المنطقة تتغير اليوم بطريقة دراماتيكية، فما نشهده يبدو أقرب لبداية تحول في القواعد التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرا بأمن المنطقة، ثم انفرادها بقيادة العالم بعد نهاية الحرب الباردة.
من المبكر، بالتأكيد، الحديث عن نهاية القوة الأميركية، فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكثر قدرة على الانتشار عالميا، وتمتلك اقتصادا ضخما وشبكة تحالفات لا يمكن التقليل من شأنها، لكن تأثيرها لم يعد كافيا لفرض النظام، وحماية الحلفاء، وإنهاء الحروب بشروطها.
الحرب الأميركية الإيرانية قدمت نموذجا مخيبا للآمال، فالتفوق العسكري الأميركي الهائل لم يتحول لنتيجة سياسية حاسمة، فيما فرضت الحرب ضغوطا كبيرة على القدرات والمخزونات العسكرية الأميركية. التحليلات الأميركية خلصت إلى أن حرب إيران كشفت حدود القوة الأميركية، وأن حلفاء واشنطن في الخليج يتجهون لمزيد من الاعتماد على الذات وتنويع شراكاتهم الأمنية.
المشهد نفسه يظهر في الحرب الروسية الأوكرانية، فيما تضطر أوروبا للتفكير في بناء قدرتها الدفاعية وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. وفي غزة، لم تستطع الولايات المتحدة، رغم نفوذها الاستثنائي على إسرائيل، فرض تسوية سياسية مستقرة، فما تزال قضايا الانسحاب وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية عالقة.
بالنسبة لدول المنطقة، فقد عاشت عقودا وهي تبني جزءا كبيرا من أمنها على افتراض وجود مظلة أميركية قادرة على الردع والحماية وإعادة التوازن. لكن تجارب السنوات الأخيرة كشفت عن أنّ هذه المظلة لم تكن كافية.
'حلف مكة' بين السعودية وتركيا وباكستان، يمكن قراءته بعتباره واحدا من المؤشرات المبكرة على شكل مختلف للأمن الإقليمي. وخلال أقل من شهرين على توقيع الاتفاق، بدأ ينتقل من الورق للاختبار العملي، بالاتفاق على تفعيل إجراءات الردع الجماعي وتوفير قوات وقدرات عسكرية متفق عليها ونشرها في السعودية بمواجهة التصعيد الحوثي.
سيكون من الخطأ تفسير ذلك باعتباره انقلابا على الولايات المتحدة، فالمؤشرات تقول إن العلاقة الإستراتيجية الأميركية السعودية ما تزال قوية. كذلك، لا توجد معطيات تكفي للجزم بأن 'حلف مكة' تشكل بموافقة أميركية مباشرة، أو أن كل عملية نقل لقدرات عسكرية تركية أو باكستانية إلى السعودية تحتاج بالضرورة إلى إذن أميركي. لكن من الصعب أيضا تصور بناء منظومة أمنية بهذا الحجم في دولة ترتبط عسكريا بواشنطن من دون تنسيق معها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة تسليح وتبادل معلومات قد تتقاطع مع البنية العسكرية الأميركية.
ربما هذا ما يجعل الحلف مهما، فالولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط لمصلحة حليف آخر، لكن صيغة العلاقة هي التي تتغير. فبدلا من نموذج يقوم على تولي أميركا القسم الأكبر من مسؤولية الأمن، يتشكل نموذج يحتفظ بالشراكة الأميركية، لكنه يبني إلى جانبها قدرة إقليمية مستقلة تستطيع التحرك عندما تتردد واشنطن أو تختلف مصالحها عن مصالح حلفائها.
لقد ساهمت الولايات المتحدة طوال عقود في بناء اختلال عميق في توازنات المنطقة، من خلال منظومة أمن إقليمي بنيت على مركز أميركي قوي وأطراف تعتمد عليه، وما يحدث اليوم قد يكون بداية تصحيح لهذا الخلل عبر تقليل الاعتماد المطلق عليها من خلال تعدد الشراكات، وفتح قنوات مع قوى أخرى، مع الاحتفاظ بالعلاقة مع واشنطن.
الشكل الجديد للشرق الأوسط يبدأ من هنا، والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها ستضطر لقبول هذا التحول، لأنها لم تعد قادرة على إدارة عالم واسع ومضطرب بالأدوات والقواعد نفسها التي أدارت بها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
الغد
المنطقة تتغير اليوم بطريقة دراماتيكية، فما نشهده يبدو أقرب لبداية تحول في القواعد التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرا بأمن المنطقة، ثم انفرادها بقيادة العالم بعد نهاية الحرب الباردة.
من المبكر، بالتأكيد، الحديث عن نهاية القوة الأميركية، فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكثر قدرة على الانتشار عالميا، وتمتلك اقتصادا ضخما وشبكة تحالفات لا يمكن التقليل من شأنها، لكن تأثيرها لم يعد كافيا لفرض النظام، وحماية الحلفاء، وإنهاء الحروب بشروطها.
الحرب الأميركية الإيرانية قدمت نموذجا مخيبا للآمال، فالتفوق العسكري الأميركي الهائل لم يتحول لنتيجة سياسية حاسمة، فيما فرضت الحرب ضغوطا كبيرة على القدرات والمخزونات العسكرية الأميركية. التحليلات الأميركية خلصت إلى أن حرب إيران كشفت حدود القوة الأميركية، وأن حلفاء واشنطن في الخليج يتجهون لمزيد من الاعتماد على الذات وتنويع شراكاتهم الأمنية.
المشهد نفسه يظهر في الحرب الروسية الأوكرانية، فيما تضطر أوروبا للتفكير في بناء قدرتها الدفاعية وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. وفي غزة، لم تستطع الولايات المتحدة، رغم نفوذها الاستثنائي على إسرائيل، فرض تسوية سياسية مستقرة، فما تزال قضايا الانسحاب وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية عالقة.
بالنسبة لدول المنطقة، فقد عاشت عقودا وهي تبني جزءا كبيرا من أمنها على افتراض وجود مظلة أميركية قادرة على الردع والحماية وإعادة التوازن. لكن تجارب السنوات الأخيرة كشفت عن أنّ هذه المظلة لم تكن كافية.
'حلف مكة' بين السعودية وتركيا وباكستان، يمكن قراءته بعتباره واحدا من المؤشرات المبكرة على شكل مختلف للأمن الإقليمي. وخلال أقل من شهرين على توقيع الاتفاق، بدأ ينتقل من الورق للاختبار العملي، بالاتفاق على تفعيل إجراءات الردع الجماعي وتوفير قوات وقدرات عسكرية متفق عليها ونشرها في السعودية بمواجهة التصعيد الحوثي.
سيكون من الخطأ تفسير ذلك باعتباره انقلابا على الولايات المتحدة، فالمؤشرات تقول إن العلاقة الإستراتيجية الأميركية السعودية ما تزال قوية. كذلك، لا توجد معطيات تكفي للجزم بأن 'حلف مكة' تشكل بموافقة أميركية مباشرة، أو أن كل عملية نقل لقدرات عسكرية تركية أو باكستانية إلى السعودية تحتاج بالضرورة إلى إذن أميركي. لكن من الصعب أيضا تصور بناء منظومة أمنية بهذا الحجم في دولة ترتبط عسكريا بواشنطن من دون تنسيق معها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة تسليح وتبادل معلومات قد تتقاطع مع البنية العسكرية الأميركية.
ربما هذا ما يجعل الحلف مهما، فالولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط لمصلحة حليف آخر، لكن صيغة العلاقة هي التي تتغير. فبدلا من نموذج يقوم على تولي أميركا القسم الأكبر من مسؤولية الأمن، يتشكل نموذج يحتفظ بالشراكة الأميركية، لكنه يبني إلى جانبها قدرة إقليمية مستقلة تستطيع التحرك عندما تتردد واشنطن أو تختلف مصالحها عن مصالح حلفائها.
لقد ساهمت الولايات المتحدة طوال عقود في بناء اختلال عميق في توازنات المنطقة، من خلال منظومة أمن إقليمي بنيت على مركز أميركي قوي وأطراف تعتمد عليه، وما يحدث اليوم قد يكون بداية تصحيح لهذا الخلل عبر تقليل الاعتماد المطلق عليها من خلال تعدد الشراكات، وفتح قنوات مع قوى أخرى، مع الاحتفاظ بالعلاقة مع واشنطن.
الشكل الجديد للشرق الأوسط يبدأ من هنا، والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها ستضطر لقبول هذا التحول، لأنها لم تعد قادرة على إدارة عالم واسع ومضطرب بالأدوات والقواعد نفسها التي أدارت بها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
الغد
المنطقة تتغير اليوم بطريقة دراماتيكية، فما نشهده يبدو أقرب لبداية تحول في القواعد التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرا بأمن المنطقة، ثم انفرادها بقيادة العالم بعد نهاية الحرب الباردة.
من المبكر، بالتأكيد، الحديث عن نهاية القوة الأميركية، فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكثر قدرة على الانتشار عالميا، وتمتلك اقتصادا ضخما وشبكة تحالفات لا يمكن التقليل من شأنها، لكن تأثيرها لم يعد كافيا لفرض النظام، وحماية الحلفاء، وإنهاء الحروب بشروطها.
الحرب الأميركية الإيرانية قدمت نموذجا مخيبا للآمال، فالتفوق العسكري الأميركي الهائل لم يتحول لنتيجة سياسية حاسمة، فيما فرضت الحرب ضغوطا كبيرة على القدرات والمخزونات العسكرية الأميركية. التحليلات الأميركية خلصت إلى أن حرب إيران كشفت حدود القوة الأميركية، وأن حلفاء واشنطن في الخليج يتجهون لمزيد من الاعتماد على الذات وتنويع شراكاتهم الأمنية.
المشهد نفسه يظهر في الحرب الروسية الأوكرانية، فيما تضطر أوروبا للتفكير في بناء قدرتها الدفاعية وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. وفي غزة، لم تستطع الولايات المتحدة، رغم نفوذها الاستثنائي على إسرائيل، فرض تسوية سياسية مستقرة، فما تزال قضايا الانسحاب وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية عالقة.
بالنسبة لدول المنطقة، فقد عاشت عقودا وهي تبني جزءا كبيرا من أمنها على افتراض وجود مظلة أميركية قادرة على الردع والحماية وإعادة التوازن. لكن تجارب السنوات الأخيرة كشفت عن أنّ هذه المظلة لم تكن كافية.
'حلف مكة' بين السعودية وتركيا وباكستان، يمكن قراءته بعتباره واحدا من المؤشرات المبكرة على شكل مختلف للأمن الإقليمي. وخلال أقل من شهرين على توقيع الاتفاق، بدأ ينتقل من الورق للاختبار العملي، بالاتفاق على تفعيل إجراءات الردع الجماعي وتوفير قوات وقدرات عسكرية متفق عليها ونشرها في السعودية بمواجهة التصعيد الحوثي.
سيكون من الخطأ تفسير ذلك باعتباره انقلابا على الولايات المتحدة، فالمؤشرات تقول إن العلاقة الإستراتيجية الأميركية السعودية ما تزال قوية. كذلك، لا توجد معطيات تكفي للجزم بأن 'حلف مكة' تشكل بموافقة أميركية مباشرة، أو أن كل عملية نقل لقدرات عسكرية تركية أو باكستانية إلى السعودية تحتاج بالضرورة إلى إذن أميركي. لكن من الصعب أيضا تصور بناء منظومة أمنية بهذا الحجم في دولة ترتبط عسكريا بواشنطن من دون تنسيق معها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة تسليح وتبادل معلومات قد تتقاطع مع البنية العسكرية الأميركية.
ربما هذا ما يجعل الحلف مهما، فالولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط لمصلحة حليف آخر، لكن صيغة العلاقة هي التي تتغير. فبدلا من نموذج يقوم على تولي أميركا القسم الأكبر من مسؤولية الأمن، يتشكل نموذج يحتفظ بالشراكة الأميركية، لكنه يبني إلى جانبها قدرة إقليمية مستقلة تستطيع التحرك عندما تتردد واشنطن أو تختلف مصالحها عن مصالح حلفائها.
لقد ساهمت الولايات المتحدة طوال عقود في بناء اختلال عميق في توازنات المنطقة، من خلال منظومة أمن إقليمي بنيت على مركز أميركي قوي وأطراف تعتمد عليه، وما يحدث اليوم قد يكون بداية تصحيح لهذا الخلل عبر تقليل الاعتماد المطلق عليها من خلال تعدد الشراكات، وفتح قنوات مع قوى أخرى، مع الاحتفاظ بالعلاقة مع واشنطن.
الشكل الجديد للشرق الأوسط يبدأ من هنا، والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها ستضطر لقبول هذا التحول، لأنها لم تعد قادرة على إدارة عالم واسع ومضطرب بالأدوات والقواعد نفسها التي أدارت بها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
التعليقات