لا تحتاج التجربة الحزبية الجديدة إلى مزيد من المجاملات، بقدر ما تحتاج إلى قراءة صريحة لما أنجزته وما أخفقت فيه. فبعد وصول الأحزاب إلى مجلس النواب العشرين، وتشكيل الكتل الحزبية، لم يعد السؤال متعلقا بمجرد نجاحها في الوصول إلى قبة البرلمان، وإنما بما إذا كانت قد نجحت في بناء علاقة سياسية حقيقية مع المجتمع الذي يُفترض أن تمثله.
حتى الآن، تبدو المسافة بين عدد من الأحزاب الجديدة ونبض الشارع واسعة جدا، وهذه حقيقة يصعب تجاوزها بالحديث المتكرر عن الإصلاح والتحديث والحياة الحزبية؛ لأن الحزب الذي لا يسمع الناس، ولا يلتقط أسئلتهم اليومية، ولا يحول قضاياهم إلى مواقف وبرامج، يبقى أقرب إلى إطار سياسي نخبوي منه إلى مؤسسة شعبية قادرة على إنتاج التغيير. خرجت الأحزاب من جوهر مشروع التحديث السياسي، لتكون حلقة الوصل بين المواطن والدولة، ولتنتقل بالعمل العام من حالة الفرد إلى المؤسسة، ومن رد الفعل إلى البرنامج، ومن النائب الذي يتحرك منفردا إلى فريق سياسي يعرف ماذا يريد في التشريع والرقابة والحكم. لكن ما يظهر حتى الآن أن هناك أحزابا ما تزال منشغلة أكثر بتثبيت مواقعها الداخلية، ومعالجة قضاياها الداخلية، وترتيب صفوفها وبناء صورتها السياسية، ولم تصل بعد إلى الدرجة المطلوبة من الالتصاق بالمجتمع، إذ ما تزال بعيدة عنه وعن مشاكله وقضاياه.
فالعلاج أو الالتصاق ليس بالبيانات فقط، بل هو أوسع من الخطاب النمطي الذي يتصور أن نجاحه مقتصر على بيان أو تصريح صحفي؛ بمعنى أن الحزب إذا بقي بعيدا عن الناس والنزول إليهم، فإن برجه العاجي لن يحقق له ما يتطلع إليه من حضور في الشارع.
وهنا تكمن واحدة من أبرز مشكلات التجربة الحالية: الحزب لا يمكن أن يصبح قويا في مجلس النواب إذا كان ضعيف الصلة بالشارع.
فالناس لا تنتظر من الأحزاب محاضرات جديدة عن الديمقراطية والتحديث والإصلاح، بقدر ما تريد أن تعرف ماذا ستفعل أمام البطالة، وارتفاع الأسعار، وفرص العمل، والخدمات، والتعليم، والصحة، والنقل، ومشكلات الشباب، وغيرها من القضايا التي تشكل يوميات المواطن. وهذه الملفات هي التي تصنع الثقة السياسية، وليس البيانات والندوات والخطابات العامة، وكلها قضايا داخلية توجب على كل حزب بناء إطار سياسي لها، وتقديم برنامج لمعالجتها. المشكلة لا تتوقف عند ضعف الحضور لدى الجمهور، بل تمتد إلى ضعف هذا الحضور تحت القبة. فعندما يدخل النواب تحت مظلة أحزاب وكتل حزبية، يصبح مطلوبا منهم تقديم شيء مختلف عن النواب المستقلين؛ بمعنى أن النائب الحزبي مطلوب منه موقف شمولي يستند إلى الحزب وبرنامجه، إلى جانب الأولويات التشريعية، والرؤية الرقابية، والقدرة على التفاوض، وأن تكون قيادات الحزبيين قادرة على إدارة كتلهم الحزبية، والتحدث باسمها والدفاع عن برامجها. لكن المؤلم هو وجود نواب حزبيين لا يعرفون أبسط قواعد العمل الحزبي.
وهنا تبرز علامة استفهام أكبر حول قدرة الأحزاب الجديدة على إنتاج قيادات برلمانية وتشريعية حقيقية. فوجود نائب حزبي لا يعني بالضرورة وجود قيادة حزبية.
والكتلة التي تجمع عددا من النواب لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية فاعلة؛ فالقيادة البرلمانية تحتاج إلى معرفة بالتشريع، وخبرة في إدارة الخلاف، وقدرة على بناء التوافقات، ووضوح في الموقف، والأهم القدرة على تحويل برنامج الحزب إلى عمل داخل اللجان وتحت القبة.
كما أنه من المؤسف أن تفرز التجربة الحالية عددا محدودا جدا من الشخصيات الحزبية النيابية، ما يحيل إلى أن هذا التراخي في إنتاج قيادات لم يقدم دليلا كافيا يفضي إلى أن الأحزاب الجديدة يمكن لإطارها أن ينتج قيادات قادرة على قيادة العمل التشريعي والسياسي لسنوات مقبلة. وهذه ليست إدانة نهائية لتجربة ما تزال في بدايتها، لكنها ملاحظة لا يجوز تجاهلها. لكن الأخطر في هذا الجانب أن أحزابا رفعت شعارات تدور في فلك الإصلاح والتغيير ونهوض الحزبية، غير أنها تبدو أحيانا بعيدة عن المزاج العام الذي يُفترض أن تكون جزءا منه. فهناك فارق بين أن يتحدث الحزب عن الشارع أو أن يكون حاضرا فيه، ويقول إنه يمثل المواطن، أو أن يعرف فعلا ماذا يريد هؤلاء المواطنون.
وفي هذا الإطار، فإنه من المنطقي أن الحزب الذي لا يملك أدوات لقياس الرأي العام، ولا قنوات تصله بالمجتمع، ولا يعرف كيف يتفاعل مع قضايا الناس، سيجد نفسه مضطرا إلى التخمين السياسي؛ وعندها تصبح علاقته بالمواطن موسمية، تزداد في الانتخابات وتتراجع بعدها، بينما المطلوب أن يكون الحزب حاضرا في الحياة العامة طوال الوقت.
ومن هنا، فإن أي تقييم حقيقي للتجربة الحزبية يجب ألا ينصب على عدد من أصبح نائبا من الحزب، بل يجب أن ينبثق السؤال من القاعدة الاجتماعية التي بناها الحزب، ومن قدرته على إنتاج الكوادر الحزبية، ومن حضوره في المجتمع، ومواقفه من القضايا العامة، وقدرة برنامجه على الوصول إلى المواطن بلغة يفهمها ويشعر بأنها تعبر عن واقعه.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن احتمال دخول نواب حزبيين إلى الحكومة في أي تعديل وزاري مقبل، يفتح اختبارا إضافيا للأحزاب. فإذا انتقل نائب حزبي إلى موقع وزاري، وبقي حزبه قادرا على الحفاظ على حضوره البرلماني عبر الآليات القانونية المقررة، فذلك يعني أن الحزب يمتلك أكثر من شخصية قادرة على تحمل المسؤولية، وأن النائب ليس هو الحزب، والحزب ليس هو النائب. وهذا أساس بناء الحياة الحزبية؛ فالحزب الذي يرتبط بشخص واحد هش، بينما الحزب الذي ينتج نائبا ووزيرا ورئيس كتلة أو رئيس لجنة أو متحدثا سياسيا، أقرب إلى المؤسسة منه إلى التجمع الانتخابي.
كما أن دخول أحزاب إلى الحكومة يمكنه وضع حد لحالة الالتباس التي تحيط بموقع كتل حزبية مؤيدة للحكومة.
كما أن المشاركة في القرار التنفيذي تعني تحمل جزء من المسؤولية عن السياسات والنتائج، بينما تستطيع الأحزاب خارج الحكومة، إذا اختارت موقع المعارضة، ممارسة دور أكثر وضوحا في الرقابة وتقديم البدائل. وبذلك تصبح الخريطة السياسية أكثر وضوحا: من يشارك في الحكم يتحمل مسؤوليته، ومن يختار المعارضة يمارس وظيفته الرقابية ويقدم البديل.
لكن كل ذلك يبقى مرتبطا بالسؤال الأساسي: هل تستطيع الأحزاب الخروج من دائرة النخبة إلى المجتمع؟ لا يقاس التحديث السياسي بعدد الأحزاب أو النواب الحزبيين أو الكتل الحزبية تحت القبة. لكن هذه كلها مؤشرات على بداية الطريق، وليست دليلا على اكتماله.
يبدأ الاختبار الحقيقي حين يشعر المواطن بأن الحزب يتحدث بلغته، ويعرف مشكلته، ويتابع قضيته، ويقدم برنامجا يمكن محاسبته عليه. عندها فقط تصبح الحزبية ممارسة سياسية، لا عنوانا سياسيا.
وإذا بقيت الأحزاب بعيدة عن الشارع وقضاياه ونبضه، فإن وجودها في المجلس لا يكفي لتغيير صورة المجلس، أو إنتاج حياة سياسية مختلفة. فالبرلمان لا يستطيع أن يكون أكثر حزبية من المجتمع الذي جاءت منه أحزابه، والأحزاب لا تستطيع أن تصبح قوة سياسية حقيقية إذا بقيت تبحث عن الشارع من داخل القاعات المغلقة.
والآن، ما هو المطلوب؟ إن المطلوب ليس مزيدا من الحديث عن أن الأحزاب هي مستقبل الحياة السياسية، وإنما أن تثبت الأحزاب بنفسها أنها تستحق هذا المستقبل؛ بالاقتراب من الناس، وإنتاج القيادات، وبناء البرامج، وتحمل المسؤولية، وتحويل الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة سياسية يمكن للشارع رؤيتها والحكم عليها.
الغد
لا تحتاج التجربة الحزبية الجديدة إلى مزيد من المجاملات، بقدر ما تحتاج إلى قراءة صريحة لما أنجزته وما أخفقت فيه. فبعد وصول الأحزاب إلى مجلس النواب العشرين، وتشكيل الكتل الحزبية، لم يعد السؤال متعلقا بمجرد نجاحها في الوصول إلى قبة البرلمان، وإنما بما إذا كانت قد نجحت في بناء علاقة سياسية حقيقية مع المجتمع الذي يُفترض أن تمثله.
حتى الآن، تبدو المسافة بين عدد من الأحزاب الجديدة ونبض الشارع واسعة جدا، وهذه حقيقة يصعب تجاوزها بالحديث المتكرر عن الإصلاح والتحديث والحياة الحزبية؛ لأن الحزب الذي لا يسمع الناس، ولا يلتقط أسئلتهم اليومية، ولا يحول قضاياهم إلى مواقف وبرامج، يبقى أقرب إلى إطار سياسي نخبوي منه إلى مؤسسة شعبية قادرة على إنتاج التغيير. خرجت الأحزاب من جوهر مشروع التحديث السياسي، لتكون حلقة الوصل بين المواطن والدولة، ولتنتقل بالعمل العام من حالة الفرد إلى المؤسسة، ومن رد الفعل إلى البرنامج، ومن النائب الذي يتحرك منفردا إلى فريق سياسي يعرف ماذا يريد في التشريع والرقابة والحكم. لكن ما يظهر حتى الآن أن هناك أحزابا ما تزال منشغلة أكثر بتثبيت مواقعها الداخلية، ومعالجة قضاياها الداخلية، وترتيب صفوفها وبناء صورتها السياسية، ولم تصل بعد إلى الدرجة المطلوبة من الالتصاق بالمجتمع، إذ ما تزال بعيدة عنه وعن مشاكله وقضاياه.
فالعلاج أو الالتصاق ليس بالبيانات فقط، بل هو أوسع من الخطاب النمطي الذي يتصور أن نجاحه مقتصر على بيان أو تصريح صحفي؛ بمعنى أن الحزب إذا بقي بعيدا عن الناس والنزول إليهم، فإن برجه العاجي لن يحقق له ما يتطلع إليه من حضور في الشارع.
وهنا تكمن واحدة من أبرز مشكلات التجربة الحالية: الحزب لا يمكن أن يصبح قويا في مجلس النواب إذا كان ضعيف الصلة بالشارع.
فالناس لا تنتظر من الأحزاب محاضرات جديدة عن الديمقراطية والتحديث والإصلاح، بقدر ما تريد أن تعرف ماذا ستفعل أمام البطالة، وارتفاع الأسعار، وفرص العمل، والخدمات، والتعليم، والصحة، والنقل، ومشكلات الشباب، وغيرها من القضايا التي تشكل يوميات المواطن. وهذه الملفات هي التي تصنع الثقة السياسية، وليس البيانات والندوات والخطابات العامة، وكلها قضايا داخلية توجب على كل حزب بناء إطار سياسي لها، وتقديم برنامج لمعالجتها. المشكلة لا تتوقف عند ضعف الحضور لدى الجمهور، بل تمتد إلى ضعف هذا الحضور تحت القبة. فعندما يدخل النواب تحت مظلة أحزاب وكتل حزبية، يصبح مطلوبا منهم تقديم شيء مختلف عن النواب المستقلين؛ بمعنى أن النائب الحزبي مطلوب منه موقف شمولي يستند إلى الحزب وبرنامجه، إلى جانب الأولويات التشريعية، والرؤية الرقابية، والقدرة على التفاوض، وأن تكون قيادات الحزبيين قادرة على إدارة كتلهم الحزبية، والتحدث باسمها والدفاع عن برامجها. لكن المؤلم هو وجود نواب حزبيين لا يعرفون أبسط قواعد العمل الحزبي.
وهنا تبرز علامة استفهام أكبر حول قدرة الأحزاب الجديدة على إنتاج قيادات برلمانية وتشريعية حقيقية. فوجود نائب حزبي لا يعني بالضرورة وجود قيادة حزبية.
والكتلة التي تجمع عددا من النواب لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية فاعلة؛ فالقيادة البرلمانية تحتاج إلى معرفة بالتشريع، وخبرة في إدارة الخلاف، وقدرة على بناء التوافقات، ووضوح في الموقف، والأهم القدرة على تحويل برنامج الحزب إلى عمل داخل اللجان وتحت القبة.
كما أنه من المؤسف أن تفرز التجربة الحالية عددا محدودا جدا من الشخصيات الحزبية النيابية، ما يحيل إلى أن هذا التراخي في إنتاج قيادات لم يقدم دليلا كافيا يفضي إلى أن الأحزاب الجديدة يمكن لإطارها أن ينتج قيادات قادرة على قيادة العمل التشريعي والسياسي لسنوات مقبلة. وهذه ليست إدانة نهائية لتجربة ما تزال في بدايتها، لكنها ملاحظة لا يجوز تجاهلها. لكن الأخطر في هذا الجانب أن أحزابا رفعت شعارات تدور في فلك الإصلاح والتغيير ونهوض الحزبية، غير أنها تبدو أحيانا بعيدة عن المزاج العام الذي يُفترض أن تكون جزءا منه. فهناك فارق بين أن يتحدث الحزب عن الشارع أو أن يكون حاضرا فيه، ويقول إنه يمثل المواطن، أو أن يعرف فعلا ماذا يريد هؤلاء المواطنون.
وفي هذا الإطار، فإنه من المنطقي أن الحزب الذي لا يملك أدوات لقياس الرأي العام، ولا قنوات تصله بالمجتمع، ولا يعرف كيف يتفاعل مع قضايا الناس، سيجد نفسه مضطرا إلى التخمين السياسي؛ وعندها تصبح علاقته بالمواطن موسمية، تزداد في الانتخابات وتتراجع بعدها، بينما المطلوب أن يكون الحزب حاضرا في الحياة العامة طوال الوقت.
ومن هنا، فإن أي تقييم حقيقي للتجربة الحزبية يجب ألا ينصب على عدد من أصبح نائبا من الحزب، بل يجب أن ينبثق السؤال من القاعدة الاجتماعية التي بناها الحزب، ومن قدرته على إنتاج الكوادر الحزبية، ومن حضوره في المجتمع، ومواقفه من القضايا العامة، وقدرة برنامجه على الوصول إلى المواطن بلغة يفهمها ويشعر بأنها تعبر عن واقعه.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن احتمال دخول نواب حزبيين إلى الحكومة في أي تعديل وزاري مقبل، يفتح اختبارا إضافيا للأحزاب. فإذا انتقل نائب حزبي إلى موقع وزاري، وبقي حزبه قادرا على الحفاظ على حضوره البرلماني عبر الآليات القانونية المقررة، فذلك يعني أن الحزب يمتلك أكثر من شخصية قادرة على تحمل المسؤولية، وأن النائب ليس هو الحزب، والحزب ليس هو النائب. وهذا أساس بناء الحياة الحزبية؛ فالحزب الذي يرتبط بشخص واحد هش، بينما الحزب الذي ينتج نائبا ووزيرا ورئيس كتلة أو رئيس لجنة أو متحدثا سياسيا، أقرب إلى المؤسسة منه إلى التجمع الانتخابي.
كما أن دخول أحزاب إلى الحكومة يمكنه وضع حد لحالة الالتباس التي تحيط بموقع كتل حزبية مؤيدة للحكومة.
كما أن المشاركة في القرار التنفيذي تعني تحمل جزء من المسؤولية عن السياسات والنتائج، بينما تستطيع الأحزاب خارج الحكومة، إذا اختارت موقع المعارضة، ممارسة دور أكثر وضوحا في الرقابة وتقديم البدائل. وبذلك تصبح الخريطة السياسية أكثر وضوحا: من يشارك في الحكم يتحمل مسؤوليته، ومن يختار المعارضة يمارس وظيفته الرقابية ويقدم البديل.
لكن كل ذلك يبقى مرتبطا بالسؤال الأساسي: هل تستطيع الأحزاب الخروج من دائرة النخبة إلى المجتمع؟ لا يقاس التحديث السياسي بعدد الأحزاب أو النواب الحزبيين أو الكتل الحزبية تحت القبة. لكن هذه كلها مؤشرات على بداية الطريق، وليست دليلا على اكتماله.
يبدأ الاختبار الحقيقي حين يشعر المواطن بأن الحزب يتحدث بلغته، ويعرف مشكلته، ويتابع قضيته، ويقدم برنامجا يمكن محاسبته عليه. عندها فقط تصبح الحزبية ممارسة سياسية، لا عنوانا سياسيا.
وإذا بقيت الأحزاب بعيدة عن الشارع وقضاياه ونبضه، فإن وجودها في المجلس لا يكفي لتغيير صورة المجلس، أو إنتاج حياة سياسية مختلفة. فالبرلمان لا يستطيع أن يكون أكثر حزبية من المجتمع الذي جاءت منه أحزابه، والأحزاب لا تستطيع أن تصبح قوة سياسية حقيقية إذا بقيت تبحث عن الشارع من داخل القاعات المغلقة.
والآن، ما هو المطلوب؟ إن المطلوب ليس مزيدا من الحديث عن أن الأحزاب هي مستقبل الحياة السياسية، وإنما أن تثبت الأحزاب بنفسها أنها تستحق هذا المستقبل؛ بالاقتراب من الناس، وإنتاج القيادات، وبناء البرامج، وتحمل المسؤولية، وتحويل الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة سياسية يمكن للشارع رؤيتها والحكم عليها.
الغد
لا تحتاج التجربة الحزبية الجديدة إلى مزيد من المجاملات، بقدر ما تحتاج إلى قراءة صريحة لما أنجزته وما أخفقت فيه. فبعد وصول الأحزاب إلى مجلس النواب العشرين، وتشكيل الكتل الحزبية، لم يعد السؤال متعلقا بمجرد نجاحها في الوصول إلى قبة البرلمان، وإنما بما إذا كانت قد نجحت في بناء علاقة سياسية حقيقية مع المجتمع الذي يُفترض أن تمثله.
حتى الآن، تبدو المسافة بين عدد من الأحزاب الجديدة ونبض الشارع واسعة جدا، وهذه حقيقة يصعب تجاوزها بالحديث المتكرر عن الإصلاح والتحديث والحياة الحزبية؛ لأن الحزب الذي لا يسمع الناس، ولا يلتقط أسئلتهم اليومية، ولا يحول قضاياهم إلى مواقف وبرامج، يبقى أقرب إلى إطار سياسي نخبوي منه إلى مؤسسة شعبية قادرة على إنتاج التغيير. خرجت الأحزاب من جوهر مشروع التحديث السياسي، لتكون حلقة الوصل بين المواطن والدولة، ولتنتقل بالعمل العام من حالة الفرد إلى المؤسسة، ومن رد الفعل إلى البرنامج، ومن النائب الذي يتحرك منفردا إلى فريق سياسي يعرف ماذا يريد في التشريع والرقابة والحكم. لكن ما يظهر حتى الآن أن هناك أحزابا ما تزال منشغلة أكثر بتثبيت مواقعها الداخلية، ومعالجة قضاياها الداخلية، وترتيب صفوفها وبناء صورتها السياسية، ولم تصل بعد إلى الدرجة المطلوبة من الالتصاق بالمجتمع، إذ ما تزال بعيدة عنه وعن مشاكله وقضاياه.
فالعلاج أو الالتصاق ليس بالبيانات فقط، بل هو أوسع من الخطاب النمطي الذي يتصور أن نجاحه مقتصر على بيان أو تصريح صحفي؛ بمعنى أن الحزب إذا بقي بعيدا عن الناس والنزول إليهم، فإن برجه العاجي لن يحقق له ما يتطلع إليه من حضور في الشارع.
وهنا تكمن واحدة من أبرز مشكلات التجربة الحالية: الحزب لا يمكن أن يصبح قويا في مجلس النواب إذا كان ضعيف الصلة بالشارع.
فالناس لا تنتظر من الأحزاب محاضرات جديدة عن الديمقراطية والتحديث والإصلاح، بقدر ما تريد أن تعرف ماذا ستفعل أمام البطالة، وارتفاع الأسعار، وفرص العمل، والخدمات، والتعليم، والصحة، والنقل، ومشكلات الشباب، وغيرها من القضايا التي تشكل يوميات المواطن. وهذه الملفات هي التي تصنع الثقة السياسية، وليس البيانات والندوات والخطابات العامة، وكلها قضايا داخلية توجب على كل حزب بناء إطار سياسي لها، وتقديم برنامج لمعالجتها. المشكلة لا تتوقف عند ضعف الحضور لدى الجمهور، بل تمتد إلى ضعف هذا الحضور تحت القبة. فعندما يدخل النواب تحت مظلة أحزاب وكتل حزبية، يصبح مطلوبا منهم تقديم شيء مختلف عن النواب المستقلين؛ بمعنى أن النائب الحزبي مطلوب منه موقف شمولي يستند إلى الحزب وبرنامجه، إلى جانب الأولويات التشريعية، والرؤية الرقابية، والقدرة على التفاوض، وأن تكون قيادات الحزبيين قادرة على إدارة كتلهم الحزبية، والتحدث باسمها والدفاع عن برامجها. لكن المؤلم هو وجود نواب حزبيين لا يعرفون أبسط قواعد العمل الحزبي.
وهنا تبرز علامة استفهام أكبر حول قدرة الأحزاب الجديدة على إنتاج قيادات برلمانية وتشريعية حقيقية. فوجود نائب حزبي لا يعني بالضرورة وجود قيادة حزبية.
والكتلة التي تجمع عددا من النواب لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية فاعلة؛ فالقيادة البرلمانية تحتاج إلى معرفة بالتشريع، وخبرة في إدارة الخلاف، وقدرة على بناء التوافقات، ووضوح في الموقف، والأهم القدرة على تحويل برنامج الحزب إلى عمل داخل اللجان وتحت القبة.
كما أنه من المؤسف أن تفرز التجربة الحالية عددا محدودا جدا من الشخصيات الحزبية النيابية، ما يحيل إلى أن هذا التراخي في إنتاج قيادات لم يقدم دليلا كافيا يفضي إلى أن الأحزاب الجديدة يمكن لإطارها أن ينتج قيادات قادرة على قيادة العمل التشريعي والسياسي لسنوات مقبلة. وهذه ليست إدانة نهائية لتجربة ما تزال في بدايتها، لكنها ملاحظة لا يجوز تجاهلها. لكن الأخطر في هذا الجانب أن أحزابا رفعت شعارات تدور في فلك الإصلاح والتغيير ونهوض الحزبية، غير أنها تبدو أحيانا بعيدة عن المزاج العام الذي يُفترض أن تكون جزءا منه. فهناك فارق بين أن يتحدث الحزب عن الشارع أو أن يكون حاضرا فيه، ويقول إنه يمثل المواطن، أو أن يعرف فعلا ماذا يريد هؤلاء المواطنون.
وفي هذا الإطار، فإنه من المنطقي أن الحزب الذي لا يملك أدوات لقياس الرأي العام، ولا قنوات تصله بالمجتمع، ولا يعرف كيف يتفاعل مع قضايا الناس، سيجد نفسه مضطرا إلى التخمين السياسي؛ وعندها تصبح علاقته بالمواطن موسمية، تزداد في الانتخابات وتتراجع بعدها، بينما المطلوب أن يكون الحزب حاضرا في الحياة العامة طوال الوقت.
ومن هنا، فإن أي تقييم حقيقي للتجربة الحزبية يجب ألا ينصب على عدد من أصبح نائبا من الحزب، بل يجب أن ينبثق السؤال من القاعدة الاجتماعية التي بناها الحزب، ومن قدرته على إنتاج الكوادر الحزبية، ومن حضوره في المجتمع، ومواقفه من القضايا العامة، وقدرة برنامجه على الوصول إلى المواطن بلغة يفهمها ويشعر بأنها تعبر عن واقعه.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن احتمال دخول نواب حزبيين إلى الحكومة في أي تعديل وزاري مقبل، يفتح اختبارا إضافيا للأحزاب. فإذا انتقل نائب حزبي إلى موقع وزاري، وبقي حزبه قادرا على الحفاظ على حضوره البرلماني عبر الآليات القانونية المقررة، فذلك يعني أن الحزب يمتلك أكثر من شخصية قادرة على تحمل المسؤولية، وأن النائب ليس هو الحزب، والحزب ليس هو النائب. وهذا أساس بناء الحياة الحزبية؛ فالحزب الذي يرتبط بشخص واحد هش، بينما الحزب الذي ينتج نائبا ووزيرا ورئيس كتلة أو رئيس لجنة أو متحدثا سياسيا، أقرب إلى المؤسسة منه إلى التجمع الانتخابي.
كما أن دخول أحزاب إلى الحكومة يمكنه وضع حد لحالة الالتباس التي تحيط بموقع كتل حزبية مؤيدة للحكومة.
كما أن المشاركة في القرار التنفيذي تعني تحمل جزء من المسؤولية عن السياسات والنتائج، بينما تستطيع الأحزاب خارج الحكومة، إذا اختارت موقع المعارضة، ممارسة دور أكثر وضوحا في الرقابة وتقديم البدائل. وبذلك تصبح الخريطة السياسية أكثر وضوحا: من يشارك في الحكم يتحمل مسؤوليته، ومن يختار المعارضة يمارس وظيفته الرقابية ويقدم البديل.
لكن كل ذلك يبقى مرتبطا بالسؤال الأساسي: هل تستطيع الأحزاب الخروج من دائرة النخبة إلى المجتمع؟ لا يقاس التحديث السياسي بعدد الأحزاب أو النواب الحزبيين أو الكتل الحزبية تحت القبة. لكن هذه كلها مؤشرات على بداية الطريق، وليست دليلا على اكتماله.
يبدأ الاختبار الحقيقي حين يشعر المواطن بأن الحزب يتحدث بلغته، ويعرف مشكلته، ويتابع قضيته، ويقدم برنامجا يمكن محاسبته عليه. عندها فقط تصبح الحزبية ممارسة سياسية، لا عنوانا سياسيا.
وإذا بقيت الأحزاب بعيدة عن الشارع وقضاياه ونبضه، فإن وجودها في المجلس لا يكفي لتغيير صورة المجلس، أو إنتاج حياة سياسية مختلفة. فالبرلمان لا يستطيع أن يكون أكثر حزبية من المجتمع الذي جاءت منه أحزابه، والأحزاب لا تستطيع أن تصبح قوة سياسية حقيقية إذا بقيت تبحث عن الشارع من داخل القاعات المغلقة.
والآن، ما هو المطلوب؟ إن المطلوب ليس مزيدا من الحديث عن أن الأحزاب هي مستقبل الحياة السياسية، وإنما أن تثبت الأحزاب بنفسها أنها تستحق هذا المستقبل؛ بالاقتراب من الناس، وإنتاج القيادات، وبناء البرامج، وتحمل المسؤولية، وتحويل الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة سياسية يمكن للشارع رؤيتها والحكم عليها.
الغد
التعليقات
بين الشارع و"القبة" .. لماذا لم تنتج الأحزاب الجديدة قوة برلمانية فاعلة؟
التعليقات