بين بداية المنحدر القاسي ونهايته على الطريق الخلفي بالعقبة، تُقاس المسافة بالثواني والأرواح، إذ لم يعد الطريق مجرد ممر للمئات من شاحنات النقل والترانزيت يوميا، بل تحوّل في ذاكرة السائقين ومرتاديه إلى نقطة خطرة تحصد الأرواح عند كل عطل في المكابح أو حدث مفاجئ.
فاجعة جديدة أودت بحياة أربعة أشخاص مؤخرا جاءت لتفتح مجددا ملف السلامة المرورية، وتضع الشواخص والإنارة والتصميم الهندسي تحت مجهر التدقيق والمحاسبة. حوادث متكررة الحادث المروع الذي وقع مؤخرا وأودى بحياة أربعة أشخاص، لم يكن بالنسبة لسائقي الشاحنات ومرتادي هذا الشريان الحيوي مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل طويل من الفواجع، فقد وقع الحادث في محيط 'درك تتن' باتجاه عمّان، عندما انفصل رأس قاطرة شاحنة محملة بالرمان عن الحاوية، قبل أن يصطدم بمركبة أخرى، لتتحول حمولة الطريق الثقيلة خلال لحظات إلى مشهد موت قاسٍ. وبحسب سائقين، فإن الموقع ذاته ومحيطه القريب شهدا بداية العام حادث تصادم بين صهريج غاز يحمل نحو 31 طنا وشاحنة أخرى، ما أدى إلى اشتعال المركبتين، موضحين أن التشابه في المفاصل والمواقع لا يكفي وحده لإصدار حكم هندسي قطعي، لكنه يكفي تماما لفتح ملف الموقع كاملا، واستدعاء فرق الاختصاص لإجراء تدقيق سلامة مرورية لا يترك الانحدار أو المنعطف أو الإضاءة أو السرعة خارج نطاق الفحص والتدقيق. يقول سائق الشاحنة عاهد أبو رخية: 'نعبر هذا الطريق بصورة شبه يومية، وأصبح الشعور السائد بيننا كأن كل واحد منا ينتظر دوره. نحن نؤمن بالقضاء والقدر، لكن الإيمان لا يعني تجاهل الخطر، فالطريق منحدر شديد، والرؤية ليلا ضعيفة، وهناك مطبات يتفاجأ بها السائقون، ولا سيما القادمون من خارج الأردن.' ويضيف: 'سجل الطريق حوادث دامية لا تزال حاضرة في أذهان العاملين في قطاعي النقل والتخليص؛ فقبل نحو أربعة أشهر توفي أربعة أشخاص من كوادر دائرة الجمارك في حادث مماثل، وقبل ذلك وقع حادث شاحنة مميت أدى إلى وفاة السائق، وحادث تصادم آخر بين شاحنتين أودى بحياة شخصين. كما شهد العام 2026 حوادث تدهور عديدة لشاحنات، كان من أبرزها حادث وقع بعد جسر الترخيص باتجاه الساحة الجنوبية، وأسفر عن وفيات وإصابات، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة.' ويوضح موظف التخليص محمد عبدالله أن السائقين والموظفين يتحدثون يوميا عن مشاهداتهم القاسية على الطريق، لكنهم يتساءلون إن كانت هذه الملاحظات تصل بالفعل إلى أصحاب القرار، مضيفا: 'نحن نرى الازدحام ونسمع عن تعطل المكابح، ونلاحظ ضعف الإنارة في مقاطع معينة، ونشاهد سائقين أجانب يتفاجأون بمطب أو تحويلة، ما يستوجب التحرك العاجل من قبل الجهات المختصة، كوزارة الأشغال وإدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.' ويشدد على أن المطلوب ليس إزالة المطبات عشوائيا، بل مراجعة الحاجة إلى كل مطب وموقعه وطريقة التحذير منه، إذ إن المطب قد يكون وسيلة لخفض السرعة، لكنه يتحول إلى مصيدة خطر إذا وُضع على منحدر أو غابت عنه الإنارة والعواكس والمسافة التحذيرية المناسبة، خصوصا حين تقترب منه شاحنة تحمل عشرات الأطنان. انحدار وضغط مروري متضاعف تشير تقارير ودراسات سابقة إلى وجود انحدار شديد يمتد لنحو 9 كيلومترات على أجزاء متفرقة من الطريق الخلفي، إلى جانب ملاحظات تتعلق بضيق بعض المقاطع وتهالك أجزاء منها ونقص بعض عناصر السلامة الحيوية، ناهيك عن دور الأحمال الزائدة والسرعات المرتفعة في زيادة مخاطر الحوادث، خصوصا في الجزء الممتد بعد تقاطع اليتم باتجاه الموانئ. هذه المعطيات المتراكمة، بحسب سائقين، تتجاوز الاكتفاء بالإعلان عن وقوع الحادث وفتح تحقيق في ملابساته، إذ إن هناك حاجة إلى إجابات واضحة وحاسمة حول ما إذا كان الموقع قد خضع لفحص هندسي حديث، وما إذا كانت توصيات اللجان السابقة قد نُفذت بالكامل، وهل قِيس أثرها بأرقام دقيقة أم بمجرد انطباعات. ويؤكد عاملون في النقل البري أن الخطر يأتي متزامنا مع ارتفاع ملحوظ في كثافة الحركة المرورية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 5 آلاف شاحنة تعبر الطريق يوميا، في حين أن نمو نشاط الترانزيت زاد من حركة الشاحنات إلى مستويات تقارب نحو 8 آلاف شاحنة، لافتين إلى أن الزيادة المرئية في حركة النقل الثقيل تتطلب إعادة احتساب القدرة التشغيلية للطريق ومعايير السلامة التي صُمم الطريق بناء عليها. ويرى الخبير في هندسة الطرق والسلامة المرورية، المهندس محمد الخضور، أن تكرار الحوادث الثقيلة ضمن نطاق جغرافي متقارب لا يثبت تلقائيا وجود عيب تصميمي، لكنه يشكل إنذارا مهنيا يستدعي تدقيق سلامة مرورية مستقلا، قائلا: 'التدقيق الهندسي لا يبحث فقط في جودة طبقة الإسفلت، وإنما يفحص ميول الطريق ونصف قطر المنعطفات ومسافة الرؤية المتاحة وعرض المسارب وحالة الأكتاف والحواجز والإشارات والإنارة ومواقع المطبات وسلوك حركة الشاحنات.' ويضيف: 'الشاحنة المحملة لا تتصرف على المنحدر كما تتصرف المركبة الصغيرة، فالمسافة اللازمة للتوقف تكون أطول بكثير، وارتفاع حرارة المكابح يصبح عاملا حاسما ومباشرا في فقدان السيطرة، مبينا أن انفصال الرأس عن الحاوية أو انحراف المقطورة قد يتأثر بعوامل ميكانيكية متداخلة مع زاوية الطريق وسرعة الدخول إلى المنعطف، ولا يجوز حصر التحقيق في سبب فردي واحد قبل فحص المركبة والطريق والسائق والحمولة معا.' الأشغال.. كشف ميداني وإعادة تقييم من جانبه، يؤكد مدير أشغال محافظة العقبة، المهندس محمد الكساسبة، أن الطريق الخلفي خضع لأعمال تأهيل وصيانة واسعة شملت طبقات الإسفلت والدهانات والعواكس وعددا من عناصر السلامة المرورية، مشيرا إلى أن فرق المديرية تنفذ جولات ميدانية دورية لمتابعة حالة الطريق. ويوضح قائلا: 'الحادث الأخير يستوجب بالضرورة إعادة الكشف الميداني على الموقع بالتنسيق مع إدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وانتظار نتائج التحقيق الفني للوقوف على الأسباب الدقيقة'، مؤكدا أن المديرية تنتهج سياسة الانفتاح على جميع ملاحظات السائقين والعاملين في قطاعي التخليص والنقل، وستعمل على مراجعة شاملة لوضع الإنارة والشواخص والمطبات ومهارب النجاة ومسافات الرؤية في محيط 'درك تتن'، إلى جانب مخاطبة الجهات المعنية للحصول على سجل الحوادث التفصيلي، كون أي معالجة هندسية جديدة يجب أن تُبنى على بيانات رقمية وتحليل فني متكامل. ويبين أن تواصل العمل على إدراج الشواخص والعواكس ومهارب النجاة والمطبات أسهم في تحسن عناصر السلامة وأدى إلى انخفاض نسبة الحوادث، مشددا على أن حماية أرواح مرتادي الطريق الخلفي تشكل أولوية قصوى لوزارة الأشغال.
الغد
بين بداية المنحدر القاسي ونهايته على الطريق الخلفي بالعقبة، تُقاس المسافة بالثواني والأرواح، إذ لم يعد الطريق مجرد ممر للمئات من شاحنات النقل والترانزيت يوميا، بل تحوّل في ذاكرة السائقين ومرتاديه إلى نقطة خطرة تحصد الأرواح عند كل عطل في المكابح أو حدث مفاجئ.
فاجعة جديدة أودت بحياة أربعة أشخاص مؤخرا جاءت لتفتح مجددا ملف السلامة المرورية، وتضع الشواخص والإنارة والتصميم الهندسي تحت مجهر التدقيق والمحاسبة. حوادث متكررة الحادث المروع الذي وقع مؤخرا وأودى بحياة أربعة أشخاص، لم يكن بالنسبة لسائقي الشاحنات ومرتادي هذا الشريان الحيوي مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل طويل من الفواجع، فقد وقع الحادث في محيط 'درك تتن' باتجاه عمّان، عندما انفصل رأس قاطرة شاحنة محملة بالرمان عن الحاوية، قبل أن يصطدم بمركبة أخرى، لتتحول حمولة الطريق الثقيلة خلال لحظات إلى مشهد موت قاسٍ. وبحسب سائقين، فإن الموقع ذاته ومحيطه القريب شهدا بداية العام حادث تصادم بين صهريج غاز يحمل نحو 31 طنا وشاحنة أخرى، ما أدى إلى اشتعال المركبتين، موضحين أن التشابه في المفاصل والمواقع لا يكفي وحده لإصدار حكم هندسي قطعي، لكنه يكفي تماما لفتح ملف الموقع كاملا، واستدعاء فرق الاختصاص لإجراء تدقيق سلامة مرورية لا يترك الانحدار أو المنعطف أو الإضاءة أو السرعة خارج نطاق الفحص والتدقيق. يقول سائق الشاحنة عاهد أبو رخية: 'نعبر هذا الطريق بصورة شبه يومية، وأصبح الشعور السائد بيننا كأن كل واحد منا ينتظر دوره. نحن نؤمن بالقضاء والقدر، لكن الإيمان لا يعني تجاهل الخطر، فالطريق منحدر شديد، والرؤية ليلا ضعيفة، وهناك مطبات يتفاجأ بها السائقون، ولا سيما القادمون من خارج الأردن.' ويضيف: 'سجل الطريق حوادث دامية لا تزال حاضرة في أذهان العاملين في قطاعي النقل والتخليص؛ فقبل نحو أربعة أشهر توفي أربعة أشخاص من كوادر دائرة الجمارك في حادث مماثل، وقبل ذلك وقع حادث شاحنة مميت أدى إلى وفاة السائق، وحادث تصادم آخر بين شاحنتين أودى بحياة شخصين. كما شهد العام 2026 حوادث تدهور عديدة لشاحنات، كان من أبرزها حادث وقع بعد جسر الترخيص باتجاه الساحة الجنوبية، وأسفر عن وفيات وإصابات، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة.' ويوضح موظف التخليص محمد عبدالله أن السائقين والموظفين يتحدثون يوميا عن مشاهداتهم القاسية على الطريق، لكنهم يتساءلون إن كانت هذه الملاحظات تصل بالفعل إلى أصحاب القرار، مضيفا: 'نحن نرى الازدحام ونسمع عن تعطل المكابح، ونلاحظ ضعف الإنارة في مقاطع معينة، ونشاهد سائقين أجانب يتفاجأون بمطب أو تحويلة، ما يستوجب التحرك العاجل من قبل الجهات المختصة، كوزارة الأشغال وإدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.' ويشدد على أن المطلوب ليس إزالة المطبات عشوائيا، بل مراجعة الحاجة إلى كل مطب وموقعه وطريقة التحذير منه، إذ إن المطب قد يكون وسيلة لخفض السرعة، لكنه يتحول إلى مصيدة خطر إذا وُضع على منحدر أو غابت عنه الإنارة والعواكس والمسافة التحذيرية المناسبة، خصوصا حين تقترب منه شاحنة تحمل عشرات الأطنان. انحدار وضغط مروري متضاعف تشير تقارير ودراسات سابقة إلى وجود انحدار شديد يمتد لنحو 9 كيلومترات على أجزاء متفرقة من الطريق الخلفي، إلى جانب ملاحظات تتعلق بضيق بعض المقاطع وتهالك أجزاء منها ونقص بعض عناصر السلامة الحيوية، ناهيك عن دور الأحمال الزائدة والسرعات المرتفعة في زيادة مخاطر الحوادث، خصوصا في الجزء الممتد بعد تقاطع اليتم باتجاه الموانئ. هذه المعطيات المتراكمة، بحسب سائقين، تتجاوز الاكتفاء بالإعلان عن وقوع الحادث وفتح تحقيق في ملابساته، إذ إن هناك حاجة إلى إجابات واضحة وحاسمة حول ما إذا كان الموقع قد خضع لفحص هندسي حديث، وما إذا كانت توصيات اللجان السابقة قد نُفذت بالكامل، وهل قِيس أثرها بأرقام دقيقة أم بمجرد انطباعات. ويؤكد عاملون في النقل البري أن الخطر يأتي متزامنا مع ارتفاع ملحوظ في كثافة الحركة المرورية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 5 آلاف شاحنة تعبر الطريق يوميا، في حين أن نمو نشاط الترانزيت زاد من حركة الشاحنات إلى مستويات تقارب نحو 8 آلاف شاحنة، لافتين إلى أن الزيادة المرئية في حركة النقل الثقيل تتطلب إعادة احتساب القدرة التشغيلية للطريق ومعايير السلامة التي صُمم الطريق بناء عليها. ويرى الخبير في هندسة الطرق والسلامة المرورية، المهندس محمد الخضور، أن تكرار الحوادث الثقيلة ضمن نطاق جغرافي متقارب لا يثبت تلقائيا وجود عيب تصميمي، لكنه يشكل إنذارا مهنيا يستدعي تدقيق سلامة مرورية مستقلا، قائلا: 'التدقيق الهندسي لا يبحث فقط في جودة طبقة الإسفلت، وإنما يفحص ميول الطريق ونصف قطر المنعطفات ومسافة الرؤية المتاحة وعرض المسارب وحالة الأكتاف والحواجز والإشارات والإنارة ومواقع المطبات وسلوك حركة الشاحنات.' ويضيف: 'الشاحنة المحملة لا تتصرف على المنحدر كما تتصرف المركبة الصغيرة، فالمسافة اللازمة للتوقف تكون أطول بكثير، وارتفاع حرارة المكابح يصبح عاملا حاسما ومباشرا في فقدان السيطرة، مبينا أن انفصال الرأس عن الحاوية أو انحراف المقطورة قد يتأثر بعوامل ميكانيكية متداخلة مع زاوية الطريق وسرعة الدخول إلى المنعطف، ولا يجوز حصر التحقيق في سبب فردي واحد قبل فحص المركبة والطريق والسائق والحمولة معا.' الأشغال.. كشف ميداني وإعادة تقييم من جانبه، يؤكد مدير أشغال محافظة العقبة، المهندس محمد الكساسبة، أن الطريق الخلفي خضع لأعمال تأهيل وصيانة واسعة شملت طبقات الإسفلت والدهانات والعواكس وعددا من عناصر السلامة المرورية، مشيرا إلى أن فرق المديرية تنفذ جولات ميدانية دورية لمتابعة حالة الطريق. ويوضح قائلا: 'الحادث الأخير يستوجب بالضرورة إعادة الكشف الميداني على الموقع بالتنسيق مع إدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وانتظار نتائج التحقيق الفني للوقوف على الأسباب الدقيقة'، مؤكدا أن المديرية تنتهج سياسة الانفتاح على جميع ملاحظات السائقين والعاملين في قطاعي التخليص والنقل، وستعمل على مراجعة شاملة لوضع الإنارة والشواخص والمطبات ومهارب النجاة ومسافات الرؤية في محيط 'درك تتن'، إلى جانب مخاطبة الجهات المعنية للحصول على سجل الحوادث التفصيلي، كون أي معالجة هندسية جديدة يجب أن تُبنى على بيانات رقمية وتحليل فني متكامل. ويبين أن تواصل العمل على إدراج الشواخص والعواكس ومهارب النجاة والمطبات أسهم في تحسن عناصر السلامة وأدى إلى انخفاض نسبة الحوادث، مشددا على أن حماية أرواح مرتادي الطريق الخلفي تشكل أولوية قصوى لوزارة الأشغال.
الغد
بين بداية المنحدر القاسي ونهايته على الطريق الخلفي بالعقبة، تُقاس المسافة بالثواني والأرواح، إذ لم يعد الطريق مجرد ممر للمئات من شاحنات النقل والترانزيت يوميا، بل تحوّل في ذاكرة السائقين ومرتاديه إلى نقطة خطرة تحصد الأرواح عند كل عطل في المكابح أو حدث مفاجئ.
فاجعة جديدة أودت بحياة أربعة أشخاص مؤخرا جاءت لتفتح مجددا ملف السلامة المرورية، وتضع الشواخص والإنارة والتصميم الهندسي تحت مجهر التدقيق والمحاسبة. حوادث متكررة الحادث المروع الذي وقع مؤخرا وأودى بحياة أربعة أشخاص، لم يكن بالنسبة لسائقي الشاحنات ومرتادي هذا الشريان الحيوي مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل طويل من الفواجع، فقد وقع الحادث في محيط 'درك تتن' باتجاه عمّان، عندما انفصل رأس قاطرة شاحنة محملة بالرمان عن الحاوية، قبل أن يصطدم بمركبة أخرى، لتتحول حمولة الطريق الثقيلة خلال لحظات إلى مشهد موت قاسٍ. وبحسب سائقين، فإن الموقع ذاته ومحيطه القريب شهدا بداية العام حادث تصادم بين صهريج غاز يحمل نحو 31 طنا وشاحنة أخرى، ما أدى إلى اشتعال المركبتين، موضحين أن التشابه في المفاصل والمواقع لا يكفي وحده لإصدار حكم هندسي قطعي، لكنه يكفي تماما لفتح ملف الموقع كاملا، واستدعاء فرق الاختصاص لإجراء تدقيق سلامة مرورية لا يترك الانحدار أو المنعطف أو الإضاءة أو السرعة خارج نطاق الفحص والتدقيق. يقول سائق الشاحنة عاهد أبو رخية: 'نعبر هذا الطريق بصورة شبه يومية، وأصبح الشعور السائد بيننا كأن كل واحد منا ينتظر دوره. نحن نؤمن بالقضاء والقدر، لكن الإيمان لا يعني تجاهل الخطر، فالطريق منحدر شديد، والرؤية ليلا ضعيفة، وهناك مطبات يتفاجأ بها السائقون، ولا سيما القادمون من خارج الأردن.' ويضيف: 'سجل الطريق حوادث دامية لا تزال حاضرة في أذهان العاملين في قطاعي النقل والتخليص؛ فقبل نحو أربعة أشهر توفي أربعة أشخاص من كوادر دائرة الجمارك في حادث مماثل، وقبل ذلك وقع حادث شاحنة مميت أدى إلى وفاة السائق، وحادث تصادم آخر بين شاحنتين أودى بحياة شخصين. كما شهد العام 2026 حوادث تدهور عديدة لشاحنات، كان من أبرزها حادث وقع بعد جسر الترخيص باتجاه الساحة الجنوبية، وأسفر عن وفيات وإصابات، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة.' ويوضح موظف التخليص محمد عبدالله أن السائقين والموظفين يتحدثون يوميا عن مشاهداتهم القاسية على الطريق، لكنهم يتساءلون إن كانت هذه الملاحظات تصل بالفعل إلى أصحاب القرار، مضيفا: 'نحن نرى الازدحام ونسمع عن تعطل المكابح، ونلاحظ ضعف الإنارة في مقاطع معينة، ونشاهد سائقين أجانب يتفاجأون بمطب أو تحويلة، ما يستوجب التحرك العاجل من قبل الجهات المختصة، كوزارة الأشغال وإدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.' ويشدد على أن المطلوب ليس إزالة المطبات عشوائيا، بل مراجعة الحاجة إلى كل مطب وموقعه وطريقة التحذير منه، إذ إن المطب قد يكون وسيلة لخفض السرعة، لكنه يتحول إلى مصيدة خطر إذا وُضع على منحدر أو غابت عنه الإنارة والعواكس والمسافة التحذيرية المناسبة، خصوصا حين تقترب منه شاحنة تحمل عشرات الأطنان. انحدار وضغط مروري متضاعف تشير تقارير ودراسات سابقة إلى وجود انحدار شديد يمتد لنحو 9 كيلومترات على أجزاء متفرقة من الطريق الخلفي، إلى جانب ملاحظات تتعلق بضيق بعض المقاطع وتهالك أجزاء منها ونقص بعض عناصر السلامة الحيوية، ناهيك عن دور الأحمال الزائدة والسرعات المرتفعة في زيادة مخاطر الحوادث، خصوصا في الجزء الممتد بعد تقاطع اليتم باتجاه الموانئ. هذه المعطيات المتراكمة، بحسب سائقين، تتجاوز الاكتفاء بالإعلان عن وقوع الحادث وفتح تحقيق في ملابساته، إذ إن هناك حاجة إلى إجابات واضحة وحاسمة حول ما إذا كان الموقع قد خضع لفحص هندسي حديث، وما إذا كانت توصيات اللجان السابقة قد نُفذت بالكامل، وهل قِيس أثرها بأرقام دقيقة أم بمجرد انطباعات. ويؤكد عاملون في النقل البري أن الخطر يأتي متزامنا مع ارتفاع ملحوظ في كثافة الحركة المرورية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 5 آلاف شاحنة تعبر الطريق يوميا، في حين أن نمو نشاط الترانزيت زاد من حركة الشاحنات إلى مستويات تقارب نحو 8 آلاف شاحنة، لافتين إلى أن الزيادة المرئية في حركة النقل الثقيل تتطلب إعادة احتساب القدرة التشغيلية للطريق ومعايير السلامة التي صُمم الطريق بناء عليها. ويرى الخبير في هندسة الطرق والسلامة المرورية، المهندس محمد الخضور، أن تكرار الحوادث الثقيلة ضمن نطاق جغرافي متقارب لا يثبت تلقائيا وجود عيب تصميمي، لكنه يشكل إنذارا مهنيا يستدعي تدقيق سلامة مرورية مستقلا، قائلا: 'التدقيق الهندسي لا يبحث فقط في جودة طبقة الإسفلت، وإنما يفحص ميول الطريق ونصف قطر المنعطفات ومسافة الرؤية المتاحة وعرض المسارب وحالة الأكتاف والحواجز والإشارات والإنارة ومواقع المطبات وسلوك حركة الشاحنات.' ويضيف: 'الشاحنة المحملة لا تتصرف على المنحدر كما تتصرف المركبة الصغيرة، فالمسافة اللازمة للتوقف تكون أطول بكثير، وارتفاع حرارة المكابح يصبح عاملا حاسما ومباشرا في فقدان السيطرة، مبينا أن انفصال الرأس عن الحاوية أو انحراف المقطورة قد يتأثر بعوامل ميكانيكية متداخلة مع زاوية الطريق وسرعة الدخول إلى المنعطف، ولا يجوز حصر التحقيق في سبب فردي واحد قبل فحص المركبة والطريق والسائق والحمولة معا.' الأشغال.. كشف ميداني وإعادة تقييم من جانبه، يؤكد مدير أشغال محافظة العقبة، المهندس محمد الكساسبة، أن الطريق الخلفي خضع لأعمال تأهيل وصيانة واسعة شملت طبقات الإسفلت والدهانات والعواكس وعددا من عناصر السلامة المرورية، مشيرا إلى أن فرق المديرية تنفذ جولات ميدانية دورية لمتابعة حالة الطريق. ويوضح قائلا: 'الحادث الأخير يستوجب بالضرورة إعادة الكشف الميداني على الموقع بالتنسيق مع إدارة السير وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وانتظار نتائج التحقيق الفني للوقوف على الأسباب الدقيقة'، مؤكدا أن المديرية تنتهج سياسة الانفتاح على جميع ملاحظات السائقين والعاملين في قطاعي التخليص والنقل، وستعمل على مراجعة شاملة لوضع الإنارة والشواخص والمطبات ومهارب النجاة ومسافات الرؤية في محيط 'درك تتن'، إلى جانب مخاطبة الجهات المعنية للحصول على سجل الحوادث التفصيلي، كون أي معالجة هندسية جديدة يجب أن تُبنى على بيانات رقمية وتحليل فني متكامل. ويبين أن تواصل العمل على إدراج الشواخص والعواكس ومهارب النجاة والمطبات أسهم في تحسن عناصر السلامة وأدى إلى انخفاض نسبة الحوادث، مشددا على أن حماية أرواح مرتادي الطريق الخلفي تشكل أولوية قصوى لوزارة الأشغال.
التعليقات