ثمة مدن تكبر، ومدن تتسع فقط، والفرق بينهما أن الأولى تعرف إلى أين تذهب، فيما قد تكتشف الثانية، بعد سنوات، أنها خسرت أشياء لا يمكن استعادتها، وعمّان تقف اليوم أمام هذا السؤال، هذه المدينة التي بدأت بلدية صغيرة عام 1909، ثم تحولت لأمانة العاصمة في 1950 مع اتساعها، قبل أن تصبح أمانة عمّان الكبرى عام 1987 في ظل توسع سكاني وعمراني متسارع، لم تكن يوما مدينة ثابتة، تاريخها هو تاريخ التحول الأردني نفسه، اتسعت أحياؤها، وتغيرت وظائفها وشوارعها وملامحها.
لكن المدينة التي نجحت في استيعاب هذا التوسع تحتاج الآن إلى سؤال مختلف: كيف نضمن ألا يأكل التوسع المدينة نفسها؟ هنا تصبح الأشجار والمساحات الخضراء قضية عامة، لا قضية جمالية؛ فالسياسة الحضرية لا تتعلق فقط بمكان إقامة الطريق أو ارتفاع البناء أو تنظيم قطعة الأرض، إنها في جوهرها قرار حول نوع الحياة التي سيعيشها الناس، ومن يخطط لمدينة يقرر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كم سيكون للإنسان من ظل، وممشى، وفضاء عام، وطبيعة، وهدوء، ولهذا فإن عمّان تحتاج لمراجعة مفهوم «التحديث» نفسه.
فالتحديث ليس أن نملأ الفراغات بالبناء كلما وجدنا فراغا، ولا أن يصبح الإسفلت الحل الأسرع لكل مشكلة، ولا أن تُعامل الشجرة كعقبة يمكن التخلص منها عندما تتعارض مع مسار مشروع، التحديث الحقيقي هو أن نعرف أين نتوقف، فالمدينة التي يتزايد سكانها وتتمدد عمرانيا لا تستطيع أن تحافظ على المعدلات نفسها من المساحات الخضراء ثم تعتبر أنها حققت التوازن، كل توسع عمراني يجب أن يقابله تخطيط أخضر موازٍ، وكل مشروع كبير ينبغي أن يضيف إلى جودة المدينة، لا أن يستهلك رصيدها القليل من الطبيعة.
وهنا أظن أن عمّان بحاجة إلى قرار سياسي واضح: أن تصبح المساحات الخضراء جزءا من بنية التخطيط، لا ملحقا بالمشروع بعد إنجازه، إذا كان لا بد من إزالة شجرة لضرورة هندسية حقيقية، فليكن ذلك استثناء مبررا، لا قاعدة سهلة، وليكن التعويض أكثر من مجرد شتلة توضع في مكان آخر، يمكن اعتماد مبدأ عملي: كل شجرة تُزال لضرورة، يقابلها التزام بزراعة عدد أكبر من الأشجار، والأهم أن نحمي الأشجار القائمة، خصوصا المعمرة منها، هذه الأشجار ليست نباتات عابرة.
لدينا فرصة بأن نعيد تعريف الاستثمار في العاصمة. لماذا لا تكون هناك حدائق صغيرة في الأحياء؟ لماذا لا تتحول بعض الأراضي العامة غير المستغلة إلى مساحات مفتوحة؟ لماذا لا تصبح الأسطح الخضراء والتشجير جزءا من حوافز البناء؟ ولماذا لا تقاس بعض المشروعات العامة بقدرتها على زيادة الظل والمساحات المزروعة إلى جانب كفاءتها الهندسية؟ والمهم ألا تبقى هذه الأفكار في مستوى المبادرات الموسمية.
المطلوب إذن ليس اختراع الفكرة من الصفر، وإنما رفعها لمستوى سياسة مدينة، نريد أن يصبح للعمّانيين حق واضح في المساحة الخضراء كما لهم حق في الطريق والمدرسة والمرفق العام، وأن يجد فيها الطفل مكانا للعب، والمواطن شجرة يستظل بها، وكبار السن مساحة للمشي والجلوس.
عمّان ليست ضد الحجر، نحن نريد البناء، والاستثمار، والمواصلات، والمشروعات، والتحديث، لكننا نريدها في معادلة أكثر توازنا: نريد أن نبني المدينة من دون أن نستهلك روحها، لهذا، قبل أن نزيل شجرة، علينا أن نسأل: هل هناك بديل؟، وقبل أن نستهلك مساحة مفتوحة، علينا أن نسأل: ماذا سيبقى لأطفالنا؟
وقبل أن نقول إن عمّان تتقدم، علينا أن نتأكد من أنها تتقدم من دون أن تختنق، فالتاريخ لا يحاسب المدن على ما بنته فقط؛ يحاسبها أيضا على ما قررت ألا تخسره، وعمّان، التي نحبها ونريد لها أن تنافس أجمل العواصم، لا تحتاج حجرا أكثر بقدر ما تحتاج رؤية تعرف أين تضع الحجر، وأين تترك الشجرة، نريد عاصمة حديثة، لكن لا نريد عاصمة مخنوقة.
الغد
ثمة مدن تكبر، ومدن تتسع فقط، والفرق بينهما أن الأولى تعرف إلى أين تذهب، فيما قد تكتشف الثانية، بعد سنوات، أنها خسرت أشياء لا يمكن استعادتها، وعمّان تقف اليوم أمام هذا السؤال، هذه المدينة التي بدأت بلدية صغيرة عام 1909، ثم تحولت لأمانة العاصمة في 1950 مع اتساعها، قبل أن تصبح أمانة عمّان الكبرى عام 1987 في ظل توسع سكاني وعمراني متسارع، لم تكن يوما مدينة ثابتة، تاريخها هو تاريخ التحول الأردني نفسه، اتسعت أحياؤها، وتغيرت وظائفها وشوارعها وملامحها.
لكن المدينة التي نجحت في استيعاب هذا التوسع تحتاج الآن إلى سؤال مختلف: كيف نضمن ألا يأكل التوسع المدينة نفسها؟ هنا تصبح الأشجار والمساحات الخضراء قضية عامة، لا قضية جمالية؛ فالسياسة الحضرية لا تتعلق فقط بمكان إقامة الطريق أو ارتفاع البناء أو تنظيم قطعة الأرض، إنها في جوهرها قرار حول نوع الحياة التي سيعيشها الناس، ومن يخطط لمدينة يقرر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كم سيكون للإنسان من ظل، وممشى، وفضاء عام، وطبيعة، وهدوء، ولهذا فإن عمّان تحتاج لمراجعة مفهوم «التحديث» نفسه.
فالتحديث ليس أن نملأ الفراغات بالبناء كلما وجدنا فراغا، ولا أن يصبح الإسفلت الحل الأسرع لكل مشكلة، ولا أن تُعامل الشجرة كعقبة يمكن التخلص منها عندما تتعارض مع مسار مشروع، التحديث الحقيقي هو أن نعرف أين نتوقف، فالمدينة التي يتزايد سكانها وتتمدد عمرانيا لا تستطيع أن تحافظ على المعدلات نفسها من المساحات الخضراء ثم تعتبر أنها حققت التوازن، كل توسع عمراني يجب أن يقابله تخطيط أخضر موازٍ، وكل مشروع كبير ينبغي أن يضيف إلى جودة المدينة، لا أن يستهلك رصيدها القليل من الطبيعة.
وهنا أظن أن عمّان بحاجة إلى قرار سياسي واضح: أن تصبح المساحات الخضراء جزءا من بنية التخطيط، لا ملحقا بالمشروع بعد إنجازه، إذا كان لا بد من إزالة شجرة لضرورة هندسية حقيقية، فليكن ذلك استثناء مبررا، لا قاعدة سهلة، وليكن التعويض أكثر من مجرد شتلة توضع في مكان آخر، يمكن اعتماد مبدأ عملي: كل شجرة تُزال لضرورة، يقابلها التزام بزراعة عدد أكبر من الأشجار، والأهم أن نحمي الأشجار القائمة، خصوصا المعمرة منها، هذه الأشجار ليست نباتات عابرة.
لدينا فرصة بأن نعيد تعريف الاستثمار في العاصمة. لماذا لا تكون هناك حدائق صغيرة في الأحياء؟ لماذا لا تتحول بعض الأراضي العامة غير المستغلة إلى مساحات مفتوحة؟ لماذا لا تصبح الأسطح الخضراء والتشجير جزءا من حوافز البناء؟ ولماذا لا تقاس بعض المشروعات العامة بقدرتها على زيادة الظل والمساحات المزروعة إلى جانب كفاءتها الهندسية؟ والمهم ألا تبقى هذه الأفكار في مستوى المبادرات الموسمية.
المطلوب إذن ليس اختراع الفكرة من الصفر، وإنما رفعها لمستوى سياسة مدينة، نريد أن يصبح للعمّانيين حق واضح في المساحة الخضراء كما لهم حق في الطريق والمدرسة والمرفق العام، وأن يجد فيها الطفل مكانا للعب، والمواطن شجرة يستظل بها، وكبار السن مساحة للمشي والجلوس.
عمّان ليست ضد الحجر، نحن نريد البناء، والاستثمار، والمواصلات، والمشروعات، والتحديث، لكننا نريدها في معادلة أكثر توازنا: نريد أن نبني المدينة من دون أن نستهلك روحها، لهذا، قبل أن نزيل شجرة، علينا أن نسأل: هل هناك بديل؟، وقبل أن نستهلك مساحة مفتوحة، علينا أن نسأل: ماذا سيبقى لأطفالنا؟
وقبل أن نقول إن عمّان تتقدم، علينا أن نتأكد من أنها تتقدم من دون أن تختنق، فالتاريخ لا يحاسب المدن على ما بنته فقط؛ يحاسبها أيضا على ما قررت ألا تخسره، وعمّان، التي نحبها ونريد لها أن تنافس أجمل العواصم، لا تحتاج حجرا أكثر بقدر ما تحتاج رؤية تعرف أين تضع الحجر، وأين تترك الشجرة، نريد عاصمة حديثة، لكن لا نريد عاصمة مخنوقة.
الغد
ثمة مدن تكبر، ومدن تتسع فقط، والفرق بينهما أن الأولى تعرف إلى أين تذهب، فيما قد تكتشف الثانية، بعد سنوات، أنها خسرت أشياء لا يمكن استعادتها، وعمّان تقف اليوم أمام هذا السؤال، هذه المدينة التي بدأت بلدية صغيرة عام 1909، ثم تحولت لأمانة العاصمة في 1950 مع اتساعها، قبل أن تصبح أمانة عمّان الكبرى عام 1987 في ظل توسع سكاني وعمراني متسارع، لم تكن يوما مدينة ثابتة، تاريخها هو تاريخ التحول الأردني نفسه، اتسعت أحياؤها، وتغيرت وظائفها وشوارعها وملامحها.
لكن المدينة التي نجحت في استيعاب هذا التوسع تحتاج الآن إلى سؤال مختلف: كيف نضمن ألا يأكل التوسع المدينة نفسها؟ هنا تصبح الأشجار والمساحات الخضراء قضية عامة، لا قضية جمالية؛ فالسياسة الحضرية لا تتعلق فقط بمكان إقامة الطريق أو ارتفاع البناء أو تنظيم قطعة الأرض، إنها في جوهرها قرار حول نوع الحياة التي سيعيشها الناس، ومن يخطط لمدينة يقرر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كم سيكون للإنسان من ظل، وممشى، وفضاء عام، وطبيعة، وهدوء، ولهذا فإن عمّان تحتاج لمراجعة مفهوم «التحديث» نفسه.
فالتحديث ليس أن نملأ الفراغات بالبناء كلما وجدنا فراغا، ولا أن يصبح الإسفلت الحل الأسرع لكل مشكلة، ولا أن تُعامل الشجرة كعقبة يمكن التخلص منها عندما تتعارض مع مسار مشروع، التحديث الحقيقي هو أن نعرف أين نتوقف، فالمدينة التي يتزايد سكانها وتتمدد عمرانيا لا تستطيع أن تحافظ على المعدلات نفسها من المساحات الخضراء ثم تعتبر أنها حققت التوازن، كل توسع عمراني يجب أن يقابله تخطيط أخضر موازٍ، وكل مشروع كبير ينبغي أن يضيف إلى جودة المدينة، لا أن يستهلك رصيدها القليل من الطبيعة.
وهنا أظن أن عمّان بحاجة إلى قرار سياسي واضح: أن تصبح المساحات الخضراء جزءا من بنية التخطيط، لا ملحقا بالمشروع بعد إنجازه، إذا كان لا بد من إزالة شجرة لضرورة هندسية حقيقية، فليكن ذلك استثناء مبررا، لا قاعدة سهلة، وليكن التعويض أكثر من مجرد شتلة توضع في مكان آخر، يمكن اعتماد مبدأ عملي: كل شجرة تُزال لضرورة، يقابلها التزام بزراعة عدد أكبر من الأشجار، والأهم أن نحمي الأشجار القائمة، خصوصا المعمرة منها، هذه الأشجار ليست نباتات عابرة.
لدينا فرصة بأن نعيد تعريف الاستثمار في العاصمة. لماذا لا تكون هناك حدائق صغيرة في الأحياء؟ لماذا لا تتحول بعض الأراضي العامة غير المستغلة إلى مساحات مفتوحة؟ لماذا لا تصبح الأسطح الخضراء والتشجير جزءا من حوافز البناء؟ ولماذا لا تقاس بعض المشروعات العامة بقدرتها على زيادة الظل والمساحات المزروعة إلى جانب كفاءتها الهندسية؟ والمهم ألا تبقى هذه الأفكار في مستوى المبادرات الموسمية.
المطلوب إذن ليس اختراع الفكرة من الصفر، وإنما رفعها لمستوى سياسة مدينة، نريد أن يصبح للعمّانيين حق واضح في المساحة الخضراء كما لهم حق في الطريق والمدرسة والمرفق العام، وأن يجد فيها الطفل مكانا للعب، والمواطن شجرة يستظل بها، وكبار السن مساحة للمشي والجلوس.
عمّان ليست ضد الحجر، نحن نريد البناء، والاستثمار، والمواصلات، والمشروعات، والتحديث، لكننا نريدها في معادلة أكثر توازنا: نريد أن نبني المدينة من دون أن نستهلك روحها، لهذا، قبل أن نزيل شجرة، علينا أن نسأل: هل هناك بديل؟، وقبل أن نستهلك مساحة مفتوحة، علينا أن نسأل: ماذا سيبقى لأطفالنا؟
وقبل أن نقول إن عمّان تتقدم، علينا أن نتأكد من أنها تتقدم من دون أن تختنق، فالتاريخ لا يحاسب المدن على ما بنته فقط؛ يحاسبها أيضا على ما قررت ألا تخسره، وعمّان، التي نحبها ونريد لها أن تنافس أجمل العواصم، لا تحتاج حجرا أكثر بقدر ما تحتاج رؤية تعرف أين تضع الحجر، وأين تترك الشجرة، نريد عاصمة حديثة، لكن لا نريد عاصمة مخنوقة.
التعليقات