كيف ينبغي لقطاع التكنولوجيا أن يتعامل مع قضية سلامة الذكاء الاصطناعي؟ بات مسؤولون تنفيذيون كبار يشاركون بشكل متزايد في هذا النقاش، وسط جدل محتدم حول ما إذا كانت حوادث مثل واقعة هاغينغ فيس، التي اخترق خلالها وكيل تابع لشركة أوبن إيه آي عدة شركات مختلفة، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات على وشك دفع عالمنا نحو الفوضى.
وفي أبرز المواقف، نشر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، مؤخرًا مقالًا يقارب أربعة آلاف كلمة عرض فيه مبررات إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، لإتاحة الوقت لوضع ضوابط حماية مناسبة.
وتتضمن خطته، من بين أمور أخرى، استراتيجية دولية للتعاون بين الشركات والحكومات من أجل نشر الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة. كما أيد مسؤولون تنفيذيون منافسون في قطاع الذكاء الاصطناعي، من بينهم سام ألتمان من أوبن إيه آي وإيلون ماسك من إكس إيه آي، خطة أمودي.
لكن بالطبع، لا يتفق الجميع مع دعوة أمودي إلى تحرك عالمي منسق. بل يبدو أن كثيرين يرون أن الرقابة الحكومية ليست ضرورية بالضرورة.
ومن أحدث المشاركين في هذا النقاش الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرغ، الذي نشر هذا الأسبوع أفكاره حول الموضوع.
وكتب زوكربيرغ: «أرى أن الثقة والمواءمة تتحولان بسرعة إلى أهم القدرات التي ستميز الوكلاء والنماذج عن بعضها». وكشف أيضًا أن شركته أخرت مؤخرًا إطلاق أحد نماذجها للذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.
وقال: «أخرت ميتا إطلاق ميوز لعدة أشهر من أجل التركيز على السلامة والأمن. لم نطالب الجميع بفعل الشيء نفسه قبل أن نفعله نحن. بل فعلناه ببساطة ضمن عملنا اليومي لأنه كان بوضوح الشيء الصحيح للناس ولنا».
ويبدو أن زوكربيرغ، الذي أيد أجزاء محددة من خطة أمودي، يلمح إلى أن التحرك الحكومي غير ضروري، وأن الحوافز الطبيعية داخل السوق ستدفع الشركات إلى التعامل مع الأمن بالشكل الصحيح.
وبحسب هذا التصور، يفترض أن يكافئ السوق في النهاية الشركات التي تحرص على تطوير نماذج لا تسبب الفوضى.
ويتوافق هذا الموقف مع مقال مطول كتبه زوكربيرغ الشهر الماضي، دعا فيه إلى تعاون محدود مع الحكومة عند الضرورة، لكنه ركز بصورة أساسية على القدرة التنافسية الأميركية باعتبارها مفتاح مستقبل تكنولوجي مزدهر.
وبوجه عام، يبدو أن هذا الموقف يحظى بتأييد عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين الآخرين في قطاع التكنولوجيا.
ومن بين الشخصيات البارزة الأخرى التي شاركت في النقاش أليكسيس أوهانيان، الشريك المؤسس لمنصة ريديت، الذي قال لشبكة «سي إن بي سي» الأربعاء إن قطاع التكنولوجيا كان إلى حد كبير «غير حساس» في الطريقة التي شرح بها مخاطر الذكاء الاصطناعي للجمهور.
ومع ذلك، بدا أوهانيان، مثل زوكربيرغ، متفائلًا بإمكانية أن تتوصل الشركات بنفسها إلى حلول للمشكلة.
كما شارك شين ليغ، الشريك المؤسس لشركة غوغل ديب مايند، برأيه قائلًا: «نحن نعيش الآن في فترة تتطور فيها القدرات بسرعة شديدة جدًا. لكن لا يمكننا السماح للقدرات بأن تتقدم على السلامة».
وأضاف: «نحتاج إلى العمل بجد على تفاصيل ذلك وكيف سيطبق عمليًا».
ورغم دعوات المختبرات الكبرى إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص، يبدو أن بعض الأصوات المؤيدة للتنظيم مرتاحة أيضًا لفكرة السماح للشركات بكتابة قواعدها بنفسها.
وفي هذا السياق، ظهر هذا الأسبوع تقرير أقل بروزًا لكنه لا يقل أهمية، أفاد بأن أوبن إيه آي وأنثروبيك وشركات كبرى أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي تعمل معًا لإنشاء منظمة لوضع معايير للذكاء الاصطناعي، وصفتها إحدى الجهات بأنها «هيئة خاصة للتنظيم الذاتي».
وكانت هناك في السابق مناقشات حول إنشاء منظمة مشابهة تديرها الحكومة الفيدرالية.
لكن البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي يضم مسؤولين مؤيدين بقوة للذكاء الاصطناعي ويدفع عمومًا باتجاه قطاع تكنولوجي أقل خضوعًا للتنظيم، لم يتبن هذا التوجه.
بل إن الإدارة سعت أيضًا إلى منع حكومات الولايات من سن قوانين خاصة بها لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
وقال ديفيد ساكس، المسؤول المكلف بسياسات الذكاء الاصطناعي في الإدارة الأميركية والمخضرم في قطاع التكنولوجيا، إن تنظيم الذكاء الاصطناعي يجب أن يُترك للشركات التي تطوره.
ومثل البيت الأبيض، لا يبدو أن عددًا من الشخصيات البارزة في الكونغرس متحمس للتجاوب مع دعوة أمودي إلى تنظيم شركته.
وبعد وقت قصير من نشر مقال الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، تناول رئيس مجلس النواب مايك جونسون المخاوف المتعلقة بالتطورات الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي بالقول: «لن تموتوا جميعًا خلال عشر سنوات».
ومن شأن إنشاء منظمة خاصة أن يبقي القطاع بعيدًا عن التنظيم الحكومي، باستثناء الالتزامات الطوعية، كما سيمنح بطبيعة الحال قدرًا من السلطة والنفوذ للشركات التي أنشأت هذه المنظمة.
ويقود ذلك إلى ادعاء آخر مستمر في النقاش، وهو أن دعوات القطاع إلى التنظيم قد تكون في الواقع استراتيجية لـالاستحواذ على العملية التنظيمية.
ووفقًا لهذا الطرح، قد تستخدم الشركات القوية التي تتمتع بالفعل بموقع مهيمن داخل القطاع قواعد تنظيمية مصممة بطريقة تخدمها لإقصاء الشركات الأصغر أو وضعها في موقف غير متكافئ، ما يؤدي إلى الحد من المنافسة.
ولا يشترط أن يتم ذلك من خلال قوانين رسمية؛ إذ يمكن حتى للمعايير الطوعية التي يضعها القطاع أن تفرض ضغوطًا كبيرة على الشركات الأقل قوة والموارد.
ورددت شخصيات بارزة في الحكومة الصينية موقفًا مشابهًا.
فبعد أن دعا أمودي هذا الأسبوع إلى «إبطاء وتيرة التقدم عند حدود القدرات»، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون الأميركيين باستخدام «إثارة الخوف» لتعطيل تطور الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
كما وصفت مقالة رأي في صحيفة صينية تديرها الدولة خطاب أمودي بأنه مستمد مباشرة من «قواعد لعبة الحرب الباردة». ومن الطبيعي أن تشكل إعادة هيكلة طريقة تعامل الشركات مع الصين، وهي إحدى النقاط التي دعا إليها أمودي في مقاله، فرصة للشركات الأميركية لترجيح الكفة لمصلحتها.
بل إن أمودي نفسه يعترف بأن هذا أحد الأهداف.
وكتب في مقاله: «إذا نفذنا هذه الإجراءات بشكل جيد، فأعتقد أنها ستبطئ تقدم الصين بما يكفي لتوسيع تفوق الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهي الفترة التي سيصبح فيها الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية».
لكن الصين ليست الوحيدة التي ترى أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الكبرى تسعى إلى تحقيق مكاسب لصالحها. فقد اتهم أيدان غوميز، الرئيس التنفيذي لشركة كوهير الكندية للذكاء الاصطناعي، هذه الشركات مؤخرًا بتشكيل «كارتل».
وكتب في تدوينة: «الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ضوابط حماية. هذا ليس موضع خلاف، ولم يكن كذلك في أي وقت. الخلاف الحقيقي يدور حول من يكتب هذه الضوابط، ومن يُسمح له بالمشاركة، ومصالح من تحميها هذه القواعد».
وكما يشير غوميز، فإن مجال سلامة الذكاء الاصطناعي سياسي بدرجة كبيرة، لأن الطريقة التي تُعرّف بها السلامة، والجهة التي تملك حق تعريفها، ستسهم في النهاية في تحديد من يحصل على أفضلية مبكرة، ومن يتخلف عن الركب في المرحلة المقبلة من المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي.
الغد
كيف ينبغي لقطاع التكنولوجيا أن يتعامل مع قضية سلامة الذكاء الاصطناعي؟ بات مسؤولون تنفيذيون كبار يشاركون بشكل متزايد في هذا النقاش، وسط جدل محتدم حول ما إذا كانت حوادث مثل واقعة هاغينغ فيس، التي اخترق خلالها وكيل تابع لشركة أوبن إيه آي عدة شركات مختلفة، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات على وشك دفع عالمنا نحو الفوضى.
وفي أبرز المواقف، نشر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، مؤخرًا مقالًا يقارب أربعة آلاف كلمة عرض فيه مبررات إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، لإتاحة الوقت لوضع ضوابط حماية مناسبة.
وتتضمن خطته، من بين أمور أخرى، استراتيجية دولية للتعاون بين الشركات والحكومات من أجل نشر الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة. كما أيد مسؤولون تنفيذيون منافسون في قطاع الذكاء الاصطناعي، من بينهم سام ألتمان من أوبن إيه آي وإيلون ماسك من إكس إيه آي، خطة أمودي.
لكن بالطبع، لا يتفق الجميع مع دعوة أمودي إلى تحرك عالمي منسق. بل يبدو أن كثيرين يرون أن الرقابة الحكومية ليست ضرورية بالضرورة.
ومن أحدث المشاركين في هذا النقاش الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرغ، الذي نشر هذا الأسبوع أفكاره حول الموضوع.
وكتب زوكربيرغ: «أرى أن الثقة والمواءمة تتحولان بسرعة إلى أهم القدرات التي ستميز الوكلاء والنماذج عن بعضها». وكشف أيضًا أن شركته أخرت مؤخرًا إطلاق أحد نماذجها للذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.
وقال: «أخرت ميتا إطلاق ميوز لعدة أشهر من أجل التركيز على السلامة والأمن. لم نطالب الجميع بفعل الشيء نفسه قبل أن نفعله نحن. بل فعلناه ببساطة ضمن عملنا اليومي لأنه كان بوضوح الشيء الصحيح للناس ولنا».
ويبدو أن زوكربيرغ، الذي أيد أجزاء محددة من خطة أمودي، يلمح إلى أن التحرك الحكومي غير ضروري، وأن الحوافز الطبيعية داخل السوق ستدفع الشركات إلى التعامل مع الأمن بالشكل الصحيح.
وبحسب هذا التصور، يفترض أن يكافئ السوق في النهاية الشركات التي تحرص على تطوير نماذج لا تسبب الفوضى.
ويتوافق هذا الموقف مع مقال مطول كتبه زوكربيرغ الشهر الماضي، دعا فيه إلى تعاون محدود مع الحكومة عند الضرورة، لكنه ركز بصورة أساسية على القدرة التنافسية الأميركية باعتبارها مفتاح مستقبل تكنولوجي مزدهر.
وبوجه عام، يبدو أن هذا الموقف يحظى بتأييد عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين الآخرين في قطاع التكنولوجيا.
ومن بين الشخصيات البارزة الأخرى التي شاركت في النقاش أليكسيس أوهانيان، الشريك المؤسس لمنصة ريديت، الذي قال لشبكة «سي إن بي سي» الأربعاء إن قطاع التكنولوجيا كان إلى حد كبير «غير حساس» في الطريقة التي شرح بها مخاطر الذكاء الاصطناعي للجمهور.
ومع ذلك، بدا أوهانيان، مثل زوكربيرغ، متفائلًا بإمكانية أن تتوصل الشركات بنفسها إلى حلول للمشكلة.
كما شارك شين ليغ، الشريك المؤسس لشركة غوغل ديب مايند، برأيه قائلًا: «نحن نعيش الآن في فترة تتطور فيها القدرات بسرعة شديدة جدًا. لكن لا يمكننا السماح للقدرات بأن تتقدم على السلامة».
وأضاف: «نحتاج إلى العمل بجد على تفاصيل ذلك وكيف سيطبق عمليًا».
ورغم دعوات المختبرات الكبرى إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص، يبدو أن بعض الأصوات المؤيدة للتنظيم مرتاحة أيضًا لفكرة السماح للشركات بكتابة قواعدها بنفسها.
وفي هذا السياق، ظهر هذا الأسبوع تقرير أقل بروزًا لكنه لا يقل أهمية، أفاد بأن أوبن إيه آي وأنثروبيك وشركات كبرى أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي تعمل معًا لإنشاء منظمة لوضع معايير للذكاء الاصطناعي، وصفتها إحدى الجهات بأنها «هيئة خاصة للتنظيم الذاتي».
وكانت هناك في السابق مناقشات حول إنشاء منظمة مشابهة تديرها الحكومة الفيدرالية.
لكن البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي يضم مسؤولين مؤيدين بقوة للذكاء الاصطناعي ويدفع عمومًا باتجاه قطاع تكنولوجي أقل خضوعًا للتنظيم، لم يتبن هذا التوجه.
بل إن الإدارة سعت أيضًا إلى منع حكومات الولايات من سن قوانين خاصة بها لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
وقال ديفيد ساكس، المسؤول المكلف بسياسات الذكاء الاصطناعي في الإدارة الأميركية والمخضرم في قطاع التكنولوجيا، إن تنظيم الذكاء الاصطناعي يجب أن يُترك للشركات التي تطوره.
ومثل البيت الأبيض، لا يبدو أن عددًا من الشخصيات البارزة في الكونغرس متحمس للتجاوب مع دعوة أمودي إلى تنظيم شركته.
وبعد وقت قصير من نشر مقال الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، تناول رئيس مجلس النواب مايك جونسون المخاوف المتعلقة بالتطورات الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي بالقول: «لن تموتوا جميعًا خلال عشر سنوات».
ومن شأن إنشاء منظمة خاصة أن يبقي القطاع بعيدًا عن التنظيم الحكومي، باستثناء الالتزامات الطوعية، كما سيمنح بطبيعة الحال قدرًا من السلطة والنفوذ للشركات التي أنشأت هذه المنظمة.
ويقود ذلك إلى ادعاء آخر مستمر في النقاش، وهو أن دعوات القطاع إلى التنظيم قد تكون في الواقع استراتيجية لـالاستحواذ على العملية التنظيمية.
ووفقًا لهذا الطرح، قد تستخدم الشركات القوية التي تتمتع بالفعل بموقع مهيمن داخل القطاع قواعد تنظيمية مصممة بطريقة تخدمها لإقصاء الشركات الأصغر أو وضعها في موقف غير متكافئ، ما يؤدي إلى الحد من المنافسة.
ولا يشترط أن يتم ذلك من خلال قوانين رسمية؛ إذ يمكن حتى للمعايير الطوعية التي يضعها القطاع أن تفرض ضغوطًا كبيرة على الشركات الأقل قوة والموارد.
ورددت شخصيات بارزة في الحكومة الصينية موقفًا مشابهًا.
فبعد أن دعا أمودي هذا الأسبوع إلى «إبطاء وتيرة التقدم عند حدود القدرات»، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون الأميركيين باستخدام «إثارة الخوف» لتعطيل تطور الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
كما وصفت مقالة رأي في صحيفة صينية تديرها الدولة خطاب أمودي بأنه مستمد مباشرة من «قواعد لعبة الحرب الباردة». ومن الطبيعي أن تشكل إعادة هيكلة طريقة تعامل الشركات مع الصين، وهي إحدى النقاط التي دعا إليها أمودي في مقاله، فرصة للشركات الأميركية لترجيح الكفة لمصلحتها.
بل إن أمودي نفسه يعترف بأن هذا أحد الأهداف.
وكتب في مقاله: «إذا نفذنا هذه الإجراءات بشكل جيد، فأعتقد أنها ستبطئ تقدم الصين بما يكفي لتوسيع تفوق الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهي الفترة التي سيصبح فيها الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية».
لكن الصين ليست الوحيدة التي ترى أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الكبرى تسعى إلى تحقيق مكاسب لصالحها. فقد اتهم أيدان غوميز، الرئيس التنفيذي لشركة كوهير الكندية للذكاء الاصطناعي، هذه الشركات مؤخرًا بتشكيل «كارتل».
وكتب في تدوينة: «الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ضوابط حماية. هذا ليس موضع خلاف، ولم يكن كذلك في أي وقت. الخلاف الحقيقي يدور حول من يكتب هذه الضوابط، ومن يُسمح له بالمشاركة، ومصالح من تحميها هذه القواعد».
وكما يشير غوميز، فإن مجال سلامة الذكاء الاصطناعي سياسي بدرجة كبيرة، لأن الطريقة التي تُعرّف بها السلامة، والجهة التي تملك حق تعريفها، ستسهم في النهاية في تحديد من يحصل على أفضلية مبكرة، ومن يتخلف عن الركب في المرحلة المقبلة من المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي.
الغد
كيف ينبغي لقطاع التكنولوجيا أن يتعامل مع قضية سلامة الذكاء الاصطناعي؟ بات مسؤولون تنفيذيون كبار يشاركون بشكل متزايد في هذا النقاش، وسط جدل محتدم حول ما إذا كانت حوادث مثل واقعة هاغينغ فيس، التي اخترق خلالها وكيل تابع لشركة أوبن إيه آي عدة شركات مختلفة، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات على وشك دفع عالمنا نحو الفوضى.
وفي أبرز المواقف، نشر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، مؤخرًا مقالًا يقارب أربعة آلاف كلمة عرض فيه مبررات إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، لإتاحة الوقت لوضع ضوابط حماية مناسبة.
وتتضمن خطته، من بين أمور أخرى، استراتيجية دولية للتعاون بين الشركات والحكومات من أجل نشر الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة. كما أيد مسؤولون تنفيذيون منافسون في قطاع الذكاء الاصطناعي، من بينهم سام ألتمان من أوبن إيه آي وإيلون ماسك من إكس إيه آي، خطة أمودي.
لكن بالطبع، لا يتفق الجميع مع دعوة أمودي إلى تحرك عالمي منسق. بل يبدو أن كثيرين يرون أن الرقابة الحكومية ليست ضرورية بالضرورة.
ومن أحدث المشاركين في هذا النقاش الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرغ، الذي نشر هذا الأسبوع أفكاره حول الموضوع.
وكتب زوكربيرغ: «أرى أن الثقة والمواءمة تتحولان بسرعة إلى أهم القدرات التي ستميز الوكلاء والنماذج عن بعضها». وكشف أيضًا أن شركته أخرت مؤخرًا إطلاق أحد نماذجها للذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.
وقال: «أخرت ميتا إطلاق ميوز لعدة أشهر من أجل التركيز على السلامة والأمن. لم نطالب الجميع بفعل الشيء نفسه قبل أن نفعله نحن. بل فعلناه ببساطة ضمن عملنا اليومي لأنه كان بوضوح الشيء الصحيح للناس ولنا».
ويبدو أن زوكربيرغ، الذي أيد أجزاء محددة من خطة أمودي، يلمح إلى أن التحرك الحكومي غير ضروري، وأن الحوافز الطبيعية داخل السوق ستدفع الشركات إلى التعامل مع الأمن بالشكل الصحيح.
وبحسب هذا التصور، يفترض أن يكافئ السوق في النهاية الشركات التي تحرص على تطوير نماذج لا تسبب الفوضى.
ويتوافق هذا الموقف مع مقال مطول كتبه زوكربيرغ الشهر الماضي، دعا فيه إلى تعاون محدود مع الحكومة عند الضرورة، لكنه ركز بصورة أساسية على القدرة التنافسية الأميركية باعتبارها مفتاح مستقبل تكنولوجي مزدهر.
وبوجه عام، يبدو أن هذا الموقف يحظى بتأييد عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين الآخرين في قطاع التكنولوجيا.
ومن بين الشخصيات البارزة الأخرى التي شاركت في النقاش أليكسيس أوهانيان، الشريك المؤسس لمنصة ريديت، الذي قال لشبكة «سي إن بي سي» الأربعاء إن قطاع التكنولوجيا كان إلى حد كبير «غير حساس» في الطريقة التي شرح بها مخاطر الذكاء الاصطناعي للجمهور.
ومع ذلك، بدا أوهانيان، مثل زوكربيرغ، متفائلًا بإمكانية أن تتوصل الشركات بنفسها إلى حلول للمشكلة.
كما شارك شين ليغ، الشريك المؤسس لشركة غوغل ديب مايند، برأيه قائلًا: «نحن نعيش الآن في فترة تتطور فيها القدرات بسرعة شديدة جدًا. لكن لا يمكننا السماح للقدرات بأن تتقدم على السلامة».
وأضاف: «نحتاج إلى العمل بجد على تفاصيل ذلك وكيف سيطبق عمليًا».
ورغم دعوات المختبرات الكبرى إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص، يبدو أن بعض الأصوات المؤيدة للتنظيم مرتاحة أيضًا لفكرة السماح للشركات بكتابة قواعدها بنفسها.
وفي هذا السياق، ظهر هذا الأسبوع تقرير أقل بروزًا لكنه لا يقل أهمية، أفاد بأن أوبن إيه آي وأنثروبيك وشركات كبرى أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي تعمل معًا لإنشاء منظمة لوضع معايير للذكاء الاصطناعي، وصفتها إحدى الجهات بأنها «هيئة خاصة للتنظيم الذاتي».
وكانت هناك في السابق مناقشات حول إنشاء منظمة مشابهة تديرها الحكومة الفيدرالية.
لكن البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي يضم مسؤولين مؤيدين بقوة للذكاء الاصطناعي ويدفع عمومًا باتجاه قطاع تكنولوجي أقل خضوعًا للتنظيم، لم يتبن هذا التوجه.
بل إن الإدارة سعت أيضًا إلى منع حكومات الولايات من سن قوانين خاصة بها لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
وقال ديفيد ساكس، المسؤول المكلف بسياسات الذكاء الاصطناعي في الإدارة الأميركية والمخضرم في قطاع التكنولوجيا، إن تنظيم الذكاء الاصطناعي يجب أن يُترك للشركات التي تطوره.
ومثل البيت الأبيض، لا يبدو أن عددًا من الشخصيات البارزة في الكونغرس متحمس للتجاوب مع دعوة أمودي إلى تنظيم شركته.
وبعد وقت قصير من نشر مقال الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، تناول رئيس مجلس النواب مايك جونسون المخاوف المتعلقة بالتطورات الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي بالقول: «لن تموتوا جميعًا خلال عشر سنوات».
ومن شأن إنشاء منظمة خاصة أن يبقي القطاع بعيدًا عن التنظيم الحكومي، باستثناء الالتزامات الطوعية، كما سيمنح بطبيعة الحال قدرًا من السلطة والنفوذ للشركات التي أنشأت هذه المنظمة.
ويقود ذلك إلى ادعاء آخر مستمر في النقاش، وهو أن دعوات القطاع إلى التنظيم قد تكون في الواقع استراتيجية لـالاستحواذ على العملية التنظيمية.
ووفقًا لهذا الطرح، قد تستخدم الشركات القوية التي تتمتع بالفعل بموقع مهيمن داخل القطاع قواعد تنظيمية مصممة بطريقة تخدمها لإقصاء الشركات الأصغر أو وضعها في موقف غير متكافئ، ما يؤدي إلى الحد من المنافسة.
ولا يشترط أن يتم ذلك من خلال قوانين رسمية؛ إذ يمكن حتى للمعايير الطوعية التي يضعها القطاع أن تفرض ضغوطًا كبيرة على الشركات الأقل قوة والموارد.
ورددت شخصيات بارزة في الحكومة الصينية موقفًا مشابهًا.
فبعد أن دعا أمودي هذا الأسبوع إلى «إبطاء وتيرة التقدم عند حدود القدرات»، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون الأميركيين باستخدام «إثارة الخوف» لتعطيل تطور الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
كما وصفت مقالة رأي في صحيفة صينية تديرها الدولة خطاب أمودي بأنه مستمد مباشرة من «قواعد لعبة الحرب الباردة». ومن الطبيعي أن تشكل إعادة هيكلة طريقة تعامل الشركات مع الصين، وهي إحدى النقاط التي دعا إليها أمودي في مقاله، فرصة للشركات الأميركية لترجيح الكفة لمصلحتها.
بل إن أمودي نفسه يعترف بأن هذا أحد الأهداف.
وكتب في مقاله: «إذا نفذنا هذه الإجراءات بشكل جيد، فأعتقد أنها ستبطئ تقدم الصين بما يكفي لتوسيع تفوق الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهي الفترة التي سيصبح فيها الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية».
لكن الصين ليست الوحيدة التي ترى أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الكبرى تسعى إلى تحقيق مكاسب لصالحها. فقد اتهم أيدان غوميز، الرئيس التنفيذي لشركة كوهير الكندية للذكاء الاصطناعي، هذه الشركات مؤخرًا بتشكيل «كارتل».
وكتب في تدوينة: «الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ضوابط حماية. هذا ليس موضع خلاف، ولم يكن كذلك في أي وقت. الخلاف الحقيقي يدور حول من يكتب هذه الضوابط، ومن يُسمح له بالمشاركة، ومصالح من تحميها هذه القواعد».
وكما يشير غوميز، فإن مجال سلامة الذكاء الاصطناعي سياسي بدرجة كبيرة، لأن الطريقة التي تُعرّف بها السلامة، والجهة التي تملك حق تعريفها، ستسهم في النهاية في تحديد من يحصل على أفضلية مبكرة، ومن يتخلف عن الركب في المرحلة المقبلة من المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي.
الغد
التعليقات
هل يدور جدل سلامة الذكاء الاصطناعي حول الأمان أم السيطرة؟
التعليقات