'ليس الأستاذ من يملأ العقول بالمعلومات، بل من يُشعل فيها جذوة التفكير، ويمنح تلاميذَه مفاتيحَ المعرفة لا أقفالها' في صباح يومٍ من أيام القاهرة، وتحديدًا في العاشر من سبتمبر عام 2000، وقف رجلٌ أمام أساتذة كلية الإعلام في جامعة القاهرة، ليستلم راية العمادة التي حملها من قبله عمالقةٌ أمثال عبد اللطيف حمزة وإبراهيم إمام وعبد الملك عودة. لم يكن ذلك الرجل مجرد أكاديمي آخر يصعد سلم المجد العلمي، بل كان أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة، الرجل الذي سيُحدث نقلةً نوعية في مسيرة الإعلام العربي، ويؤسس لمدرسةٍ فكرية وإدارية ستظل علامةً بارزة في تاريخ الجامعة المصرية والعربية.
جذور النبوغ: من الإسماعيلية إلى قمة الجامعة
وُلد الدكتور علي عجوة في مدينة الإسماعيلية عام 1947، تلك المدينة التي تقع على ضفاف قناة السويس، والتي منحت أبناءها مزيجًا فريدًا من الوعي الوطني والانفتاح على العالم. لم تكن الظروف لتخبر أحدًا أن هذا الطفل الذي وُلد في مدينةٍ صغيرة على القناة سيصبح يومًا واحدًا من أبرز رواد الإعلام العربي، لكن العبقرية لا تعترف بالحدود الجغرافية.
مشواره الأكاديمي كان حافلاً بالتميز: حصل على ليسانس الصحافة عام 1968 بتقدير عام جيد جدًا مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة، ثم ماجستير الصحافة عام 1971 بتقدير عام جيد جدًا، قبل أن ينال درجة الدكتوراه عام 1978 بمرتبة الشرف الأولى. لكن ما يميز مسيرته هو البعد الدولي؛ فقد أمضى مهمةً علميةً في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية من عام 1978 إلى عام 1981، حيث اطلع على أحدث المناهج العلمية في العلاقات العامة وإدارة الاتصال، مما منحه رؤيةً استثنائيةً جمعت بين الأصالة العربية والحداثة الغربية.
العميد المتميز: سنوات العطاء الخالدة
تولى د. علي عجوة عمادة كلية الإعلام في العاشر من سبتمبر 2000 واستمر حتى أكتوبر 2003، ورغم قصر هذه الفترة نسبيًا، إلا أنها كانت كافية لتحدث تغييراتٍ جوهريةٍ تاركةً بصماتٍ لا تُمحى. كانت كلية الإعلام التي تسلمها آنذاك بحاجةٍ إلى رجلٍ يجمع بين الرؤية العلمية والقدرة الإدارية، فجاء هو ليكون ذلك الرجل.
من أبرز إنجازاته خلال فترة عمادته:
• تطوير اللائحة الدراسية للكلية بما يتواكب مع متطلبات العصر. • إنشاء أستوديوهات الإذاعة والتلفزيون على أحدث المواصفات الفنية. • تحديث معامل الكمبيوتر وتوسيعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة. • وضع الخطة الدراسية للشعبة الإنجليزية التي افتُتحت بعد انتهاء فترة عمادته. • تطوير المؤتمر العلمي السنوي للكلية ليصبح منصةً إقليميةً تستقطب الباحثين من الدول العربية. • تصميم ملحق لمبنى الكلية ووضع الجرأة الأساسية له، والذي تم افتتاحه لاحقًا. كما تولى منصب وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب أكثر من مرة؛ ففي الفترة من 1984 وحتى 1992، ومن 2004 حتى 2006، جمعت خبرته بين التعليم والإدارة، مما جعله نموذجًا نادرًا للقيادة الأكاديمية المتكاملة.
المدرسة العجوية: إرثٌ فكريٌّ لا يُمحى
إن ما يُميز د. علي عجوة عن غيره ليس فقط المناصب التي شغلها، بل المدرسة العلمية التي أسسها والتي ما زالت تُثمر حتى اليوم. تمثلت رؤيته في أن العلاقات العامة ليست مجرد وظيفة ثانوية في المؤسسات، بل هي علمٌ قائمٌ بذاته، وأداةٌ فاعلةٌ في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة القرار.
روائعه المؤلفة
قدم للعربية مراجعَ علميةً راسخةً لا تزال تُدرس حتى اليوم، ومن أبرزها:
1. 'الأساس العلمية للعلاقات العامة' (1979): وهو أوّل مرجعٍ عربي متكامل في هذا المجال، وما زال يُعتبر العمود الفقري لتدريس العلاقات العامة في العالم العربي. 2. 'العلاقات العامة في المنشآت المالية' (1984): المرجع الأول بالعربية لتطبيق العلاقات العامة في البنوك وشركات التأمين. 3. 'العلاقات العامة والصورة الذهنية' (1984): الذي تطرق لأول مرة بالعربية إلى مفهوم الصورة الذهنية، ودور العلاقات العامة في تكوينها وتعديلها. 4. 'العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق' (2002): الذي جمع بين الرؤية التنظيرية والتطبيقات العملية. 5. 'الإعلام وقضايا التنمية' (2002): الذي ربط بين الإعلام وقضايا المجتمع المصري والعربي، مقدماً حلولاً عملية لقضايا السكان والمياه والبيئة. الأستاذ مُعلِّم الأجيال
لكن الإرث الأكبر كان في تلاميذ الرجل. أشرف د. علي عجوة على 47 رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية مختلفة، ومن تخرّجوا على يديه أصبحوا اليوم عمداءً وأساتذةً في جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات المصرية والعربية. كنتُ واحدًا من هؤلاء التلاميذ الذين تشرفوا بالدراسة على يديه، وتعلموا منه ليس فقط علم العلاقات العامة، بل منهجية البحث العلمي، وأخلاقيات المهنة، والتواضع في التعامل مع الآخرين.
أتذكر كيف كان يحرص على أن يكون لكل طالب بصمته الخاصة، وكيف كان يشجعنا على التفكير النقدي والبحث عن إجاباتنا بأنفسنا. كان يقول دائمًا: 'لا تأخذوا العلم جاهزًا، بل امضغوه جيدًا قبل أن تبتلعوه'. هذه الفلسفة هي ما ميز مدرسته عن غيرها، وجعلت من تلاميذه باحثين قادرين على العطاء والإبداع.
منهم كاتب هذا المقال د. تحسين منصورالاستاذ في الجامعة الأردنية والعميد الأسبق لكلية الاعلام بجامعة اليرموك، وغيره الكثيرون الذين انتشروا في ربوع الوطن العربي ينشرون الفكر العجوي.
الرجل الذي جمع بين الأكاديميا والممارسة
لم يكن د. علي عجوة مجرد أكاديميٍّ في برجه العاجي، بل جمع بين النظرية والتطبيق بصورة نادرة. فقد عمل مستشارًا إعلاميًا لوزارة الموارد المائية والري من 2004 حتى 2011، وشارك في حملات وطنية كبرى، مثل:
• حملة التوعية بقضايا المياه بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية (CHEMONICS INTERNATIONAL) من 2004-2007. • حملات التوعية بتنظيم الأسرة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. • عضوية اللجنة الدينية بالأمانة العامة للحوار الوطني، واللجنة الفنية العليا للدعوة لتنظيم الأسرة. وهو ما جعله خبيرًا ميدانيًا يعرف هموم المجتمع وقضاياه، ويستطيع ترجمتها إلى برامج إعلامية وتوعوية فاعلة.
التكريم الذي يليق بالقامة
حظي الرجل بتكريمٍ يليق بمكانته:
• جائزة جامعة القاهرة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2008. • أوسمة ودروع من: جامعة القاهرة، وجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الإمارات، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، واتحاد الإذاعة والتليفزيون. • درع جامعة 8 أكتوبر، والمنوفية، ومؤسسة الفكر العربي. وما زال اسمه يُذكر حتى اليوم في وثائق الجامعة كأحد عمدائها الأفذاذ، حيث تذكره قوائم العمداء السابقين لكلية الإعلام بفخر واعتزاز.
خلاصة: إنه علي عجوة
في مشهد العظماء، يقف أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة كقامةٍ شامخةٍ في سماء الإعلام العربي، لا يُمثل مجرد اسمٍ في سجلات كلية الإعلام، بل مدرسةً فكريةً متكاملة، ونموذجًا فريدًا في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الإدارة الحكيمة والإبداع العلمي، بين التواضع الجمّ والثقة بالنفس التي تليق بالمبدعين الحقيقيين.
يقول عنه الأستاذ الدكتور محمود يوسف إنه الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون أستاذًا، بل كان معلمًا، وجعل من تلاميذه استمرارًا لمسيرته، ومن مؤلفاته منارةً يهتدي بها الباحثون. عندما نتحدث عن 'المدرسة العجوية' في العلاقات العامة، فإننا نتحدث عن إرثٍ فكريٍّ وإنسانيٍّ سيظل خالدًا في وجدان الإعلام العربي لأجيالٍ قادمة، وعن نموذجٍ يُحتذى به لكل من يريد أن يخلد اسمه ليس بالمكانة، بل بالعطاء.
'ا. د. علي عجوة .. تاريخٌ من الإبداع، وحاضرٌ من العطاء، ومستقبلٌ للأجيال'
'ليس الأستاذ من يملأ العقول بالمعلومات، بل من يُشعل فيها جذوة التفكير، ويمنح تلاميذَه مفاتيحَ المعرفة لا أقفالها' في صباح يومٍ من أيام القاهرة، وتحديدًا في العاشر من سبتمبر عام 2000، وقف رجلٌ أمام أساتذة كلية الإعلام في جامعة القاهرة، ليستلم راية العمادة التي حملها من قبله عمالقةٌ أمثال عبد اللطيف حمزة وإبراهيم إمام وعبد الملك عودة. لم يكن ذلك الرجل مجرد أكاديمي آخر يصعد سلم المجد العلمي، بل كان أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة، الرجل الذي سيُحدث نقلةً نوعية في مسيرة الإعلام العربي، ويؤسس لمدرسةٍ فكرية وإدارية ستظل علامةً بارزة في تاريخ الجامعة المصرية والعربية.
جذور النبوغ: من الإسماعيلية إلى قمة الجامعة
وُلد الدكتور علي عجوة في مدينة الإسماعيلية عام 1947، تلك المدينة التي تقع على ضفاف قناة السويس، والتي منحت أبناءها مزيجًا فريدًا من الوعي الوطني والانفتاح على العالم. لم تكن الظروف لتخبر أحدًا أن هذا الطفل الذي وُلد في مدينةٍ صغيرة على القناة سيصبح يومًا واحدًا من أبرز رواد الإعلام العربي، لكن العبقرية لا تعترف بالحدود الجغرافية.
مشواره الأكاديمي كان حافلاً بالتميز: حصل على ليسانس الصحافة عام 1968 بتقدير عام جيد جدًا مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة، ثم ماجستير الصحافة عام 1971 بتقدير عام جيد جدًا، قبل أن ينال درجة الدكتوراه عام 1978 بمرتبة الشرف الأولى. لكن ما يميز مسيرته هو البعد الدولي؛ فقد أمضى مهمةً علميةً في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية من عام 1978 إلى عام 1981، حيث اطلع على أحدث المناهج العلمية في العلاقات العامة وإدارة الاتصال، مما منحه رؤيةً استثنائيةً جمعت بين الأصالة العربية والحداثة الغربية.
العميد المتميز: سنوات العطاء الخالدة
تولى د. علي عجوة عمادة كلية الإعلام في العاشر من سبتمبر 2000 واستمر حتى أكتوبر 2003، ورغم قصر هذه الفترة نسبيًا، إلا أنها كانت كافية لتحدث تغييراتٍ جوهريةٍ تاركةً بصماتٍ لا تُمحى. كانت كلية الإعلام التي تسلمها آنذاك بحاجةٍ إلى رجلٍ يجمع بين الرؤية العلمية والقدرة الإدارية، فجاء هو ليكون ذلك الرجل.
من أبرز إنجازاته خلال فترة عمادته:
• تطوير اللائحة الدراسية للكلية بما يتواكب مع متطلبات العصر. • إنشاء أستوديوهات الإذاعة والتلفزيون على أحدث المواصفات الفنية. • تحديث معامل الكمبيوتر وتوسيعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة. • وضع الخطة الدراسية للشعبة الإنجليزية التي افتُتحت بعد انتهاء فترة عمادته. • تطوير المؤتمر العلمي السنوي للكلية ليصبح منصةً إقليميةً تستقطب الباحثين من الدول العربية. • تصميم ملحق لمبنى الكلية ووضع الجرأة الأساسية له، والذي تم افتتاحه لاحقًا. كما تولى منصب وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب أكثر من مرة؛ ففي الفترة من 1984 وحتى 1992، ومن 2004 حتى 2006، جمعت خبرته بين التعليم والإدارة، مما جعله نموذجًا نادرًا للقيادة الأكاديمية المتكاملة.
المدرسة العجوية: إرثٌ فكريٌّ لا يُمحى
إن ما يُميز د. علي عجوة عن غيره ليس فقط المناصب التي شغلها، بل المدرسة العلمية التي أسسها والتي ما زالت تُثمر حتى اليوم. تمثلت رؤيته في أن العلاقات العامة ليست مجرد وظيفة ثانوية في المؤسسات، بل هي علمٌ قائمٌ بذاته، وأداةٌ فاعلةٌ في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة القرار.
روائعه المؤلفة
قدم للعربية مراجعَ علميةً راسخةً لا تزال تُدرس حتى اليوم، ومن أبرزها:
1. 'الأساس العلمية للعلاقات العامة' (1979): وهو أوّل مرجعٍ عربي متكامل في هذا المجال، وما زال يُعتبر العمود الفقري لتدريس العلاقات العامة في العالم العربي. 2. 'العلاقات العامة في المنشآت المالية' (1984): المرجع الأول بالعربية لتطبيق العلاقات العامة في البنوك وشركات التأمين. 3. 'العلاقات العامة والصورة الذهنية' (1984): الذي تطرق لأول مرة بالعربية إلى مفهوم الصورة الذهنية، ودور العلاقات العامة في تكوينها وتعديلها. 4. 'العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق' (2002): الذي جمع بين الرؤية التنظيرية والتطبيقات العملية. 5. 'الإعلام وقضايا التنمية' (2002): الذي ربط بين الإعلام وقضايا المجتمع المصري والعربي، مقدماً حلولاً عملية لقضايا السكان والمياه والبيئة. الأستاذ مُعلِّم الأجيال
لكن الإرث الأكبر كان في تلاميذ الرجل. أشرف د. علي عجوة على 47 رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية مختلفة، ومن تخرّجوا على يديه أصبحوا اليوم عمداءً وأساتذةً في جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات المصرية والعربية. كنتُ واحدًا من هؤلاء التلاميذ الذين تشرفوا بالدراسة على يديه، وتعلموا منه ليس فقط علم العلاقات العامة، بل منهجية البحث العلمي، وأخلاقيات المهنة، والتواضع في التعامل مع الآخرين.
أتذكر كيف كان يحرص على أن يكون لكل طالب بصمته الخاصة، وكيف كان يشجعنا على التفكير النقدي والبحث عن إجاباتنا بأنفسنا. كان يقول دائمًا: 'لا تأخذوا العلم جاهزًا، بل امضغوه جيدًا قبل أن تبتلعوه'. هذه الفلسفة هي ما ميز مدرسته عن غيرها، وجعلت من تلاميذه باحثين قادرين على العطاء والإبداع.
منهم كاتب هذا المقال د. تحسين منصورالاستاذ في الجامعة الأردنية والعميد الأسبق لكلية الاعلام بجامعة اليرموك، وغيره الكثيرون الذين انتشروا في ربوع الوطن العربي ينشرون الفكر العجوي.
الرجل الذي جمع بين الأكاديميا والممارسة
لم يكن د. علي عجوة مجرد أكاديميٍّ في برجه العاجي، بل جمع بين النظرية والتطبيق بصورة نادرة. فقد عمل مستشارًا إعلاميًا لوزارة الموارد المائية والري من 2004 حتى 2011، وشارك في حملات وطنية كبرى، مثل:
• حملة التوعية بقضايا المياه بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية (CHEMONICS INTERNATIONAL) من 2004-2007. • حملات التوعية بتنظيم الأسرة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. • عضوية اللجنة الدينية بالأمانة العامة للحوار الوطني، واللجنة الفنية العليا للدعوة لتنظيم الأسرة. وهو ما جعله خبيرًا ميدانيًا يعرف هموم المجتمع وقضاياه، ويستطيع ترجمتها إلى برامج إعلامية وتوعوية فاعلة.
التكريم الذي يليق بالقامة
حظي الرجل بتكريمٍ يليق بمكانته:
• جائزة جامعة القاهرة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2008. • أوسمة ودروع من: جامعة القاهرة، وجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الإمارات، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، واتحاد الإذاعة والتليفزيون. • درع جامعة 8 أكتوبر، والمنوفية، ومؤسسة الفكر العربي. وما زال اسمه يُذكر حتى اليوم في وثائق الجامعة كأحد عمدائها الأفذاذ، حيث تذكره قوائم العمداء السابقين لكلية الإعلام بفخر واعتزاز.
خلاصة: إنه علي عجوة
في مشهد العظماء، يقف أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة كقامةٍ شامخةٍ في سماء الإعلام العربي، لا يُمثل مجرد اسمٍ في سجلات كلية الإعلام، بل مدرسةً فكريةً متكاملة، ونموذجًا فريدًا في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الإدارة الحكيمة والإبداع العلمي، بين التواضع الجمّ والثقة بالنفس التي تليق بالمبدعين الحقيقيين.
يقول عنه الأستاذ الدكتور محمود يوسف إنه الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون أستاذًا، بل كان معلمًا، وجعل من تلاميذه استمرارًا لمسيرته، ومن مؤلفاته منارةً يهتدي بها الباحثون. عندما نتحدث عن 'المدرسة العجوية' في العلاقات العامة، فإننا نتحدث عن إرثٍ فكريٍّ وإنسانيٍّ سيظل خالدًا في وجدان الإعلام العربي لأجيالٍ قادمة، وعن نموذجٍ يُحتذى به لكل من يريد أن يخلد اسمه ليس بالمكانة، بل بالعطاء.
'ا. د. علي عجوة .. تاريخٌ من الإبداع، وحاضرٌ من العطاء، ومستقبلٌ للأجيال'
'ليس الأستاذ من يملأ العقول بالمعلومات، بل من يُشعل فيها جذوة التفكير، ويمنح تلاميذَه مفاتيحَ المعرفة لا أقفالها' في صباح يومٍ من أيام القاهرة، وتحديدًا في العاشر من سبتمبر عام 2000، وقف رجلٌ أمام أساتذة كلية الإعلام في جامعة القاهرة، ليستلم راية العمادة التي حملها من قبله عمالقةٌ أمثال عبد اللطيف حمزة وإبراهيم إمام وعبد الملك عودة. لم يكن ذلك الرجل مجرد أكاديمي آخر يصعد سلم المجد العلمي، بل كان أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة، الرجل الذي سيُحدث نقلةً نوعية في مسيرة الإعلام العربي، ويؤسس لمدرسةٍ فكرية وإدارية ستظل علامةً بارزة في تاريخ الجامعة المصرية والعربية.
جذور النبوغ: من الإسماعيلية إلى قمة الجامعة
وُلد الدكتور علي عجوة في مدينة الإسماعيلية عام 1947، تلك المدينة التي تقع على ضفاف قناة السويس، والتي منحت أبناءها مزيجًا فريدًا من الوعي الوطني والانفتاح على العالم. لم تكن الظروف لتخبر أحدًا أن هذا الطفل الذي وُلد في مدينةٍ صغيرة على القناة سيصبح يومًا واحدًا من أبرز رواد الإعلام العربي، لكن العبقرية لا تعترف بالحدود الجغرافية.
مشواره الأكاديمي كان حافلاً بالتميز: حصل على ليسانس الصحافة عام 1968 بتقدير عام جيد جدًا مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة، ثم ماجستير الصحافة عام 1971 بتقدير عام جيد جدًا، قبل أن ينال درجة الدكتوراه عام 1978 بمرتبة الشرف الأولى. لكن ما يميز مسيرته هو البعد الدولي؛ فقد أمضى مهمةً علميةً في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية من عام 1978 إلى عام 1981، حيث اطلع على أحدث المناهج العلمية في العلاقات العامة وإدارة الاتصال، مما منحه رؤيةً استثنائيةً جمعت بين الأصالة العربية والحداثة الغربية.
العميد المتميز: سنوات العطاء الخالدة
تولى د. علي عجوة عمادة كلية الإعلام في العاشر من سبتمبر 2000 واستمر حتى أكتوبر 2003، ورغم قصر هذه الفترة نسبيًا، إلا أنها كانت كافية لتحدث تغييراتٍ جوهريةٍ تاركةً بصماتٍ لا تُمحى. كانت كلية الإعلام التي تسلمها آنذاك بحاجةٍ إلى رجلٍ يجمع بين الرؤية العلمية والقدرة الإدارية، فجاء هو ليكون ذلك الرجل.
من أبرز إنجازاته خلال فترة عمادته:
• تطوير اللائحة الدراسية للكلية بما يتواكب مع متطلبات العصر. • إنشاء أستوديوهات الإذاعة والتلفزيون على أحدث المواصفات الفنية. • تحديث معامل الكمبيوتر وتوسيعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة. • وضع الخطة الدراسية للشعبة الإنجليزية التي افتُتحت بعد انتهاء فترة عمادته. • تطوير المؤتمر العلمي السنوي للكلية ليصبح منصةً إقليميةً تستقطب الباحثين من الدول العربية. • تصميم ملحق لمبنى الكلية ووضع الجرأة الأساسية له، والذي تم افتتاحه لاحقًا. كما تولى منصب وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب أكثر من مرة؛ ففي الفترة من 1984 وحتى 1992، ومن 2004 حتى 2006، جمعت خبرته بين التعليم والإدارة، مما جعله نموذجًا نادرًا للقيادة الأكاديمية المتكاملة.
المدرسة العجوية: إرثٌ فكريٌّ لا يُمحى
إن ما يُميز د. علي عجوة عن غيره ليس فقط المناصب التي شغلها، بل المدرسة العلمية التي أسسها والتي ما زالت تُثمر حتى اليوم. تمثلت رؤيته في أن العلاقات العامة ليست مجرد وظيفة ثانوية في المؤسسات، بل هي علمٌ قائمٌ بذاته، وأداةٌ فاعلةٌ في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة القرار.
روائعه المؤلفة
قدم للعربية مراجعَ علميةً راسخةً لا تزال تُدرس حتى اليوم، ومن أبرزها:
1. 'الأساس العلمية للعلاقات العامة' (1979): وهو أوّل مرجعٍ عربي متكامل في هذا المجال، وما زال يُعتبر العمود الفقري لتدريس العلاقات العامة في العالم العربي. 2. 'العلاقات العامة في المنشآت المالية' (1984): المرجع الأول بالعربية لتطبيق العلاقات العامة في البنوك وشركات التأمين. 3. 'العلاقات العامة والصورة الذهنية' (1984): الذي تطرق لأول مرة بالعربية إلى مفهوم الصورة الذهنية، ودور العلاقات العامة في تكوينها وتعديلها. 4. 'العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق' (2002): الذي جمع بين الرؤية التنظيرية والتطبيقات العملية. 5. 'الإعلام وقضايا التنمية' (2002): الذي ربط بين الإعلام وقضايا المجتمع المصري والعربي، مقدماً حلولاً عملية لقضايا السكان والمياه والبيئة. الأستاذ مُعلِّم الأجيال
لكن الإرث الأكبر كان في تلاميذ الرجل. أشرف د. علي عجوة على 47 رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية مختلفة، ومن تخرّجوا على يديه أصبحوا اليوم عمداءً وأساتذةً في جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات المصرية والعربية. كنتُ واحدًا من هؤلاء التلاميذ الذين تشرفوا بالدراسة على يديه، وتعلموا منه ليس فقط علم العلاقات العامة، بل منهجية البحث العلمي، وأخلاقيات المهنة، والتواضع في التعامل مع الآخرين.
أتذكر كيف كان يحرص على أن يكون لكل طالب بصمته الخاصة، وكيف كان يشجعنا على التفكير النقدي والبحث عن إجاباتنا بأنفسنا. كان يقول دائمًا: 'لا تأخذوا العلم جاهزًا، بل امضغوه جيدًا قبل أن تبتلعوه'. هذه الفلسفة هي ما ميز مدرسته عن غيرها، وجعلت من تلاميذه باحثين قادرين على العطاء والإبداع.
منهم كاتب هذا المقال د. تحسين منصورالاستاذ في الجامعة الأردنية والعميد الأسبق لكلية الاعلام بجامعة اليرموك، وغيره الكثيرون الذين انتشروا في ربوع الوطن العربي ينشرون الفكر العجوي.
الرجل الذي جمع بين الأكاديميا والممارسة
لم يكن د. علي عجوة مجرد أكاديميٍّ في برجه العاجي، بل جمع بين النظرية والتطبيق بصورة نادرة. فقد عمل مستشارًا إعلاميًا لوزارة الموارد المائية والري من 2004 حتى 2011، وشارك في حملات وطنية كبرى، مثل:
• حملة التوعية بقضايا المياه بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية (CHEMONICS INTERNATIONAL) من 2004-2007. • حملات التوعية بتنظيم الأسرة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. • عضوية اللجنة الدينية بالأمانة العامة للحوار الوطني، واللجنة الفنية العليا للدعوة لتنظيم الأسرة. وهو ما جعله خبيرًا ميدانيًا يعرف هموم المجتمع وقضاياه، ويستطيع ترجمتها إلى برامج إعلامية وتوعوية فاعلة.
التكريم الذي يليق بالقامة
حظي الرجل بتكريمٍ يليق بمكانته:
• جائزة جامعة القاهرة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2008. • أوسمة ودروع من: جامعة القاهرة، وجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الإمارات، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، واتحاد الإذاعة والتليفزيون. • درع جامعة 8 أكتوبر، والمنوفية، ومؤسسة الفكر العربي. وما زال اسمه يُذكر حتى اليوم في وثائق الجامعة كأحد عمدائها الأفذاذ، حيث تذكره قوائم العمداء السابقين لكلية الإعلام بفخر واعتزاز.
خلاصة: إنه علي عجوة
في مشهد العظماء، يقف أ.د. علي السيد إبراهيم عجوة كقامةٍ شامخةٍ في سماء الإعلام العربي، لا يُمثل مجرد اسمٍ في سجلات كلية الإعلام، بل مدرسةً فكريةً متكاملة، ونموذجًا فريدًا في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الإدارة الحكيمة والإبداع العلمي، بين التواضع الجمّ والثقة بالنفس التي تليق بالمبدعين الحقيقيين.
يقول عنه الأستاذ الدكتور محمود يوسف إنه الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون أستاذًا، بل كان معلمًا، وجعل من تلاميذه استمرارًا لمسيرته، ومن مؤلفاته منارةً يهتدي بها الباحثون. عندما نتحدث عن 'المدرسة العجوية' في العلاقات العامة، فإننا نتحدث عن إرثٍ فكريٍّ وإنسانيٍّ سيظل خالدًا في وجدان الإعلام العربي لأجيالٍ قادمة، وعن نموذجٍ يُحتذى به لكل من يريد أن يخلد اسمه ليس بالمكانة، بل بالعطاء.
'ا. د. علي عجوة .. تاريخٌ من الإبداع، وحاضرٌ من العطاء، ومستقبلٌ للأجيال'
التعليقات
أ.د. علي عجوة: مدرسة في العقل والإدارة، وإرث خالد في الإعلام العربي بقلم أ. د تحسين منصور الجامعة الأردنية
التعليقات