعًا تحرك بسببه؟
وماذا تعلمنا من نقاط ضعفه؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا بالإنجاز
بل هي التي تحمي الإنجاز من أن يتحول إلى ذكرى إعلامية أو كلفة صامتة تتحملها الدولة والمواطن
في أدبيات البنك الدولي لا يُقاس نجاح المشاريع بمجرد تنفيذ النشاط أو إنفاق الموازنة بل من خلال سلسلة واضحة تبدأ بالمخرجات ثم تنتقل إلى النتائج وتنتهي بالأثر
فإنشاء مركز تدريب مثلًا هو مخرج
وتدريب عدد من الشباب نتيجة أولية
لكن حصول هؤلاء الشباب على فرص عمل وارتفاع دخلهم وتحسن قدرتهم الإنتاجية هو الأثر الذي يبرر المشروع في النهاية
ولهذا يؤكد البنك الدولي أن إطار النتائج يجب أن يحدد منذ البداية العلاقة بين المدخلات والمخرجات والنتائج والأثر وأن يتضمن مؤشرات وخطوط أساس وأهدافًا زمنية قابلة للقياس والمراجعة
وهنا يظهر الفرق بين إنجاز المشروع وإنجاز الغاية
قد تُنجز الحكومة مبنى في الوقت المحدد
وقد تُطلق منصة إلكترونية
وقد تعقد مؤتمرًا اقتصاديًا ضخمًا
وقد تعلن عن مبادرة للشباب
لكن ذلك كله لا يكفي لاعتبار السياسة ناجحة
فالمنصة لا تُقاس بعدد مرات الإعلان عنها بل بعدد الخدمات التي حسّنتها
والمؤتمر لا يُقاس بعدد الحضور بل بالاستثمارات والاتفاقيات التي تحولت إلى واقع
والمبادرة الشبابية لا تُقاس بعدد المشاركين في حفل الافتتاح بل بعدد الشباب الذين انتقلوا من الانتظار إلى الإنتاج
والمشروع الاقتصادي لا يُقاس بحجم كلفته بل بحجم القيمة التي أضافها إلى الاقتصاد وحياة الناس
ولهذا فإن النجاح في هندسة الاقتصاد الوطني ليس حدثًا
النجاح نظام
ودورة حياة النجاح في مفهوم JEEA لا تتوقف عند التنفيذ
بل تسير على النحو الآتي
فكرة
ثم تصميم
ثم تنفيذ
ثم مخرجات
ثم نتائج
ثم قياس للأثر
ثم تعلم من الأخطاء
ثم تطوير وتوسّع
ثم إعادة استثمار للنجاح
ثم نجاح جديد
أما عندما نتوقف عند التنفيذ والاحتفال فإن الدورة تصبح أقصر بكثير
فكرة
ثم إعلان
ثم تنفيذ جزئي
ثم احتفال
ثم نسيان
وهنا نخسر القيمة التي كان يمكن أن تتولد من المشروع حتى لو كانت الفكرة الأصلية جيدة
معهد إدارة المشاريع PMI يضع ما يسمى إدارة تحقيق المنافع في صميم إدارة البرامج والمشاريع الحديثة
فالمشروع لا ينجح لمجرد أنه سلّم مخرجاته ضمن الوقت والموازنة بل عندما تتحقق المنافع التي أنشئ من أجلها وتستمر بعد انتهاء التنفيذ الرسمي
أي أن قيمة المشروع تبدأ بالظهور أحيانًا بعد انتهاء عمل فريق المشروع لا قبل ذلك
وهذا المبدأ بالغ الأهمية في الإدارة العامة
فالطريق الذي يُعبّد ليس غايته تعبيد الإسفلت
غايته تقليل الحوادث وتقصير زمن الرحلة وخفض كلفة النقل وربط الناس بالأسواق والخدمات
والمستشفى الذي يُبنى لا تكون غايته عدد الأسرّة فقط
بل جودة الرعاية وسرعة الوصول وانخفاض المضاعفات وتحسن صحة الناس
والبرنامج الاقتصادي لا تكون غايته عدد الشركات المسجلة
بل قدرتها على البقاء والنمو والتصدير وخلق الوظائف والقيمة المضافة
وإذا لم نحدد هذه الغايات منذ البداية فإننا سنحتفل بالمخرجات بينما يظل المواطن يبحث عن النتائج
وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الإدارة التقليدية
أنها تراقب ما تم إنفاقه وما تم تنفيذه لكنها لا تتبع بما يكفي ما الذي تغير في حياة الناس
أما الإدارة الحديثة فتبدأ من النهاية
تحدد الأثر المطلوب أولًا
ثم تعود إلى الخلف لتصمم السياسات والمشاريع التي تستطيع تحقيقه
وهذا قريب من مفهوم نظرية التغيير الذي تستخدمه المؤسسات الدولية
حيث يجب أن تكون هناك سلسلة سببية واضحة تشرح لماذا سيؤدي النشاط إلى مخرج ولماذا سيؤدي المخرج إلى نتيجة وكيف ستقود النتيجة إلى أثر طويل المدى مع تحديد المخاطر والافتراضات في كل مرحلة
وهنا يأتي التفكير المنظومي الذي تتبناه JEEA
فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تؤكد أن التحديات العامة الحديثة مترابطة ومعقدة ولا يمكن معالجتها بأدوات قطاعية منعزلة لأن التدخل في جزء واحد من النظام قد ينتج آثارًا مباشرة وغير مباشرة في أجزاء أخرى
ولهذا تدعو إلى استخدام التفكير المنظومي في صنع السياسات لفهم العلاقات والتغذية الراجعة والآثار المتراكمة بدل الاكتفاء بعلاج كل مشكلة على حدة
وهذه هي الفكرة الجوهرية التي أحاول تقديمها من خلال هندسة الاقتصاد الوطني
لا يكفي أن تنجح وزارة في مشروعها إذا لم ينعكس نجاحها على المنظومة الوطنية
ولا يكفي أن يتحسن قطاع دون أن نعرف كيف سيغذي القطاعات الأخرى
ولا يكفي أن نخلق فرصة استثمارية إذا بقيت منفصلة عن التعليم والتدريب والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد المحلية
فالنجاح المعزول قد يحقق رقمًا
أما النجاح المترابط فيبني اقتصادًا
لنأخذ مثالًا بسيطًا
إذا أطلقنا مشروعًا سياحيًا في منطقة ما فقد نعتبر افتتاحه نجاحًا
لكن من منظور هندسة الاقتصاد الوطني تبدأ الأسئلة بعد الافتتاح
هل استفاد أبناء المنطقة من الوظائف؟
هل دخلت المنتجات المحلية إلى سلسلة التوريد؟
هل استفادت شركات النقل؟
هل تم تطوير المهارات المطلوبة في الجامعات والمعاهد؟
هل ظهرت مشاريع صغيرة حول الموقع؟
هل جرى تسويق المنطقة عالميًا؟
هل تحسنت البنية التحتية؟
هل زادت مدة إقامة السائح وإنفاقه؟
هل تم قياس الأثر البيئي والاجتماعي؟
إذا كانت الإجابات واضحة ومدعومة بالبيانات فقد تحول المشروع إلى منظومة وطنية
أما إذا بقي المشروع مبنى جميلًا أو فعالية موسمية فقد حقق مخرجًا لكنه لم يحقق كامل قيمته
والأمر ذاته ينطبق على الرياضة
فالفصل السابق لم يكن دعوة للاحتفال بالنشامى فقط
بل لفهم كيف يمكن للنجاح الرياضي أن يتحول إلى أكاديميات وصناعة رياضية وسياحة وإعلام واحتراف وفرص عمل وتسويق دولي للأردن
فإذا انتهى الإنجاز بانتهاء البطولة فقد نجح المنتخب
أما إذا تحركت القطاعات الأخرى فقد نجحت الدولة في تحويل الإنجاز إلى منظومة
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني ليس في يوم إطلاقه
بل بعد عام وثلاثة أعوام وخمسة أعوام
ماذا بقي؟
وماذا نما؟
ومن استفاد؟
وما الذي تغير؟
وما الذي فشل؟
وماذا تعلمنا؟
الدول الجادة لا تخشى قياس الفشل
لأن الفشل المقاس معلومة
أما الفشل المخفي فهو كلفة تتكرر
والنجاح غير المقاس ادعاء
أما النجاح المدعوم بالنتائج فهو أصل وطني يمكن البناء عليه
ولهذا أصدرت OECD توصية حديثة تدعو إلى منهج مؤسسي ومنظومي لتقييم السياسات العامة لأن الحكومات تواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات أن استخدام الموارد العامة والقرارات المتخذة يحقق نتائج فعلية ويحسن حياة الناس
هذه الفكرة ترتبط مباشرة برؤية التحديث الاقتصادي الأردني 2033
فالرؤية ليست مجرد قائمة من المبادرات
وإنما مسار وطني طويل يحتاج إلى إدارة مترابطة وقياس مستمر
والنجاح الحقيقي للرؤية لن يكون في عدد المشاريع التي أعلنت تحت مظلتها
بل في قدرتها على رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة وزيادة الصادرات والاستثمار وتحسين نوعية حياة المواطن
وهنا لا يأتي JEEA منافسًا للرؤية ولا بديلًا عنها
بل كمنهج هندسي يساعد على ربط محركاتها ومبادراتها ضمن منظومة واحدة
منهج يبدأ بالسؤال عن الأثر المطلوب
ثم يصمم العلاقات بين القطاعات
ثم يحدد المسؤوليات
ثم يضع المؤشرات
ثم يقيس النتائج
ثم يعيد توجيه الموارد وفق ما تثبته البيانات
ففي الهندسة لا نكتفي ببناء النظام
بل نختبره تحت الضغط
نقيس أداءه
نكتشف نقاط الضعف
نحلل أسباب الخلل
نصحح التصميم
ثم نعيد الاختبار
والاقتصاد الوطني يحتاج إلى العقلية نفسها
ليس كل قرار فاشلًا لأنه احتاج إلى تعديل
الفشل الحقيقي هو أن تظهر النتائج السلبية ولا نراجع القرار
وليس كل مشروع ناجحًا لأنه افتتح
النجاح الحقيقي أن يستمر أثره ويتوسع ويخلق قيمة جديدة
وهنا أقترح أن يصبح لكل مشروع وطني كبير بطاقة أثر معلنة ومفهومة للمواطن تتضمن الهدف الأصلي وخط الأساس والموازنة والمخرجات المتوقعة والنتائج المستهدفة والأثر المطلوب والمؤشرات والجدول الزمني والجهة المسؤولة عن القياس وما تحقق فعلًا وما لم يتحقق ولماذا
ليس بهدف التشهير أو تصفية الحسابات
بل لحماية المال العام وتحسين القرارات وبناء الثقة
فالثقة لا تُبنى بكثرة التصريحات
بل عندما يرى المواطن أن الدولة تقول ما الذي ستفعله ثم تنشر ما الذي تحقق ثم تعترف بما لم يتحقق ثم تصحح المسار
وهذه ليست رفاهية إدارية
بل أساس من أسس الاقتصاد القوي
لأن المستثمر يحتاج إلى مؤسسات تقيس وتتعلم
والمواطن يحتاج إلى معرفة أين تذهب موارده
والمسؤول الجاد يحتاج إلى بيانات تساعده على اتخاذ القرار
والدولة تحتاج إلى ذاكرة مؤسسية تمنع تكرار الأخطاء مع كل تغيير إداري أو حكومي
ومن هنا نصل إلى المبدأ الثاني في هندسة الاقتصاد الوطني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
فالنية تطلق المشروع
لكن القياس يحميه
والتخطيط يبدأه
لكن التعلم يطوره
والتمويل يبنيه
لكن الأثر هو الذي يمنحه الشرعية والاستدامة
لقد اعتدنا أن نسأل
كم مشروعًا أطلقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم مشروعًا ما زال يصنع قيمة؟
واعتدنا أن نسأل
كم أنفقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا تحقق؟
واعتدنا أن نسأل
كم مستفيدًا حضر؟
لكن السؤال الأهم هو
كم حياة تغيرت فعلًا؟
هذه هي النقلة التي نحتاجها
من ثقافة النشاط إلى ثقافة النتائج
ومن إدارة المشروع إلى إدارة المنفعة
ومن الاحتفال بالمخرجات إلى قياس الأثر
ومن نجاح منفصل إلى منظومة وطنية متكاملة
تأمل JEEA
النجاح ليس لحظة نصل إليها
النجاح منظومة تتعلم وتتطور وتولد نجاحًا جديدًا
والدول لا تُبنى بكثرة ما تطلقه من مشاريع
بل بقدرتها على تحويل كل مشروع إلى قيمة مستدامة يشعر بها المواطن
هذه هي رحلتنا في هندسة الاقتصاد الوطني
لا نبحث فيها عن مشروع أكبر
بل عن أثر أعمق
ولا عن إعلان أكثر بريقًا
بل عن نتيجة أبقى
ولا عن نجاح ينتهي بالتصفيق
بل عن نجاح يبدأ منه البناء
م. سفيان الخالدي
Founder & Chief Architect
Jordan Economic Engineering Architecture (JEEA)
Economic Systems Architect
نُصمم الاقتصاد… ليشعر المواطن بالأثر
Designing Economies. Delivering Impact.
المبدأ الأول
لا يوجد نجاح يجب أن يعمل وحده… كل نجاح يجب أن يصنع نجاحًا آخر
المبدأ الثاني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
A Systems-Based Framework for National Economic Design
الفصل الثاني
عندما يتحول النجاح إلى منظومة وطنية
الأحد ٢٠٢٦/٧/١٢
في الفصل الأول من هذه الرحلة تحدثت عن اللحظة التي يمكن فيها لمباراة كرة قدم أن تتجاوز حدود الملعب فتتحول إلى إعلام وسياحة واستثمار وهوية وطنية وفرص للشباب
وكان السؤال في جوهره بسيطًا
كيف نجعل نجاحًا واحدًا يصنع نجاحات أخرى؟
أما اليوم فننتقل إلى سؤال أعمق
لماذا تنجح بعض المبادرات والمشاريع في الأردن للحظة ثم يتراجع أثرها سريعًا؟
ولماذا نحتفل كثيرًا بالبدايات بينما لا نعرف بعد عام ماذا بقي من النتائج؟
الحقيقة أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب الأفكار ولا في ضعف الرغبة في الإنجاز
بل في أننا نتعامل مع النجاح باعتباره لحظة وصول بينما هو في الدول والمؤسسات المتقدمة بداية دورة جديدة من العمل والقياس والتطوير
فنحن نعلن عن مشروع
ونحتفل بإطلاقه
وننشر الصور والتصريحات
ثم ننتقل إلى مشروع آخر
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو
ماذا غيّر هذا المشروع فعلًا؟
كم فرصة عمل مستدامة خلق؟
كم مؤسسة استفادت منه؟
كم دينارًا إضافيًا دخل إلى الاقتصاد؟
كم مواطنًا تحسنت حياته؟
كم قطاعًا تحرك بسببه؟
وماذا تعلمنا من نقاط ضعفه؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا بالإنجاز
بل هي التي تحمي الإنجاز من أن يتحول إلى ذكرى إعلامية أو كلفة صامتة تتحملها الدولة والمواطن
في أدبيات البنك الدولي لا يُقاس نجاح المشاريع بمجرد تنفيذ النشاط أو إنفاق الموازنة بل من خلال سلسلة واضحة تبدأ بالمخرجات ثم تنتقل إلى النتائج وتنتهي بالأثر
فإنشاء مركز تدريب مثلًا هو مخرج
وتدريب عدد من الشباب نتيجة أولية
لكن حصول هؤلاء الشباب على فرص عمل وارتفاع دخلهم وتحسن قدرتهم الإنتاجية هو الأثر الذي يبرر المشروع في النهاية
ولهذا يؤكد البنك الدولي أن إطار النتائج يجب أن يحدد منذ البداية العلاقة بين المدخلات والمخرجات والنتائج والأثر وأن يتضمن مؤشرات وخطوط أساس وأهدافًا زمنية قابلة للقياس والمراجعة
وهنا يظهر الفرق بين إنجاز المشروع وإنجاز الغاية
قد تُنجز الحكومة مبنى في الوقت المحدد
وقد تُطلق منصة إلكترونية
وقد تعقد مؤتمرًا اقتصاديًا ضخمًا
وقد تعلن عن مبادرة للشباب
لكن ذلك كله لا يكفي لاعتبار السياسة ناجحة
فالمنصة لا تُقاس بعدد مرات الإعلان عنها بل بعدد الخدمات التي حسّنتها
والمؤتمر لا يُقاس بعدد الحضور بل بالاستثمارات والاتفاقيات التي تحولت إلى واقع
والمبادرة الشبابية لا تُقاس بعدد المشاركين في حفل الافتتاح بل بعدد الشباب الذين انتقلوا من الانتظار إلى الإنتاج
والمشروع الاقتصادي لا يُقاس بحجم كلفته بل بحجم القيمة التي أضافها إلى الاقتصاد وحياة الناس
ولهذا فإن النجاح في هندسة الاقتصاد الوطني ليس حدثًا
النجاح نظام
ودورة حياة النجاح في مفهوم JEEA لا تتوقف عند التنفيذ
بل تسير على النحو الآتي
فكرة
ثم تصميم
ثم تنفيذ
ثم مخرجات
ثم نتائج
ثم قياس للأثر
ثم تعلم من الأخطاء
ثم تطوير وتوسّع
ثم إعادة استثمار للنجاح
ثم نجاح جديد
أما عندما نتوقف عند التنفيذ والاحتفال فإن الدورة تصبح أقصر بكثير
فكرة
ثم إعلان
ثم تنفيذ جزئي
ثم احتفال
ثم نسيان
وهنا نخسر القيمة التي كان يمكن أن تتولد من المشروع حتى لو كانت الفكرة الأصلية جيدة
معهد إدارة المشاريع PMI يضع ما يسمى إدارة تحقيق المنافع في صميم إدارة البرامج والمشاريع الحديثة
فالمشروع لا ينجح لمجرد أنه سلّم مخرجاته ضمن الوقت والموازنة بل عندما تتحقق المنافع التي أنشئ من أجلها وتستمر بعد انتهاء التنفيذ الرسمي
أي أن قيمة المشروع تبدأ بالظهور أحيانًا بعد انتهاء عمل فريق المشروع لا قبل ذلك
وهذا المبدأ بالغ الأهمية في الإدارة العامة
فالطريق الذي يُعبّد ليس غايته تعبيد الإسفلت
غايته تقليل الحوادث وتقصير زمن الرحلة وخفض كلفة النقل وربط الناس بالأسواق والخدمات
والمستشفى الذي يُبنى لا تكون غايته عدد الأسرّة فقط
بل جودة الرعاية وسرعة الوصول وانخفاض المضاعفات وتحسن صحة الناس
والبرنامج الاقتصادي لا تكون غايته عدد الشركات المسجلة
بل قدرتها على البقاء والنمو والتصدير وخلق الوظائف والقيمة المضافة
وإذا لم نحدد هذه الغايات منذ البداية فإننا سنحتفل بالمخرجات بينما يظل المواطن يبحث عن النتائج
وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الإدارة التقليدية
أنها تراقب ما تم إنفاقه وما تم تنفيذه لكنها لا تتبع بما يكفي ما الذي تغير في حياة الناس
أما الإدارة الحديثة فتبدأ من النهاية
تحدد الأثر المطلوب أولًا
ثم تعود إلى الخلف لتصمم السياسات والمشاريع التي تستطيع تحقيقه
وهذا قريب من مفهوم نظرية التغيير الذي تستخدمه المؤسسات الدولية
حيث يجب أن تكون هناك سلسلة سببية واضحة تشرح لماذا سيؤدي النشاط إلى مخرج ولماذا سيؤدي المخرج إلى نتيجة وكيف ستقود النتيجة إلى أثر طويل المدى مع تحديد المخاطر والافتراضات في كل مرحلة
وهنا يأتي التفكير المنظومي الذي تتبناه JEEA
فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تؤكد أن التحديات العامة الحديثة مترابطة ومعقدة ولا يمكن معالجتها بأدوات قطاعية منعزلة لأن التدخل في جزء واحد من النظام قد ينتج آثارًا مباشرة وغير مباشرة في أجزاء أخرى
ولهذا تدعو إلى استخدام التفكير المنظومي في صنع السياسات لفهم العلاقات والتغذية الراجعة والآثار المتراكمة بدل الاكتفاء بعلاج كل مشكلة على حدة
وهذه هي الفكرة الجوهرية التي أحاول تقديمها من خلال هندسة الاقتصاد الوطني
لا يكفي أن تنجح وزارة في مشروعها إذا لم ينعكس نجاحها على المنظومة الوطنية
ولا يكفي أن يتحسن قطاع دون أن نعرف كيف سيغذي القطاعات الأخرى
ولا يكفي أن نخلق فرصة استثمارية إذا بقيت منفصلة عن التعليم والتدريب والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد المحلية
فالنجاح المعزول قد يحقق رقمًا
أما النجاح المترابط فيبني اقتصادًا
لنأخذ مثالًا بسيطًا
إذا أطلقنا مشروعًا سياحيًا في منطقة ما فقد نعتبر افتتاحه نجاحًا
لكن من منظور هندسة الاقتصاد الوطني تبدأ الأسئلة بعد الافتتاح
هل استفاد أبناء المنطقة من الوظائف؟
هل دخلت المنتجات المحلية إلى سلسلة التوريد؟
هل استفادت شركات النقل؟
هل تم تطوير المهارات المطلوبة في الجامعات والمعاهد؟
هل ظهرت مشاريع صغيرة حول الموقع؟
هل جرى تسويق المنطقة عالميًا؟
هل تحسنت البنية التحتية؟
هل زادت مدة إقامة السائح وإنفاقه؟
هل تم قياس الأثر البيئي والاجتماعي؟
إذا كانت الإجابات واضحة ومدعومة بالبيانات فقد تحول المشروع إلى منظومة وطنية
أما إذا بقي المشروع مبنى جميلًا أو فعالية موسمية فقد حقق مخرجًا لكنه لم يحقق كامل قيمته
والأمر ذاته ينطبق على الرياضة
فالفصل السابق لم يكن دعوة للاحتفال بالنشامى فقط
بل لفهم كيف يمكن للنجاح الرياضي أن يتحول إلى أكاديميات وصناعة رياضية وسياحة وإعلام واحتراف وفرص عمل وتسويق دولي للأردن
فإذا انتهى الإنجاز بانتهاء البطولة فقد نجح المنتخب
أما إذا تحركت القطاعات الأخرى فقد نجحت الدولة في تحويل الإنجاز إلى منظومة
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني ليس في يوم إطلاقه
بل بعد عام وثلاثة أعوام وخمسة أعوام
ماذا بقي؟
وماذا نما؟
ومن استفاد؟
وما الذي تغير؟
وما الذي فشل؟
وماذا تعلمنا؟
الدول الجادة لا تخشى قياس الفشل
لأن الفشل المقاس معلومة
أما الفشل المخفي فهو كلفة تتكرر
والنجاح غير المقاس ادعاء
أما النجاح المدعوم بالنتائج فهو أصل وطني يمكن البناء عليه
ولهذا أصدرت OECD توصية حديثة تدعو إلى منهج مؤسسي ومنظومي لتقييم السياسات العامة لأن الحكومات تواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات أن استخدام الموارد العامة والقرارات المتخذة يحقق نتائج فعلية ويحسن حياة الناس
هذه الفكرة ترتبط مباشرة برؤية التحديث الاقتصادي الأردني 2033
فالرؤية ليست مجرد قائمة من المبادرات
وإنما مسار وطني طويل يحتاج إلى إدارة مترابطة وقياس مستمر
والنجاح الحقيقي للرؤية لن يكون في عدد المشاريع التي أعلنت تحت مظلتها
بل في قدرتها على رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة وزيادة الصادرات والاستثمار وتحسين نوعية حياة المواطن
وهنا لا يأتي JEEA منافسًا للرؤية ولا بديلًا عنها
بل كمنهج هندسي يساعد على ربط محركاتها ومبادراتها ضمن منظومة واحدة
منهج يبدأ بالسؤال عن الأثر المطلوب
ثم يصمم العلاقات بين القطاعات
ثم يحدد المسؤوليات
ثم يضع المؤشرات
ثم يقيس النتائج
ثم يعيد توجيه الموارد وفق ما تثبته البيانات
ففي الهندسة لا نكتفي ببناء النظام
بل نختبره تحت الضغط
نقيس أداءه
نكتشف نقاط الضعف
نحلل أسباب الخلل
نصحح التصميم
ثم نعيد الاختبار
والاقتصاد الوطني يحتاج إلى العقلية نفسها
ليس كل قرار فاشلًا لأنه احتاج إلى تعديل
الفشل الحقيقي هو أن تظهر النتائج السلبية ولا نراجع القرار
وليس كل مشروع ناجحًا لأنه افتتح
النجاح الحقيقي أن يستمر أثره ويتوسع ويخلق قيمة جديدة
وهنا أقترح أن يصبح لكل مشروع وطني كبير بطاقة أثر معلنة ومفهومة للمواطن تتضمن الهدف الأصلي وخط الأساس والموازنة والمخرجات المتوقعة والنتائج المستهدفة والأثر المطلوب والمؤشرات والجدول الزمني والجهة المسؤولة عن القياس وما تحقق فعلًا وما لم يتحقق ولماذا
ليس بهدف التشهير أو تصفية الحسابات
بل لحماية المال العام وتحسين القرارات وبناء الثقة
فالثقة لا تُبنى بكثرة التصريحات
بل عندما يرى المواطن أن الدولة تقول ما الذي ستفعله ثم تنشر ما الذي تحقق ثم تعترف بما لم يتحقق ثم تصحح المسار
وهذه ليست رفاهية إدارية
بل أساس من أسس الاقتصاد القوي
لأن المستثمر يحتاج إلى مؤسسات تقيس وتتعلم
والمواطن يحتاج إلى معرفة أين تذهب موارده
والمسؤول الجاد يحتاج إلى بيانات تساعده على اتخاذ القرار
والدولة تحتاج إلى ذاكرة مؤسسية تمنع تكرار الأخطاء مع كل تغيير إداري أو حكومي
ومن هنا نصل إلى المبدأ الثاني في هندسة الاقتصاد الوطني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
فالنية تطلق المشروع
لكن القياس يحميه
والتخطيط يبدأه
لكن التعلم يطوره
والتمويل يبنيه
لكن الأثر هو الذي يمنحه الشرعية والاستدامة
لقد اعتدنا أن نسأل
كم مشروعًا أطلقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم مشروعًا ما زال يصنع قيمة؟
واعتدنا أن نسأل
كم أنفقنا؟
لكن السؤال الأهم هو
كم عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا تحقق؟
واعتدنا أن نسأل
كم مستفيدًا حضر؟
لكن السؤال الأهم هو
كم حياة تغيرت فعلًا؟
هذه هي النقلة التي نحتاجها
من ثقافة النشاط إلى ثقافة النتائج
ومن إدارة المشروع إلى إدارة المنفعة
ومن الاحتفال بالمخرجات إلى قياس الأثر
ومن نجاح منفصل إلى منظومة وطنية متكاملة
تأمل JEEA
النجاح ليس لحظة نصل إليها
النجاح منظومة تتعلم وتتطور وتولد نجاحًا جديدًا
والدول لا تُبنى بكثرة ما تطلقه من مشاريع
بل بقدرتها على تحويل كل مشروع إلى قيمة مستدامة يشعر بها المواطن
هذه هي رحلتنا في هندسة الاقتصاد الوطني
لا نبحث فيها عن مشروع أكبر
بل عن أثر أعمق
ولا عن إعلان أكثر بريقًا
بل عن نتيجة أبقى
ولا عن نجاح ينتهي بالتصفيق
بل عن نجاح يبدأ منه البناء
م. سفيان الخالدي
Founder & Chief Architect
Jordan Economic Engineering Architecture (JEEA)
Economic Systems Architect
نُصمم الاقتصاد… ليشعر المواطن بالأثر
Designing Economies. Delivering Impact.
المبدأ الأول
لا يوجد نجاح يجب أن يعمل وحده… كل نجاح يجب أن يصنع نجاحًا آخر
المبدأ الثاني
كل مشروع لا يُقاس أثره قد يتحول مع الوقت إلى كلفة مهما كانت نواياه جيدة
التعليقات