روائية أردنية تهاجم كبار الروائيين الروس من خلال روايتها «شيركيسيا» سليم النجار
قبل أكثر من مائةٍ وخمسين عامًا، تفصلنا عن الزمن الذي عاش فيه الروائيان الروسيان، دوستويفسكي وتولستوي، نشأت في وعينا الثقافي أسطورة حول شخصيتيهما، غالبًا ما تداخلت مع العمل الروائي نفسه، تأثرًا بما أبدعاه، وبما نُسب إليهما من دفاعٍ عن الحرية ومناهضةٍ للعبودية، ووقوفٍ إلى جانب المستعبدين. وألقت المسحة البطولية الملازمة لاسميهما بظلالها عليهما، لكن ذلك كان، كما كتبت نرين طلعت في روايتها «شيركيسيا: قصة حب وصلوات الغائب»، بعيدًا كل البعد عن الدفاع عن الحرية ومناهضة العبودية.
وما يزال السواد الأعظم من كتّابنا ونقادنا يتخذون من أدبهما مقولاتٍ حماسيةً وتمردًا، حتى بلغ التماهي معهما حدَّ الاعتقاد بأنهما يحملان رسالة الحرية ومحاربة الظلم، وأن رسالتهما الأدبية تحمل في طياتها بُعدًا إنسانيًا.
أوضحت نرين طلعت أن عملهما الروائي يحمل بُعدًا أيديولوجيًا منحازًا إلى القيصرية الروسية، متناسيًا، عن قصد، عذابات الشركس، وعدم الإشارة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الدور الذي لعبته السلطات الروسية في فرض الشتات على الشركس وإجبارهم على ترك وطنهم الأصلي.
وهنا ينشأ سؤال: إذا كانا يتحدثان عن حرية الإنسان وحرية الشعوب والتخلص من الاستعمار، فكيف تجوز التفرقة بين حريةٍ وحرية؟ أليست الرواية، من خلال هذه الرؤى، تبحث عن حرية الإنسان والشعب، بغض النظر عن قوميته ومعتقده؟
ويتولد سؤال آخر: إذا كانت ترجمة الأدب الروسي من الروسية إلى العربية أمرًا سهلًا، نظرًا لما قامت به الأحزاب الشيوعية العربية وبعض دور النشر العربية في ترسيخ الأدب الروسي، فلماذا بقي هذا الجانب غائبًا؟
ولأن المثقفين العرب تفتنهم الألفاظ وجرسها، فإنهم يقفون عندها ويطيلون الوقوف، فينتهي بهم المطاف إلى ترديد ما ذهب إليه الأديبان الروسيان، تولستوي ودوستويفسكي، من أدبٍ مؤدلج يخدم أهداف القياصرة الروس.
فضحت رواية «شيركيسيا» مقولة نهاية الأيديولوجيا والصراعات المرتبطة بها، ومن ذلك القول إن من يروجون لهذه الفكرة يذهبون، في الواقع، إلى الترويج لأفكار يغلب عليها، في الظاهر، الطابع البراغماتي أو العملي، الذي لا ينطلق من التزامٍ مسبق بمسلّمات إنسانية.
لم تذهب نرين طلعت بعيدًا عندما كتبت في روايتها «شيركيسيا» عن هذا النهج الأدبي الأيديولوجي في الأدب الروسي، على الرغم من أن البعض يعتبر هذه مغامرةً كبيرة، ولن تلقى قبولًا في المشهد الثقافي العربي، وأن ما قامت به هو أيضًا تعبير عن أيديولوجيا الليبرالية الجديدة.
دشنت نرين طلعت، في روايتها «شيركيسيا»، واقع الشعب الشركسي وحضارته، معتبرةً أن الأدب الروسي لعب دورًا أساسيًا في خلق، والمساهمة بشكل فعّال، في إنتاج تبريرٍ غير إنساني للصمت، واعتبار قضية الشركس قضيةً هامشية، وفي أحسن الأحوال عدم التطرق إليها.
وهناك جانب آخر يثبت الطابع الأيديولوجي للأدب الروسي، وهو التمسك بالقول إن روسيا تملك هويةً خاصةً بها، وإن هذا الانحياز هو المدخل لشرعية الدفاع عن المظلومين في أصقاع الدنيا؛ غير أن هذه الشرعية تتأتى من خدمة روسيا، سواء كانت في زمن القياصرة أم في زمن الشيوعية، التي عرفها عالمنا العربي من خلال الدولة المركزية التي عُرفت بالاتحاد السوفيتي.
نستنتج من هذا كله أن تكوّن الفضاء الروائي ليس مشروطًا، على الدوام، بوجود مقاطع وصفية مستقلة للأمكنة في الرواية، كما أن هذا الفضاء ليس دائمًا مكانيًا، بل قد يتشكل من خلال الموقف الأيديولوجي. فرواية «شيركيسيا» انحازت، بشكل واضح، من خلال سردها للموقف الأيديولوجي الثالث. «أيضًا امتدح فيساريون رواية مسحوقون ومهانون التي نشرها دوستويفسكي في بداية حياته الأدبية، وأثنى عليها، لكنه توفي ولم يرَ تراجع دوستويفسكي عن آرائه السابقة، ثم دعمه لاحقًا للكنيسة الروسية وللقيصر» (ص 196).
إن سؤالًا كبيرًا يواجهنا، من خلال ما سبق: هل تؤثر طبيعة المضمون الروائي في درجة حضور المكان؟ هذا شيء أكيد، غير أن الموقف الأيديولوجي يبقى الأكثر حضورًا في المضمون الروائي. «وحين نتحدث عن تخلي الكتّاب الروس عن مواطنيهم، لا بد أن نتذكر كيف لم يقف لا تولستوي ولا دوستويفسكي مع ثورة الديسمبريين، الذين حلموا بتحقيق بعض التحديث والديمقراطية والحريات في الإمبراطورية الاستبدادية المريضة» (ص 192).
إن اتجاهات الكتابة الروائية، بما تحمله من تصورات عن العالم، تحدد دائمًا طبيعة التعامل مع التقنيات الروائية، ومنها تقنية الموقف الأيديولوجي الذي يتخذه السرد عوضًا عن المكان. «فبناءً على هذا الفهم لدور المثقف، يمكنني القول بأن تولستوي، ودوستويفسكي، وليرمنتوف، وغوغول، وبوشكين، وغيرهم كثيرون، مع الأسف، لم يقفوا موقفًا مشرّفًا، ولم يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية تجاه أمتهم، من أجل إيقاظ الشعب الروسي وخلق إحساس بالكرامة الإنسانية لديه، ولم يقفوا مع شعوبهم ومعاناتها» (ص 190).
إن رواية «شيركيسيا»، بطبيعتها المشحونة بالإحساس، هي التي جعلت الكاتبة نرين طلعت تلجأ إلى أسلوبها في التعامل مع الواقع، وإلى روح النقد، بعيدًا عن أهمية الكاتب وعالميته. فقد استعانت بتقنية البوح سردًا لمعاناة الإنسان، أيًّا كان انتماؤه أو دينه أو قوميته. «كان تولستوي حيًا ويمارس الكتابة، ويبحث عن الله والحق والفضيلة، ويريد أن يقوم بالعمل الأفضل للبشرية، ولا يعرف ما هو أفضل عمل يحقّق به إنسانيته. هكذا يتحدث هو عن نفسه في مؤلفاته، مثل كتابه الاعترافات. ولا بد أن هذا الطرح قد أثّر كثيرًا في مشاعر ملايين القراء الذين يعيشون في قارات بعيدة وعوالم مختلفة، ولا يعرفون أن تولستوي كان يجلس في غرفته الفخمة في قصوره الإقطاعية» (ص 166).
إن نمط رواية نرين طلعت يعبر عن هذه الحالة الأرستقراطية لتولستوي بصورة جيدة، ونذكر، في هذا الإطار، ما تحدث عنه جان ريكاردو من أن الوصف، عامةً في الرواية الحديثة، وصفٌ خلّاق؛ لأنه يسير ضد المعنى أو يسبق المعنى. «آلة الدعاية والتشويه الروسية الكبيرة والهائلة، التي انخرط فيها كبار كتّاب الاستعمارية، ومن جهة أخرى التلاعب والكذب والنفاق والتزوير والتشويه العثماني والمتاجرة بتهجير الشركس» (ص 167).
وإذا عرفنا أن الوصف يحمل في طياته موقفًا أيديولوجيًا، فإننا سندرك إلى أي حدٍّ هو عسير أن نقرأ كتابات كتّابٍ روسٍ عالميين تكشف مواقفهم العملية والفعلية، وإن مشروعية الكاتبة نرين طلعت في جميع المعاني التي ذكرتها تستند إلى هذا الإدراك. «ارتكبت روسيا، خلال قرنٍ ونيف من تلك الحروب، مجازر وإبادات جماعية كثيرة، حيث قضى حوالي مليون شركسي في هذه الإبادات» (ص 165).
وإذا كانت الحبكة والشخصيات تمثل النواة الداخلية لصياغة الرواية، فإن الوصف يمثل المحيط الذي تسبح فيه الرواية
روائية أردنية تهاجم كبار الروائيين الروس من خلال روايتها «شيركيسيا» سليم النجار
قبل أكثر من مائةٍ وخمسين عامًا، تفصلنا عن الزمن الذي عاش فيه الروائيان الروسيان، دوستويفسكي وتولستوي، نشأت في وعينا الثقافي أسطورة حول شخصيتيهما، غالبًا ما تداخلت مع العمل الروائي نفسه، تأثرًا بما أبدعاه، وبما نُسب إليهما من دفاعٍ عن الحرية ومناهضةٍ للعبودية، ووقوفٍ إلى جانب المستعبدين. وألقت المسحة البطولية الملازمة لاسميهما بظلالها عليهما، لكن ذلك كان، كما كتبت نرين طلعت في روايتها «شيركيسيا: قصة حب وصلوات الغائب»، بعيدًا كل البعد عن الدفاع عن الحرية ومناهضة العبودية.
وما يزال السواد الأعظم من كتّابنا ونقادنا يتخذون من أدبهما مقولاتٍ حماسيةً وتمردًا، حتى بلغ التماهي معهما حدَّ الاعتقاد بأنهما يحملان رسالة الحرية ومحاربة الظلم، وأن رسالتهما الأدبية تحمل في طياتها بُعدًا إنسانيًا.
أوضحت نرين طلعت أن عملهما الروائي يحمل بُعدًا أيديولوجيًا منحازًا إلى القيصرية الروسية، متناسيًا، عن قصد، عذابات الشركس، وعدم الإشارة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الدور الذي لعبته السلطات الروسية في فرض الشتات على الشركس وإجبارهم على ترك وطنهم الأصلي.
وهنا ينشأ سؤال: إذا كانا يتحدثان عن حرية الإنسان وحرية الشعوب والتخلص من الاستعمار، فكيف تجوز التفرقة بين حريةٍ وحرية؟ أليست الرواية، من خلال هذه الرؤى، تبحث عن حرية الإنسان والشعب، بغض النظر عن قوميته ومعتقده؟
ويتولد سؤال آخر: إذا كانت ترجمة الأدب الروسي من الروسية إلى العربية أمرًا سهلًا، نظرًا لما قامت به الأحزاب الشيوعية العربية وبعض دور النشر العربية في ترسيخ الأدب الروسي، فلماذا بقي هذا الجانب غائبًا؟
ولأن المثقفين العرب تفتنهم الألفاظ وجرسها، فإنهم يقفون عندها ويطيلون الوقوف، فينتهي بهم المطاف إلى ترديد ما ذهب إليه الأديبان الروسيان، تولستوي ودوستويفسكي، من أدبٍ مؤدلج يخدم أهداف القياصرة الروس.
فضحت رواية «شيركيسيا» مقولة نهاية الأيديولوجيا والصراعات المرتبطة بها، ومن ذلك القول إن من يروجون لهذه الفكرة يذهبون، في الواقع، إلى الترويج لأفكار يغلب عليها، في الظاهر، الطابع البراغماتي أو العملي، الذي لا ينطلق من التزامٍ مسبق بمسلّمات إنسانية.
لم تذهب نرين طلعت بعيدًا عندما كتبت في روايتها «شيركيسيا» عن هذا النهج الأدبي الأيديولوجي في الأدب الروسي، على الرغم من أن البعض يعتبر هذه مغامرةً كبيرة، ولن تلقى قبولًا في المشهد الثقافي العربي، وأن ما قامت به هو أيضًا تعبير عن أيديولوجيا الليبرالية الجديدة.
دشنت نرين طلعت، في روايتها «شيركيسيا»، واقع الشعب الشركسي وحضارته، معتبرةً أن الأدب الروسي لعب دورًا أساسيًا في خلق، والمساهمة بشكل فعّال، في إنتاج تبريرٍ غير إنساني للصمت، واعتبار قضية الشركس قضيةً هامشية، وفي أحسن الأحوال عدم التطرق إليها.
وهناك جانب آخر يثبت الطابع الأيديولوجي للأدب الروسي، وهو التمسك بالقول إن روسيا تملك هويةً خاصةً بها، وإن هذا الانحياز هو المدخل لشرعية الدفاع عن المظلومين في أصقاع الدنيا؛ غير أن هذه الشرعية تتأتى من خدمة روسيا، سواء كانت في زمن القياصرة أم في زمن الشيوعية، التي عرفها عالمنا العربي من خلال الدولة المركزية التي عُرفت بالاتحاد السوفيتي.
نستنتج من هذا كله أن تكوّن الفضاء الروائي ليس مشروطًا، على الدوام، بوجود مقاطع وصفية مستقلة للأمكنة في الرواية، كما أن هذا الفضاء ليس دائمًا مكانيًا، بل قد يتشكل من خلال الموقف الأيديولوجي. فرواية «شيركيسيا» انحازت، بشكل واضح، من خلال سردها للموقف الأيديولوجي الثالث. «أيضًا امتدح فيساريون رواية مسحوقون ومهانون التي نشرها دوستويفسكي في بداية حياته الأدبية، وأثنى عليها، لكنه توفي ولم يرَ تراجع دوستويفسكي عن آرائه السابقة، ثم دعمه لاحقًا للكنيسة الروسية وللقيصر» (ص 196).
إن سؤالًا كبيرًا يواجهنا، من خلال ما سبق: هل تؤثر طبيعة المضمون الروائي في درجة حضور المكان؟ هذا شيء أكيد، غير أن الموقف الأيديولوجي يبقى الأكثر حضورًا في المضمون الروائي. «وحين نتحدث عن تخلي الكتّاب الروس عن مواطنيهم، لا بد أن نتذكر كيف لم يقف لا تولستوي ولا دوستويفسكي مع ثورة الديسمبريين، الذين حلموا بتحقيق بعض التحديث والديمقراطية والحريات في الإمبراطورية الاستبدادية المريضة» (ص 192).
إن اتجاهات الكتابة الروائية، بما تحمله من تصورات عن العالم، تحدد دائمًا طبيعة التعامل مع التقنيات الروائية، ومنها تقنية الموقف الأيديولوجي الذي يتخذه السرد عوضًا عن المكان. «فبناءً على هذا الفهم لدور المثقف، يمكنني القول بأن تولستوي، ودوستويفسكي، وليرمنتوف، وغوغول، وبوشكين، وغيرهم كثيرون، مع الأسف، لم يقفوا موقفًا مشرّفًا، ولم يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية تجاه أمتهم، من أجل إيقاظ الشعب الروسي وخلق إحساس بالكرامة الإنسانية لديه، ولم يقفوا مع شعوبهم ومعاناتها» (ص 190).
إن رواية «شيركيسيا»، بطبيعتها المشحونة بالإحساس، هي التي جعلت الكاتبة نرين طلعت تلجأ إلى أسلوبها في التعامل مع الواقع، وإلى روح النقد، بعيدًا عن أهمية الكاتب وعالميته. فقد استعانت بتقنية البوح سردًا لمعاناة الإنسان، أيًّا كان انتماؤه أو دينه أو قوميته. «كان تولستوي حيًا ويمارس الكتابة، ويبحث عن الله والحق والفضيلة، ويريد أن يقوم بالعمل الأفضل للبشرية، ولا يعرف ما هو أفضل عمل يحقّق به إنسانيته. هكذا يتحدث هو عن نفسه في مؤلفاته، مثل كتابه الاعترافات. ولا بد أن هذا الطرح قد أثّر كثيرًا في مشاعر ملايين القراء الذين يعيشون في قارات بعيدة وعوالم مختلفة، ولا يعرفون أن تولستوي كان يجلس في غرفته الفخمة في قصوره الإقطاعية» (ص 166).
إن نمط رواية نرين طلعت يعبر عن هذه الحالة الأرستقراطية لتولستوي بصورة جيدة، ونذكر، في هذا الإطار، ما تحدث عنه جان ريكاردو من أن الوصف، عامةً في الرواية الحديثة، وصفٌ خلّاق؛ لأنه يسير ضد المعنى أو يسبق المعنى. «آلة الدعاية والتشويه الروسية الكبيرة والهائلة، التي انخرط فيها كبار كتّاب الاستعمارية، ومن جهة أخرى التلاعب والكذب والنفاق والتزوير والتشويه العثماني والمتاجرة بتهجير الشركس» (ص 167).
وإذا عرفنا أن الوصف يحمل في طياته موقفًا أيديولوجيًا، فإننا سندرك إلى أي حدٍّ هو عسير أن نقرأ كتابات كتّابٍ روسٍ عالميين تكشف مواقفهم العملية والفعلية، وإن مشروعية الكاتبة نرين طلعت في جميع المعاني التي ذكرتها تستند إلى هذا الإدراك. «ارتكبت روسيا، خلال قرنٍ ونيف من تلك الحروب، مجازر وإبادات جماعية كثيرة، حيث قضى حوالي مليون شركسي في هذه الإبادات» (ص 165).
وإذا كانت الحبكة والشخصيات تمثل النواة الداخلية لصياغة الرواية، فإن الوصف يمثل المحيط الذي تسبح فيه الرواية
روائية أردنية تهاجم كبار الروائيين الروس من خلال روايتها «شيركيسيا» سليم النجار
قبل أكثر من مائةٍ وخمسين عامًا، تفصلنا عن الزمن الذي عاش فيه الروائيان الروسيان، دوستويفسكي وتولستوي، نشأت في وعينا الثقافي أسطورة حول شخصيتيهما، غالبًا ما تداخلت مع العمل الروائي نفسه، تأثرًا بما أبدعاه، وبما نُسب إليهما من دفاعٍ عن الحرية ومناهضةٍ للعبودية، ووقوفٍ إلى جانب المستعبدين. وألقت المسحة البطولية الملازمة لاسميهما بظلالها عليهما، لكن ذلك كان، كما كتبت نرين طلعت في روايتها «شيركيسيا: قصة حب وصلوات الغائب»، بعيدًا كل البعد عن الدفاع عن الحرية ومناهضة العبودية.
وما يزال السواد الأعظم من كتّابنا ونقادنا يتخذون من أدبهما مقولاتٍ حماسيةً وتمردًا، حتى بلغ التماهي معهما حدَّ الاعتقاد بأنهما يحملان رسالة الحرية ومحاربة الظلم، وأن رسالتهما الأدبية تحمل في طياتها بُعدًا إنسانيًا.
أوضحت نرين طلعت أن عملهما الروائي يحمل بُعدًا أيديولوجيًا منحازًا إلى القيصرية الروسية، متناسيًا، عن قصد، عذابات الشركس، وعدم الإشارة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الدور الذي لعبته السلطات الروسية في فرض الشتات على الشركس وإجبارهم على ترك وطنهم الأصلي.
وهنا ينشأ سؤال: إذا كانا يتحدثان عن حرية الإنسان وحرية الشعوب والتخلص من الاستعمار، فكيف تجوز التفرقة بين حريةٍ وحرية؟ أليست الرواية، من خلال هذه الرؤى، تبحث عن حرية الإنسان والشعب، بغض النظر عن قوميته ومعتقده؟
ويتولد سؤال آخر: إذا كانت ترجمة الأدب الروسي من الروسية إلى العربية أمرًا سهلًا، نظرًا لما قامت به الأحزاب الشيوعية العربية وبعض دور النشر العربية في ترسيخ الأدب الروسي، فلماذا بقي هذا الجانب غائبًا؟
ولأن المثقفين العرب تفتنهم الألفاظ وجرسها، فإنهم يقفون عندها ويطيلون الوقوف، فينتهي بهم المطاف إلى ترديد ما ذهب إليه الأديبان الروسيان، تولستوي ودوستويفسكي، من أدبٍ مؤدلج يخدم أهداف القياصرة الروس.
فضحت رواية «شيركيسيا» مقولة نهاية الأيديولوجيا والصراعات المرتبطة بها، ومن ذلك القول إن من يروجون لهذه الفكرة يذهبون، في الواقع، إلى الترويج لأفكار يغلب عليها، في الظاهر، الطابع البراغماتي أو العملي، الذي لا ينطلق من التزامٍ مسبق بمسلّمات إنسانية.
لم تذهب نرين طلعت بعيدًا عندما كتبت في روايتها «شيركيسيا» عن هذا النهج الأدبي الأيديولوجي في الأدب الروسي، على الرغم من أن البعض يعتبر هذه مغامرةً كبيرة، ولن تلقى قبولًا في المشهد الثقافي العربي، وأن ما قامت به هو أيضًا تعبير عن أيديولوجيا الليبرالية الجديدة.
دشنت نرين طلعت، في روايتها «شيركيسيا»، واقع الشعب الشركسي وحضارته، معتبرةً أن الأدب الروسي لعب دورًا أساسيًا في خلق، والمساهمة بشكل فعّال، في إنتاج تبريرٍ غير إنساني للصمت، واعتبار قضية الشركس قضيةً هامشية، وفي أحسن الأحوال عدم التطرق إليها.
وهناك جانب آخر يثبت الطابع الأيديولوجي للأدب الروسي، وهو التمسك بالقول إن روسيا تملك هويةً خاصةً بها، وإن هذا الانحياز هو المدخل لشرعية الدفاع عن المظلومين في أصقاع الدنيا؛ غير أن هذه الشرعية تتأتى من خدمة روسيا، سواء كانت في زمن القياصرة أم في زمن الشيوعية، التي عرفها عالمنا العربي من خلال الدولة المركزية التي عُرفت بالاتحاد السوفيتي.
نستنتج من هذا كله أن تكوّن الفضاء الروائي ليس مشروطًا، على الدوام، بوجود مقاطع وصفية مستقلة للأمكنة في الرواية، كما أن هذا الفضاء ليس دائمًا مكانيًا، بل قد يتشكل من خلال الموقف الأيديولوجي. فرواية «شيركيسيا» انحازت، بشكل واضح، من خلال سردها للموقف الأيديولوجي الثالث. «أيضًا امتدح فيساريون رواية مسحوقون ومهانون التي نشرها دوستويفسكي في بداية حياته الأدبية، وأثنى عليها، لكنه توفي ولم يرَ تراجع دوستويفسكي عن آرائه السابقة، ثم دعمه لاحقًا للكنيسة الروسية وللقيصر» (ص 196).
إن سؤالًا كبيرًا يواجهنا، من خلال ما سبق: هل تؤثر طبيعة المضمون الروائي في درجة حضور المكان؟ هذا شيء أكيد، غير أن الموقف الأيديولوجي يبقى الأكثر حضورًا في المضمون الروائي. «وحين نتحدث عن تخلي الكتّاب الروس عن مواطنيهم، لا بد أن نتذكر كيف لم يقف لا تولستوي ولا دوستويفسكي مع ثورة الديسمبريين، الذين حلموا بتحقيق بعض التحديث والديمقراطية والحريات في الإمبراطورية الاستبدادية المريضة» (ص 192).
إن اتجاهات الكتابة الروائية، بما تحمله من تصورات عن العالم، تحدد دائمًا طبيعة التعامل مع التقنيات الروائية، ومنها تقنية الموقف الأيديولوجي الذي يتخذه السرد عوضًا عن المكان. «فبناءً على هذا الفهم لدور المثقف، يمكنني القول بأن تولستوي، ودوستويفسكي، وليرمنتوف، وغوغول، وبوشكين، وغيرهم كثيرون، مع الأسف، لم يقفوا موقفًا مشرّفًا، ولم يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية تجاه أمتهم، من أجل إيقاظ الشعب الروسي وخلق إحساس بالكرامة الإنسانية لديه، ولم يقفوا مع شعوبهم ومعاناتها» (ص 190).
إن رواية «شيركيسيا»، بطبيعتها المشحونة بالإحساس، هي التي جعلت الكاتبة نرين طلعت تلجأ إلى أسلوبها في التعامل مع الواقع، وإلى روح النقد، بعيدًا عن أهمية الكاتب وعالميته. فقد استعانت بتقنية البوح سردًا لمعاناة الإنسان، أيًّا كان انتماؤه أو دينه أو قوميته. «كان تولستوي حيًا ويمارس الكتابة، ويبحث عن الله والحق والفضيلة، ويريد أن يقوم بالعمل الأفضل للبشرية، ولا يعرف ما هو أفضل عمل يحقّق به إنسانيته. هكذا يتحدث هو عن نفسه في مؤلفاته، مثل كتابه الاعترافات. ولا بد أن هذا الطرح قد أثّر كثيرًا في مشاعر ملايين القراء الذين يعيشون في قارات بعيدة وعوالم مختلفة، ولا يعرفون أن تولستوي كان يجلس في غرفته الفخمة في قصوره الإقطاعية» (ص 166).
إن نمط رواية نرين طلعت يعبر عن هذه الحالة الأرستقراطية لتولستوي بصورة جيدة، ونذكر، في هذا الإطار، ما تحدث عنه جان ريكاردو من أن الوصف، عامةً في الرواية الحديثة، وصفٌ خلّاق؛ لأنه يسير ضد المعنى أو يسبق المعنى. «آلة الدعاية والتشويه الروسية الكبيرة والهائلة، التي انخرط فيها كبار كتّاب الاستعمارية، ومن جهة أخرى التلاعب والكذب والنفاق والتزوير والتشويه العثماني والمتاجرة بتهجير الشركس» (ص 167).
وإذا عرفنا أن الوصف يحمل في طياته موقفًا أيديولوجيًا، فإننا سندرك إلى أي حدٍّ هو عسير أن نقرأ كتابات كتّابٍ روسٍ عالميين تكشف مواقفهم العملية والفعلية، وإن مشروعية الكاتبة نرين طلعت في جميع المعاني التي ذكرتها تستند إلى هذا الإدراك. «ارتكبت روسيا، خلال قرنٍ ونيف من تلك الحروب، مجازر وإبادات جماعية كثيرة، حيث قضى حوالي مليون شركسي في هذه الإبادات» (ص 165).
وإذا كانت الحبكة والشخصيات تمثل النواة الداخلية لصياغة الرواية، فإن الوصف يمثل المحيط الذي تسبح فيه الرواية
التعليقات
روائية أردنية تهاجم كبار الروائيين الروس من خلال روايتها «شيركيسيا»
التعليقات