مرة أخرى، يضع جلالة الملك عبدالله الثاني المنطقة أمام حقيقتها الصعبة: لا يمكن إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط رهينة حروب متتالية وتهدئات مؤقتة، فيما تتسع الوقائع المفروضة على الأرض وتتراجع فرص الحل السياسي.
في نيويورك، لم يأت التحذير الملكي من فراغ، فالمشهد الإقليمي بات أكثر تعقيداً من أن يُختزل في حرب واحدة أو جبهة واحدة؛ غزة والضفة الغربية والقدس وسورية ولبنان، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية على الاقتصاد والطاقة والتجارة، أصبحت حلقات في أزمة واحدة تتداخل فيها حسابات الأمن والسياسة.
ولهذا كان لافتاً أن يكرر جلالة الملك، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاءاته مع قادة ومسؤولين دوليين، الدعوة لتكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة، والعودة للدبلوماسية والحوار، مع التأكيد أن استقرار المنطقة لن يتحقق من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين.
فالمعادلة الأردنية تبدو واضحة: السلام ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة أمنية لمنع الفوضى، والتحذير الأردني يتجاوز حدود فلسطين اللافت في التحرك الملكي هذه المرة أن التحذير لا يتوقف عند حدود الحرب في غزة.
فالملك يحذر من سياسات الضم والتوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين، لكنه في الوقت نفسه يربط ذلك بما يجري في سورية ولبنان، وبأي محاولة لاستغلال حالة الإقليم لفرض وقائع جديدة.
وفي لقاءاته الأخيرة، أكد الملك أن الإجراءات الإسرائيلية في سورية تقوض جهود الاستقرار وتشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني، مشددا على دعم أمن سورية ولبنان وسيادتهما. وهنا تكمن أهمية التحذير الأردني؛ فهو لا يتعامل مع كل أزمة بوصفها ملفاً منفصلاً، بل يرى أن استمرار الانفلات في ساحة واحدة يمكن أن يفتح الطريق أمام انتقاله إلى ساحات أخرى. وهذه بالضبط هي الفوضى التي يحذر منها الأردن. من احتواء الصراع إلى محاولة إنهائه على مدى سنوات، اعتمد المجتمع الدولي إلى حد كبير سياسة احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحيث تتدخل القوى الكبرى عند اندلاع الحرب لوقف التصعيد، ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، من دون معالجة أصل المشكلة، لكن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة. فالوقائع التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها مؤقتة، تحولت إلى وقائع دائمة على الأرض. وفي خطابه أمام الجمعية العامة، انتقد الملك استمرار التعامل مع الانتهاكات والتغييرات الميدانية باعتبارها مؤقتة، محذراً من أن المؤقت يتحول إلى دائم إذا لم تتم مواجهته سياسياً وقانونياً. ومن هنا يمكن فهم إصرار الأردن على نقل النقاش الدولي من مجرد وقف إطلاق النار إلى اليوم التالي للحرب. فالتهدئة، وفق هذه الرؤية، ليست نهاية الطريق، وإنما بداية لمسار سياسي يجب أن يقود إلى حل دائم. واشنطن في قلب التحرك لا يمكن قراءة أي تحرك دولي جدي في المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة، ولهذا حافظ الأردن على اتصالاته المكثفة مع الإدارة الأميركية، بالتوازي مع تحركه في الأمم المتحدة ومع الدول الأوروبية والعربية. وفي الاجتماع متعدد الأطراف الذي عقد بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول من أمس على هامش اجتماعات الجمعية العامة، شدد الملك على ضرورة أعلى درجات ضبط النفس، محذرا من أن تصعيد الأوضاع في غزة والضفة الغربية يمكن أن يقوض جهود استعادة الهدوء. كما أثار مخاطر السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وتكشف هذه التحركات عن محاولة أردنية لإبقاء واشنطن داخل مسار الحل السياسي، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك تأثيراً لا يمكن تجاوزه في العلاقات الإسرائيلية الأميركية وفي ترتيبات الأمن الإقليمي. الدور الأميركي وحده لا يكفي
فالتحرك يحتاج إلى مظلة دولية أوسع، وإلى توافق عربي وأوروبي، وإلى قدرة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية.
وتتزايد المخاوف الأوروبية من أن يؤدي الاستيطان والضم لتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهنا بدأت بعض الدول الأوروبية تتحرك بصورة أكثر وضوحاً، سواء عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الضغط السياسي أو بحث إجراءات مرتبطة بالاستيطان.
وفي هذا السياق، تأتي اللقاءات الأردنية الأوروبية في نيويورك، حيث ناقش الملك مع قادة ومسؤولين أوروبيين خطورة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة والقدس وغزة، وضرورة استعادة التهدئة ودعم حل الدولتين.
كما برز الموقف الإيرلندي في اللقاء الأخير بين ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن، حيث جرى التأكيد على أن ضم الأراضي الفلسطينية وعنف المستوطنين يقوضان فرص السلام، إلى جانب بحث المساعدات الإنسانية لغزة وجهود حفظ السلام في لبنان. هذه التحركات لا تعني أن أوروبا باتت تملك وحدها القدرة على فرض التسوية، لكنها تعكس اتجاهاً نحو استخدام أدوات سياسية واقتصادية وقانونية بصورة أكبر لحماية فكرة حل الدولتين. الأمم المتحدة.. منصة التحذير والاختبار أما الأمم المتحدة، فتظل المنصة التي يحاول الأردن من خلالها تثبيت المرجعيات الدولية للحل، فلقاء الملك بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حمل رسالة واضحة: المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما تكثيف الجهود لاستعادة الاستقرار والعودة إلى الدبلوماسية والحوار.
لكن المشكلة التي تواجه المنظمة الدولية هي نفسها التي رافقت الملف الفلسطيني طوال عقود: القدرة على إنتاج توافق سياسي لا تزال محدودة بفعل الانقسامات الدولية، فيما تتقدم الوقائع على الأرض أسرع من قدرة المجتمع الدولي على منعها.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الأمم المتحدة، بدعم من القوى الكبرى، الانتقال من إصدار المواقف إلى إنتاج آلية سياسية ملزمة؟
فالضفة الغربية ملاصقة للأردن، والقدس ترتبط مباشرة بالموقف الأردني التاريخي تجاه المقدسات، وأي محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي أو السياسي فيها تمثل تحدياً مباشراً.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اضطراب واسع في سورية أو لبنان يمكن أن يفتح أبواباً جديدة أمام التهريب والجماعات المسلحة وعدم الاستقرار، فضلاً عن آثار اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة. ولهذا يصر الأردن على مفهوم أمن إقليمي لا يقوم فقط على الإجراءات العسكرية، وإنما على معالجة مصادر الصراع.
وفي هذا السياق، جاء لقاء الملك برئيس الوزراء العراقي، حيث جرى التأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد ويضمن أمن الدول العربية وسيادتها، إلى جانب التحذير من استغلال حالة الإقليم لفرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية.
الغد
مرة أخرى، يضع جلالة الملك عبدالله الثاني المنطقة أمام حقيقتها الصعبة: لا يمكن إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط رهينة حروب متتالية وتهدئات مؤقتة، فيما تتسع الوقائع المفروضة على الأرض وتتراجع فرص الحل السياسي.
في نيويورك، لم يأت التحذير الملكي من فراغ، فالمشهد الإقليمي بات أكثر تعقيداً من أن يُختزل في حرب واحدة أو جبهة واحدة؛ غزة والضفة الغربية والقدس وسورية ولبنان، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية على الاقتصاد والطاقة والتجارة، أصبحت حلقات في أزمة واحدة تتداخل فيها حسابات الأمن والسياسة.
ولهذا كان لافتاً أن يكرر جلالة الملك، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاءاته مع قادة ومسؤولين دوليين، الدعوة لتكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة، والعودة للدبلوماسية والحوار، مع التأكيد أن استقرار المنطقة لن يتحقق من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين.
فالمعادلة الأردنية تبدو واضحة: السلام ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة أمنية لمنع الفوضى، والتحذير الأردني يتجاوز حدود فلسطين اللافت في التحرك الملكي هذه المرة أن التحذير لا يتوقف عند حدود الحرب في غزة.
فالملك يحذر من سياسات الضم والتوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين، لكنه في الوقت نفسه يربط ذلك بما يجري في سورية ولبنان، وبأي محاولة لاستغلال حالة الإقليم لفرض وقائع جديدة.
وفي لقاءاته الأخيرة، أكد الملك أن الإجراءات الإسرائيلية في سورية تقوض جهود الاستقرار وتشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني، مشددا على دعم أمن سورية ولبنان وسيادتهما. وهنا تكمن أهمية التحذير الأردني؛ فهو لا يتعامل مع كل أزمة بوصفها ملفاً منفصلاً، بل يرى أن استمرار الانفلات في ساحة واحدة يمكن أن يفتح الطريق أمام انتقاله إلى ساحات أخرى. وهذه بالضبط هي الفوضى التي يحذر منها الأردن. من احتواء الصراع إلى محاولة إنهائه على مدى سنوات، اعتمد المجتمع الدولي إلى حد كبير سياسة احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحيث تتدخل القوى الكبرى عند اندلاع الحرب لوقف التصعيد، ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، من دون معالجة أصل المشكلة، لكن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة. فالوقائع التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها مؤقتة، تحولت إلى وقائع دائمة على الأرض. وفي خطابه أمام الجمعية العامة، انتقد الملك استمرار التعامل مع الانتهاكات والتغييرات الميدانية باعتبارها مؤقتة، محذراً من أن المؤقت يتحول إلى دائم إذا لم تتم مواجهته سياسياً وقانونياً. ومن هنا يمكن فهم إصرار الأردن على نقل النقاش الدولي من مجرد وقف إطلاق النار إلى اليوم التالي للحرب. فالتهدئة، وفق هذه الرؤية، ليست نهاية الطريق، وإنما بداية لمسار سياسي يجب أن يقود إلى حل دائم. واشنطن في قلب التحرك لا يمكن قراءة أي تحرك دولي جدي في المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة، ولهذا حافظ الأردن على اتصالاته المكثفة مع الإدارة الأميركية، بالتوازي مع تحركه في الأمم المتحدة ومع الدول الأوروبية والعربية. وفي الاجتماع متعدد الأطراف الذي عقد بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول من أمس على هامش اجتماعات الجمعية العامة، شدد الملك على ضرورة أعلى درجات ضبط النفس، محذرا من أن تصعيد الأوضاع في غزة والضفة الغربية يمكن أن يقوض جهود استعادة الهدوء. كما أثار مخاطر السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وتكشف هذه التحركات عن محاولة أردنية لإبقاء واشنطن داخل مسار الحل السياسي، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك تأثيراً لا يمكن تجاوزه في العلاقات الإسرائيلية الأميركية وفي ترتيبات الأمن الإقليمي. الدور الأميركي وحده لا يكفي
فالتحرك يحتاج إلى مظلة دولية أوسع، وإلى توافق عربي وأوروبي، وإلى قدرة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية.
وتتزايد المخاوف الأوروبية من أن يؤدي الاستيطان والضم لتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهنا بدأت بعض الدول الأوروبية تتحرك بصورة أكثر وضوحاً، سواء عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الضغط السياسي أو بحث إجراءات مرتبطة بالاستيطان.
وفي هذا السياق، تأتي اللقاءات الأردنية الأوروبية في نيويورك، حيث ناقش الملك مع قادة ومسؤولين أوروبيين خطورة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة والقدس وغزة، وضرورة استعادة التهدئة ودعم حل الدولتين.
كما برز الموقف الإيرلندي في اللقاء الأخير بين ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن، حيث جرى التأكيد على أن ضم الأراضي الفلسطينية وعنف المستوطنين يقوضان فرص السلام، إلى جانب بحث المساعدات الإنسانية لغزة وجهود حفظ السلام في لبنان. هذه التحركات لا تعني أن أوروبا باتت تملك وحدها القدرة على فرض التسوية، لكنها تعكس اتجاهاً نحو استخدام أدوات سياسية واقتصادية وقانونية بصورة أكبر لحماية فكرة حل الدولتين. الأمم المتحدة.. منصة التحذير والاختبار أما الأمم المتحدة، فتظل المنصة التي يحاول الأردن من خلالها تثبيت المرجعيات الدولية للحل، فلقاء الملك بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حمل رسالة واضحة: المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما تكثيف الجهود لاستعادة الاستقرار والعودة إلى الدبلوماسية والحوار.
لكن المشكلة التي تواجه المنظمة الدولية هي نفسها التي رافقت الملف الفلسطيني طوال عقود: القدرة على إنتاج توافق سياسي لا تزال محدودة بفعل الانقسامات الدولية، فيما تتقدم الوقائع على الأرض أسرع من قدرة المجتمع الدولي على منعها.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الأمم المتحدة، بدعم من القوى الكبرى، الانتقال من إصدار المواقف إلى إنتاج آلية سياسية ملزمة؟
فالضفة الغربية ملاصقة للأردن، والقدس ترتبط مباشرة بالموقف الأردني التاريخي تجاه المقدسات، وأي محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي أو السياسي فيها تمثل تحدياً مباشراً.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اضطراب واسع في سورية أو لبنان يمكن أن يفتح أبواباً جديدة أمام التهريب والجماعات المسلحة وعدم الاستقرار، فضلاً عن آثار اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة. ولهذا يصر الأردن على مفهوم أمن إقليمي لا يقوم فقط على الإجراءات العسكرية، وإنما على معالجة مصادر الصراع.
وفي هذا السياق، جاء لقاء الملك برئيس الوزراء العراقي، حيث جرى التأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد ويضمن أمن الدول العربية وسيادتها، إلى جانب التحذير من استغلال حالة الإقليم لفرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية.
الغد
مرة أخرى، يضع جلالة الملك عبدالله الثاني المنطقة أمام حقيقتها الصعبة: لا يمكن إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط رهينة حروب متتالية وتهدئات مؤقتة، فيما تتسع الوقائع المفروضة على الأرض وتتراجع فرص الحل السياسي.
في نيويورك، لم يأت التحذير الملكي من فراغ، فالمشهد الإقليمي بات أكثر تعقيداً من أن يُختزل في حرب واحدة أو جبهة واحدة؛ غزة والضفة الغربية والقدس وسورية ولبنان، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية على الاقتصاد والطاقة والتجارة، أصبحت حلقات في أزمة واحدة تتداخل فيها حسابات الأمن والسياسة.
ولهذا كان لافتاً أن يكرر جلالة الملك، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاءاته مع قادة ومسؤولين دوليين، الدعوة لتكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة، والعودة للدبلوماسية والحوار، مع التأكيد أن استقرار المنطقة لن يتحقق من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين.
فالمعادلة الأردنية تبدو واضحة: السلام ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة أمنية لمنع الفوضى، والتحذير الأردني يتجاوز حدود فلسطين اللافت في التحرك الملكي هذه المرة أن التحذير لا يتوقف عند حدود الحرب في غزة.
فالملك يحذر من سياسات الضم والتوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين، لكنه في الوقت نفسه يربط ذلك بما يجري في سورية ولبنان، وبأي محاولة لاستغلال حالة الإقليم لفرض وقائع جديدة.
وفي لقاءاته الأخيرة، أكد الملك أن الإجراءات الإسرائيلية في سورية تقوض جهود الاستقرار وتشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني، مشددا على دعم أمن سورية ولبنان وسيادتهما. وهنا تكمن أهمية التحذير الأردني؛ فهو لا يتعامل مع كل أزمة بوصفها ملفاً منفصلاً، بل يرى أن استمرار الانفلات في ساحة واحدة يمكن أن يفتح الطريق أمام انتقاله إلى ساحات أخرى. وهذه بالضبط هي الفوضى التي يحذر منها الأردن. من احتواء الصراع إلى محاولة إنهائه على مدى سنوات، اعتمد المجتمع الدولي إلى حد كبير سياسة احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحيث تتدخل القوى الكبرى عند اندلاع الحرب لوقف التصعيد، ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، من دون معالجة أصل المشكلة، لكن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة. فالوقائع التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها مؤقتة، تحولت إلى وقائع دائمة على الأرض. وفي خطابه أمام الجمعية العامة، انتقد الملك استمرار التعامل مع الانتهاكات والتغييرات الميدانية باعتبارها مؤقتة، محذراً من أن المؤقت يتحول إلى دائم إذا لم تتم مواجهته سياسياً وقانونياً. ومن هنا يمكن فهم إصرار الأردن على نقل النقاش الدولي من مجرد وقف إطلاق النار إلى اليوم التالي للحرب. فالتهدئة، وفق هذه الرؤية، ليست نهاية الطريق، وإنما بداية لمسار سياسي يجب أن يقود إلى حل دائم. واشنطن في قلب التحرك لا يمكن قراءة أي تحرك دولي جدي في المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة، ولهذا حافظ الأردن على اتصالاته المكثفة مع الإدارة الأميركية، بالتوازي مع تحركه في الأمم المتحدة ومع الدول الأوروبية والعربية. وفي الاجتماع متعدد الأطراف الذي عقد بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول من أمس على هامش اجتماعات الجمعية العامة، شدد الملك على ضرورة أعلى درجات ضبط النفس، محذرا من أن تصعيد الأوضاع في غزة والضفة الغربية يمكن أن يقوض جهود استعادة الهدوء. كما أثار مخاطر السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وتكشف هذه التحركات عن محاولة أردنية لإبقاء واشنطن داخل مسار الحل السياسي، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك تأثيراً لا يمكن تجاوزه في العلاقات الإسرائيلية الأميركية وفي ترتيبات الأمن الإقليمي. الدور الأميركي وحده لا يكفي
فالتحرك يحتاج إلى مظلة دولية أوسع، وإلى توافق عربي وأوروبي، وإلى قدرة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية.
وتتزايد المخاوف الأوروبية من أن يؤدي الاستيطان والضم لتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهنا بدأت بعض الدول الأوروبية تتحرك بصورة أكثر وضوحاً، سواء عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الضغط السياسي أو بحث إجراءات مرتبطة بالاستيطان.
وفي هذا السياق، تأتي اللقاءات الأردنية الأوروبية في نيويورك، حيث ناقش الملك مع قادة ومسؤولين أوروبيين خطورة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة والقدس وغزة، وضرورة استعادة التهدئة ودعم حل الدولتين.
كما برز الموقف الإيرلندي في اللقاء الأخير بين ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن، حيث جرى التأكيد على أن ضم الأراضي الفلسطينية وعنف المستوطنين يقوضان فرص السلام، إلى جانب بحث المساعدات الإنسانية لغزة وجهود حفظ السلام في لبنان. هذه التحركات لا تعني أن أوروبا باتت تملك وحدها القدرة على فرض التسوية، لكنها تعكس اتجاهاً نحو استخدام أدوات سياسية واقتصادية وقانونية بصورة أكبر لحماية فكرة حل الدولتين. الأمم المتحدة.. منصة التحذير والاختبار أما الأمم المتحدة، فتظل المنصة التي يحاول الأردن من خلالها تثبيت المرجعيات الدولية للحل، فلقاء الملك بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حمل رسالة واضحة: المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما تكثيف الجهود لاستعادة الاستقرار والعودة إلى الدبلوماسية والحوار.
لكن المشكلة التي تواجه المنظمة الدولية هي نفسها التي رافقت الملف الفلسطيني طوال عقود: القدرة على إنتاج توافق سياسي لا تزال محدودة بفعل الانقسامات الدولية، فيما تتقدم الوقائع على الأرض أسرع من قدرة المجتمع الدولي على منعها.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الأمم المتحدة، بدعم من القوى الكبرى، الانتقال من إصدار المواقف إلى إنتاج آلية سياسية ملزمة؟
فالضفة الغربية ملاصقة للأردن، والقدس ترتبط مباشرة بالموقف الأردني التاريخي تجاه المقدسات، وأي محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي أو السياسي فيها تمثل تحدياً مباشراً.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اضطراب واسع في سورية أو لبنان يمكن أن يفتح أبواباً جديدة أمام التهريب والجماعات المسلحة وعدم الاستقرار، فضلاً عن آثار اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة. ولهذا يصر الأردن على مفهوم أمن إقليمي لا يقوم فقط على الإجراءات العسكرية، وإنما على معالجة مصادر الصراع.
وفي هذا السياق، جاء لقاء الملك برئيس الوزراء العراقي، حيث جرى التأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد ويضمن أمن الدول العربية وسيادتها، إلى جانب التحذير من استغلال حالة الإقليم لفرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية.
الغد
التعليقات
الملك يضع العالم أمام حقيقة: لا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط رهينة حروب متتالية
التعليقات