يتقدم التعليم المهني والتقني في الأردن بوصفه أحد المسارات التي تراهن عليها الدولة لمعالجة فجوة المهارات والحد من البطالة، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التعليم القائم على التطبيق والإنتاج، بعد سنوات ظل فيها التعليم الجامعي ينظر إليه اجتماعيا باعتباره الخيار الأفضل لضمان المكانة الاجتماعية والفرص الوظيفية.
لكن توسيع هذا المسار لا يعني بالضرورة نجاحه؛ فزيادة أعداد المدارس والبرامج والطلبة تمثل خطوة في تطوير المنظومة، لا دليلا على تغير النظرة الاجتماعية أو تحسن فرص التشغيل. وهنا تبرز أسئلة مهمة، ومنها 'هل يستطيع التعليم المهني أن يمنح الشباب مهارات يحتاجها الاقتصاد، ويفتح أمامهم مسارات عمل مستقرة، ويقنع الأسر بأن النجاح لا يرتبط بنوع الشهادة بقدر ارتباطه بقيمتها في سوق العمل؟'. تغيير الثقافة يبدأ من فرص العمل وإجمالا، لم تتشكل النظرة المتحفظة تجاه التعليم المهني من فراغ؛ فهي ترتبط بتصورات اجتماعية تمنح الشهادة الجامعية مكانة أعلى، وتربطها بالاستقرار الوظيفي والترقي الاجتماعي، مقابل النظر إلى المهن التطبيقية باعتبارها خيارا بديلا لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة. غير أن هذه المعادلة لم تعد تعكس بالضرورة احتياجات الاقتصاد أو التحولات في سوق العمل، فعدد من القطاعات يحتاج إلى مهارات تقنية وتطبيقية متخصصة، فيما لا تضمن الشهادة الجامعية وحدها الحصول على وظيفة مناسبة. ومع ذلك، فإن تصحيح الصورة الاجتماعية للتعليم المهني لا يتحقق بحملات التوعية وحدها، بل يتطلب أن يرى الطلبة والأهالي نتائج ملموسة، تتمثل بخريج يجد عملا في تخصصه، ويتقاضى أجرا مناسبا، ويتمتع بفرص للتطور والترقي. من هنا، فإن نجاح الإصلاح مرهون بقدرة الدولة على تحويل التعليم المهني من مسار يتم اختياره مضطرا إلى خيار يستند إلى قناعة بجدواه، وهذا التحول يحتاج إلى ربط حقيقي بين جودة التدريب والطلب الفعلي على المهارات، وإلى إبراز نماذج ناجحة لخريجين استطاعوا بناء مستقبل مهني مستقر من خلال تخصصاتهم التطبيقية. 'BTEC'.. هل تتحول الشهادة إلى مهارة مطلوبة؟ ويمثل التوسع في برامج التعليم المهني والتقني، ومنها مسار 'BTEC'، أحد أبرز التحولات التي يشهدها قطاع التعليم في الأردن. ووفق بيانات رسمية، ارتفع عدد المدارس التي تقدم برامج 'BTEC' من 261 مدرسة العام 2024 إلى 362 مدرسة العام 2026، فيما زادت الطاقة الاستيعابية من 44,450 إلى 62,225 طالبا، ووصل عدد التخصصات المهنية إلى 14 تخصصا. وتعكس هذه الأرقام توسعا واضحا في البنية التعليمية المخصصة لهذا المسار، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا عن مدى مواكبة جودة التدريب لهذا النمو، وعن قدرة المدارس على توفير بيئات تطبيقية تتيح للطلبة اكتساب مهارات فعلية، لا مجرد استكمال متطلبات دراسية تؤهلهم للحصول على شهادة. فالقيمة الحقيقية لأي برنامج مهني لا تتحدد باسمه أو الاعتراف بشهادته، وإنما بمحتواه العملي، وكفاءة المدربين، وتوافر المعدات والتجهيزات، ومدى ارتباط التدريب بمتطلبات المهن التي يستهدفها. كما أن اتساع قاعدة المدارس لا يضمن وحده تكافؤ جودة التعليم بينها؛ إذ قد تتفاوت قدرة المؤسسات على توفير الورش والتدريب العملي والشراكات مع القطاع الخاص. لذلك، يتطلب تقييم التجربة الانتقال من قياس عدد المدارس والطاقة الاستيعابية إلى نشر بيانات عن أعداد الملتحقين فعليا بكل تخصص، ونسب استكمال البرامج، ومستوى المهارات التي يكتسبها الطلبة، ومدى استفادتهم من التدريب الميداني. سوق العمل.. الاختبار الفعلي للتجربة وعموما، لا يمكن الحكم على نجاح التعليم المهني بمعزل عن سوق العمل الذي يتوجب أن يستوعب خريجيه، فالتوسع في تخصصات لا تتناسب مع احتياجات الاقتصاد قد ينتج أعدادا إضافية من الخريجين من دون فرص كافية، فيما يؤدي ضعف التدريب العملي إلى فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يتطلبه صاحب العمل. وهنا تبرز أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، كشرط اساسي لتطوير البرامج. فمشاركة أصحاب العمل في تحديد المهارات المطلوبة، وتصميم التدريب، واستقبال الطلبة في مواقع العمل، وتقييم كفاياتهم، كلها أمور من شأنها أن تقلص المسافة بين المدرسة والمهنة. وتكشف الإجراءات الحكومية عن توجه نحو توسيع التدريب المرتبط بالعمل؛ إذ أشار تقرير رسمي لبرنامج تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي في الربع الأول من العام 2025 إلى اختيار 18 مدرسة للتدريب القائم على العمل، حيث بدأت 12 مدرسة منها التطبيق خلال العام، على أن تلتحق بها المدارس الأخرى لاحقا. وتمثل هذه الخطوة اتجاها مهما، لكن أثرها يتوقف على مدى اتساع التجربة، وجودة التدريب الذي يحصل عليه الطلبة، وقدرتها على توفير فرص تشغيل فعلية. ويقتضي ذلك متابعة مصير الخريجين بعد ستة أشهر وبعد عام من التخرج، وقياس نسبة العاملين منهم في تخصصاتهم، ومستويات أجورهم، واستقرارهم الوظيفي. فهذه المؤشرات هي التي تكشف ما إذا كان التعليم المهني يفتح مسارات عمل حقيقية أم يكتفي بتأهيل الطلبة لسوق لا يجدون فيه فرصا مناسبة. وفي المقابل، لا يجوز تحميل التعليم المهني وحده مسؤولية البطالة؛ ففاعليته ترتبط أيضا بقدرة الاقتصاد على توليد وظائف، وبمستوى الاستثمار، وشروط العمل والأجور، ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار يحتاج إلى سياسات تعليمية واقتصادية متكاملة، لا إلى زيادة أعداد البرامج بمعزل عن الطلب على خريجيها. التوسع الكمي لا يكفي وتترافق مع التوسع في برامج التعليم المهني جهود للتعريف بها وتغيير اتجاهات الطلبة والأسر. ووفق تقرير حكومي عن الربع الأول من العام 2025، نُفذت 982 فعالية للتوجيه المهني والتوعية، استفاد منها 79,346 شخصا، بينهم طلبة في الصف التاسع وأولياء أمور وكوادر مدرسية وإدارية. وتشير هذه الفعاليات إلى إدراك أهمية التوجيه المبكر في مساعدة الطلبة على اختيار مساراتهم، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حدوث تحول اجتماعي؛ فقياس أثر التوعية يتطلب معرفة ما إذا كانت قد غيرت تفضيلات الطلبة، ورفعت الإقبال على التخصصات المطلوبة، وخفضت الفوارق بين الجنسين والمناطق في فرص الالتحاق. كما أن زيادة الطاقة الاستيعابية ينبغي أن تترافق مع ضمان جودة التدريب وتوافر المدربين المؤهلين والتجهيزات المناسبة، فالطالب الذي يلتحق ببرنامج مهني من دون تدريب عملي كافٍ قد يحصل على شهادة، لكنه لا يمتلك بالضرورة المهارات التي تمنحه ميزة تنافسية عند التوظيف. ويبرز كذلك تحدي العدالة في الوصول إلى هذا النوع من التعليم؛ إذ ينبغي ألا تتحول الظروف الاقتصادية أو الموقع الجغرافي أو محدودية الخيارات المتاحة إلى عوامل تحدد مستقبل الطالب المهني. كما يتطلب توسيع مشاركة الفتيات معالجة العوائق الاجتماعية والعملية، وتوفير تخصصات وفرص تدريب وتشغيل تتيح لهن دخول قطاعات متنوعة، بدل حصرهن في مجالات تقليدية. من عدد البرامج إلى أثرها ويحتاج تقييم تجربة التعليم المهني في الأردن إلى منظومة مؤشرات تتجاوز أعداد المدارس والطلبة والفعاليات المنفذة، في مقدمتها نسب التوظيف بعد التخرج، ومدى ارتباط الوظائف بالتخصص، ومستويات الأجور، واستقرار العمل، ورضا أصحاب العمل عن مهارات الخريجين. ويجب أن تشمل المتابعة أيضا الفروق بين التخصصات والمحافظات والجنسين، ونوعية التدريب العملي، وعدد الطلبة الذين يحصلون على فرص حقيقية في مؤسسات القطاع الخاص. ومن شأن نشر المعلومات للرأي العام أن يساعد الأسر على اتخاذ قرارات أكثر وعيا، ويمنح الطلبة صورة واقعية عن فرص كل مسار، كما يتيح لصناع القرار تعديل البرامج التي لا تحقق النتائج المرجوة. فالتعليم المهني ليس مجرد بديل عن التعليم الأكاديمي، ولا ينبغي تقديمه على هذا الأساس؛ بل هو مسار له أهدافه ومجالاته، ويمكن أن يتكامل مع التعليم الجامعي والتدريب المستمر، وتزداد قيمته حين يتيح للطالب اكتساب مهارات قابلة للتطوير، واستكمال تعليمه أو تأهيله لاحقا، والانتقال بين فرص العمل مع تغير احتياجات الاقتصاد. الرهان على المستقبل المهني ويضع التوسع في التعليم المهني والتقني الأردن أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم والعمل، لكنه يضعه أيضا أمام مسؤولية إثبات أن هذا المسار قادر على تقديم قيمة حقيقية للطلبة والأسر والاقتصاد. فالتغيير الاجتماعي لا تصنعه الخطط وحدها، بل تصنعه النتائج التي يلمسها الناس في حياة أبنائهم، وعندما يصبح خريج التعليم المهني قادرا على الحصول على وظيفة مناسبة، وتحقيق دخل مستقر، وتطوير مهاراته، ستتراجع تدريجيا الفكرة التي تحصر النجاح في الشهادة الجامعية. أما إذا سبق التوسع في المدارس والبرامج قدرة سوق العمل على الاستيعاب، أو بقي التدريب العملي محدودا، فقد تتسع المنظومة من دون أن تتغير مكانتها الاجتماعية بشكل جيد. لهذا، فإن معيار النجاح ليس عدد البرامج التي أُطلقت، بل عدد الشباب الذين انتقلوا بفضلها إلى مستقبل مهني أفضل، عندها فقط يصبح التعليم المهني خيارا قائما على الفرص والكفاءة، لا مسارا بديلا تحكمه النظرة الاجتماعية المسبقة.
الغد
يتقدم التعليم المهني والتقني في الأردن بوصفه أحد المسارات التي تراهن عليها الدولة لمعالجة فجوة المهارات والحد من البطالة، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التعليم القائم على التطبيق والإنتاج، بعد سنوات ظل فيها التعليم الجامعي ينظر إليه اجتماعيا باعتباره الخيار الأفضل لضمان المكانة الاجتماعية والفرص الوظيفية.
لكن توسيع هذا المسار لا يعني بالضرورة نجاحه؛ فزيادة أعداد المدارس والبرامج والطلبة تمثل خطوة في تطوير المنظومة، لا دليلا على تغير النظرة الاجتماعية أو تحسن فرص التشغيل. وهنا تبرز أسئلة مهمة، ومنها 'هل يستطيع التعليم المهني أن يمنح الشباب مهارات يحتاجها الاقتصاد، ويفتح أمامهم مسارات عمل مستقرة، ويقنع الأسر بأن النجاح لا يرتبط بنوع الشهادة بقدر ارتباطه بقيمتها في سوق العمل؟'. تغيير الثقافة يبدأ من فرص العمل وإجمالا، لم تتشكل النظرة المتحفظة تجاه التعليم المهني من فراغ؛ فهي ترتبط بتصورات اجتماعية تمنح الشهادة الجامعية مكانة أعلى، وتربطها بالاستقرار الوظيفي والترقي الاجتماعي، مقابل النظر إلى المهن التطبيقية باعتبارها خيارا بديلا لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة. غير أن هذه المعادلة لم تعد تعكس بالضرورة احتياجات الاقتصاد أو التحولات في سوق العمل، فعدد من القطاعات يحتاج إلى مهارات تقنية وتطبيقية متخصصة، فيما لا تضمن الشهادة الجامعية وحدها الحصول على وظيفة مناسبة. ومع ذلك، فإن تصحيح الصورة الاجتماعية للتعليم المهني لا يتحقق بحملات التوعية وحدها، بل يتطلب أن يرى الطلبة والأهالي نتائج ملموسة، تتمثل بخريج يجد عملا في تخصصه، ويتقاضى أجرا مناسبا، ويتمتع بفرص للتطور والترقي. من هنا، فإن نجاح الإصلاح مرهون بقدرة الدولة على تحويل التعليم المهني من مسار يتم اختياره مضطرا إلى خيار يستند إلى قناعة بجدواه، وهذا التحول يحتاج إلى ربط حقيقي بين جودة التدريب والطلب الفعلي على المهارات، وإلى إبراز نماذج ناجحة لخريجين استطاعوا بناء مستقبل مهني مستقر من خلال تخصصاتهم التطبيقية. 'BTEC'.. هل تتحول الشهادة إلى مهارة مطلوبة؟ ويمثل التوسع في برامج التعليم المهني والتقني، ومنها مسار 'BTEC'، أحد أبرز التحولات التي يشهدها قطاع التعليم في الأردن. ووفق بيانات رسمية، ارتفع عدد المدارس التي تقدم برامج 'BTEC' من 261 مدرسة العام 2024 إلى 362 مدرسة العام 2026، فيما زادت الطاقة الاستيعابية من 44,450 إلى 62,225 طالبا، ووصل عدد التخصصات المهنية إلى 14 تخصصا. وتعكس هذه الأرقام توسعا واضحا في البنية التعليمية المخصصة لهذا المسار، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا عن مدى مواكبة جودة التدريب لهذا النمو، وعن قدرة المدارس على توفير بيئات تطبيقية تتيح للطلبة اكتساب مهارات فعلية، لا مجرد استكمال متطلبات دراسية تؤهلهم للحصول على شهادة. فالقيمة الحقيقية لأي برنامج مهني لا تتحدد باسمه أو الاعتراف بشهادته، وإنما بمحتواه العملي، وكفاءة المدربين، وتوافر المعدات والتجهيزات، ومدى ارتباط التدريب بمتطلبات المهن التي يستهدفها. كما أن اتساع قاعدة المدارس لا يضمن وحده تكافؤ جودة التعليم بينها؛ إذ قد تتفاوت قدرة المؤسسات على توفير الورش والتدريب العملي والشراكات مع القطاع الخاص. لذلك، يتطلب تقييم التجربة الانتقال من قياس عدد المدارس والطاقة الاستيعابية إلى نشر بيانات عن أعداد الملتحقين فعليا بكل تخصص، ونسب استكمال البرامج، ومستوى المهارات التي يكتسبها الطلبة، ومدى استفادتهم من التدريب الميداني. سوق العمل.. الاختبار الفعلي للتجربة وعموما، لا يمكن الحكم على نجاح التعليم المهني بمعزل عن سوق العمل الذي يتوجب أن يستوعب خريجيه، فالتوسع في تخصصات لا تتناسب مع احتياجات الاقتصاد قد ينتج أعدادا إضافية من الخريجين من دون فرص كافية، فيما يؤدي ضعف التدريب العملي إلى فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يتطلبه صاحب العمل. وهنا تبرز أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، كشرط اساسي لتطوير البرامج. فمشاركة أصحاب العمل في تحديد المهارات المطلوبة، وتصميم التدريب، واستقبال الطلبة في مواقع العمل، وتقييم كفاياتهم، كلها أمور من شأنها أن تقلص المسافة بين المدرسة والمهنة. وتكشف الإجراءات الحكومية عن توجه نحو توسيع التدريب المرتبط بالعمل؛ إذ أشار تقرير رسمي لبرنامج تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي في الربع الأول من العام 2025 إلى اختيار 18 مدرسة للتدريب القائم على العمل، حيث بدأت 12 مدرسة منها التطبيق خلال العام، على أن تلتحق بها المدارس الأخرى لاحقا. وتمثل هذه الخطوة اتجاها مهما، لكن أثرها يتوقف على مدى اتساع التجربة، وجودة التدريب الذي يحصل عليه الطلبة، وقدرتها على توفير فرص تشغيل فعلية. ويقتضي ذلك متابعة مصير الخريجين بعد ستة أشهر وبعد عام من التخرج، وقياس نسبة العاملين منهم في تخصصاتهم، ومستويات أجورهم، واستقرارهم الوظيفي. فهذه المؤشرات هي التي تكشف ما إذا كان التعليم المهني يفتح مسارات عمل حقيقية أم يكتفي بتأهيل الطلبة لسوق لا يجدون فيه فرصا مناسبة. وفي المقابل، لا يجوز تحميل التعليم المهني وحده مسؤولية البطالة؛ ففاعليته ترتبط أيضا بقدرة الاقتصاد على توليد وظائف، وبمستوى الاستثمار، وشروط العمل والأجور، ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار يحتاج إلى سياسات تعليمية واقتصادية متكاملة، لا إلى زيادة أعداد البرامج بمعزل عن الطلب على خريجيها. التوسع الكمي لا يكفي وتترافق مع التوسع في برامج التعليم المهني جهود للتعريف بها وتغيير اتجاهات الطلبة والأسر. ووفق تقرير حكومي عن الربع الأول من العام 2025، نُفذت 982 فعالية للتوجيه المهني والتوعية، استفاد منها 79,346 شخصا، بينهم طلبة في الصف التاسع وأولياء أمور وكوادر مدرسية وإدارية. وتشير هذه الفعاليات إلى إدراك أهمية التوجيه المبكر في مساعدة الطلبة على اختيار مساراتهم، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حدوث تحول اجتماعي؛ فقياس أثر التوعية يتطلب معرفة ما إذا كانت قد غيرت تفضيلات الطلبة، ورفعت الإقبال على التخصصات المطلوبة، وخفضت الفوارق بين الجنسين والمناطق في فرص الالتحاق. كما أن زيادة الطاقة الاستيعابية ينبغي أن تترافق مع ضمان جودة التدريب وتوافر المدربين المؤهلين والتجهيزات المناسبة، فالطالب الذي يلتحق ببرنامج مهني من دون تدريب عملي كافٍ قد يحصل على شهادة، لكنه لا يمتلك بالضرورة المهارات التي تمنحه ميزة تنافسية عند التوظيف. ويبرز كذلك تحدي العدالة في الوصول إلى هذا النوع من التعليم؛ إذ ينبغي ألا تتحول الظروف الاقتصادية أو الموقع الجغرافي أو محدودية الخيارات المتاحة إلى عوامل تحدد مستقبل الطالب المهني. كما يتطلب توسيع مشاركة الفتيات معالجة العوائق الاجتماعية والعملية، وتوفير تخصصات وفرص تدريب وتشغيل تتيح لهن دخول قطاعات متنوعة، بدل حصرهن في مجالات تقليدية. من عدد البرامج إلى أثرها ويحتاج تقييم تجربة التعليم المهني في الأردن إلى منظومة مؤشرات تتجاوز أعداد المدارس والطلبة والفعاليات المنفذة، في مقدمتها نسب التوظيف بعد التخرج، ومدى ارتباط الوظائف بالتخصص، ومستويات الأجور، واستقرار العمل، ورضا أصحاب العمل عن مهارات الخريجين. ويجب أن تشمل المتابعة أيضا الفروق بين التخصصات والمحافظات والجنسين، ونوعية التدريب العملي، وعدد الطلبة الذين يحصلون على فرص حقيقية في مؤسسات القطاع الخاص. ومن شأن نشر المعلومات للرأي العام أن يساعد الأسر على اتخاذ قرارات أكثر وعيا، ويمنح الطلبة صورة واقعية عن فرص كل مسار، كما يتيح لصناع القرار تعديل البرامج التي لا تحقق النتائج المرجوة. فالتعليم المهني ليس مجرد بديل عن التعليم الأكاديمي، ولا ينبغي تقديمه على هذا الأساس؛ بل هو مسار له أهدافه ومجالاته، ويمكن أن يتكامل مع التعليم الجامعي والتدريب المستمر، وتزداد قيمته حين يتيح للطالب اكتساب مهارات قابلة للتطوير، واستكمال تعليمه أو تأهيله لاحقا، والانتقال بين فرص العمل مع تغير احتياجات الاقتصاد. الرهان على المستقبل المهني ويضع التوسع في التعليم المهني والتقني الأردن أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم والعمل، لكنه يضعه أيضا أمام مسؤولية إثبات أن هذا المسار قادر على تقديم قيمة حقيقية للطلبة والأسر والاقتصاد. فالتغيير الاجتماعي لا تصنعه الخطط وحدها، بل تصنعه النتائج التي يلمسها الناس في حياة أبنائهم، وعندما يصبح خريج التعليم المهني قادرا على الحصول على وظيفة مناسبة، وتحقيق دخل مستقر، وتطوير مهاراته، ستتراجع تدريجيا الفكرة التي تحصر النجاح في الشهادة الجامعية. أما إذا سبق التوسع في المدارس والبرامج قدرة سوق العمل على الاستيعاب، أو بقي التدريب العملي محدودا، فقد تتسع المنظومة من دون أن تتغير مكانتها الاجتماعية بشكل جيد. لهذا، فإن معيار النجاح ليس عدد البرامج التي أُطلقت، بل عدد الشباب الذين انتقلوا بفضلها إلى مستقبل مهني أفضل، عندها فقط يصبح التعليم المهني خيارا قائما على الفرص والكفاءة، لا مسارا بديلا تحكمه النظرة الاجتماعية المسبقة.
الغد
يتقدم التعليم المهني والتقني في الأردن بوصفه أحد المسارات التي تراهن عليها الدولة لمعالجة فجوة المهارات والحد من البطالة، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التعليم القائم على التطبيق والإنتاج، بعد سنوات ظل فيها التعليم الجامعي ينظر إليه اجتماعيا باعتباره الخيار الأفضل لضمان المكانة الاجتماعية والفرص الوظيفية.
لكن توسيع هذا المسار لا يعني بالضرورة نجاحه؛ فزيادة أعداد المدارس والبرامج والطلبة تمثل خطوة في تطوير المنظومة، لا دليلا على تغير النظرة الاجتماعية أو تحسن فرص التشغيل. وهنا تبرز أسئلة مهمة، ومنها 'هل يستطيع التعليم المهني أن يمنح الشباب مهارات يحتاجها الاقتصاد، ويفتح أمامهم مسارات عمل مستقرة، ويقنع الأسر بأن النجاح لا يرتبط بنوع الشهادة بقدر ارتباطه بقيمتها في سوق العمل؟'. تغيير الثقافة يبدأ من فرص العمل وإجمالا، لم تتشكل النظرة المتحفظة تجاه التعليم المهني من فراغ؛ فهي ترتبط بتصورات اجتماعية تمنح الشهادة الجامعية مكانة أعلى، وتربطها بالاستقرار الوظيفي والترقي الاجتماعي، مقابل النظر إلى المهن التطبيقية باعتبارها خيارا بديلا لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة. غير أن هذه المعادلة لم تعد تعكس بالضرورة احتياجات الاقتصاد أو التحولات في سوق العمل، فعدد من القطاعات يحتاج إلى مهارات تقنية وتطبيقية متخصصة، فيما لا تضمن الشهادة الجامعية وحدها الحصول على وظيفة مناسبة. ومع ذلك، فإن تصحيح الصورة الاجتماعية للتعليم المهني لا يتحقق بحملات التوعية وحدها، بل يتطلب أن يرى الطلبة والأهالي نتائج ملموسة، تتمثل بخريج يجد عملا في تخصصه، ويتقاضى أجرا مناسبا، ويتمتع بفرص للتطور والترقي. من هنا، فإن نجاح الإصلاح مرهون بقدرة الدولة على تحويل التعليم المهني من مسار يتم اختياره مضطرا إلى خيار يستند إلى قناعة بجدواه، وهذا التحول يحتاج إلى ربط حقيقي بين جودة التدريب والطلب الفعلي على المهارات، وإلى إبراز نماذج ناجحة لخريجين استطاعوا بناء مستقبل مهني مستقر من خلال تخصصاتهم التطبيقية. 'BTEC'.. هل تتحول الشهادة إلى مهارة مطلوبة؟ ويمثل التوسع في برامج التعليم المهني والتقني، ومنها مسار 'BTEC'، أحد أبرز التحولات التي يشهدها قطاع التعليم في الأردن. ووفق بيانات رسمية، ارتفع عدد المدارس التي تقدم برامج 'BTEC' من 261 مدرسة العام 2024 إلى 362 مدرسة العام 2026، فيما زادت الطاقة الاستيعابية من 44,450 إلى 62,225 طالبا، ووصل عدد التخصصات المهنية إلى 14 تخصصا. وتعكس هذه الأرقام توسعا واضحا في البنية التعليمية المخصصة لهذا المسار، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا عن مدى مواكبة جودة التدريب لهذا النمو، وعن قدرة المدارس على توفير بيئات تطبيقية تتيح للطلبة اكتساب مهارات فعلية، لا مجرد استكمال متطلبات دراسية تؤهلهم للحصول على شهادة. فالقيمة الحقيقية لأي برنامج مهني لا تتحدد باسمه أو الاعتراف بشهادته، وإنما بمحتواه العملي، وكفاءة المدربين، وتوافر المعدات والتجهيزات، ومدى ارتباط التدريب بمتطلبات المهن التي يستهدفها. كما أن اتساع قاعدة المدارس لا يضمن وحده تكافؤ جودة التعليم بينها؛ إذ قد تتفاوت قدرة المؤسسات على توفير الورش والتدريب العملي والشراكات مع القطاع الخاص. لذلك، يتطلب تقييم التجربة الانتقال من قياس عدد المدارس والطاقة الاستيعابية إلى نشر بيانات عن أعداد الملتحقين فعليا بكل تخصص، ونسب استكمال البرامج، ومستوى المهارات التي يكتسبها الطلبة، ومدى استفادتهم من التدريب الميداني. سوق العمل.. الاختبار الفعلي للتجربة وعموما، لا يمكن الحكم على نجاح التعليم المهني بمعزل عن سوق العمل الذي يتوجب أن يستوعب خريجيه، فالتوسع في تخصصات لا تتناسب مع احتياجات الاقتصاد قد ينتج أعدادا إضافية من الخريجين من دون فرص كافية، فيما يؤدي ضعف التدريب العملي إلى فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يتطلبه صاحب العمل. وهنا تبرز أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، كشرط اساسي لتطوير البرامج. فمشاركة أصحاب العمل في تحديد المهارات المطلوبة، وتصميم التدريب، واستقبال الطلبة في مواقع العمل، وتقييم كفاياتهم، كلها أمور من شأنها أن تقلص المسافة بين المدرسة والمهنة. وتكشف الإجراءات الحكومية عن توجه نحو توسيع التدريب المرتبط بالعمل؛ إذ أشار تقرير رسمي لبرنامج تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي في الربع الأول من العام 2025 إلى اختيار 18 مدرسة للتدريب القائم على العمل، حيث بدأت 12 مدرسة منها التطبيق خلال العام، على أن تلتحق بها المدارس الأخرى لاحقا. وتمثل هذه الخطوة اتجاها مهما، لكن أثرها يتوقف على مدى اتساع التجربة، وجودة التدريب الذي يحصل عليه الطلبة، وقدرتها على توفير فرص تشغيل فعلية. ويقتضي ذلك متابعة مصير الخريجين بعد ستة أشهر وبعد عام من التخرج، وقياس نسبة العاملين منهم في تخصصاتهم، ومستويات أجورهم، واستقرارهم الوظيفي. فهذه المؤشرات هي التي تكشف ما إذا كان التعليم المهني يفتح مسارات عمل حقيقية أم يكتفي بتأهيل الطلبة لسوق لا يجدون فيه فرصا مناسبة. وفي المقابل، لا يجوز تحميل التعليم المهني وحده مسؤولية البطالة؛ ففاعليته ترتبط أيضا بقدرة الاقتصاد على توليد وظائف، وبمستوى الاستثمار، وشروط العمل والأجور، ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار يحتاج إلى سياسات تعليمية واقتصادية متكاملة، لا إلى زيادة أعداد البرامج بمعزل عن الطلب على خريجيها. التوسع الكمي لا يكفي وتترافق مع التوسع في برامج التعليم المهني جهود للتعريف بها وتغيير اتجاهات الطلبة والأسر. ووفق تقرير حكومي عن الربع الأول من العام 2025، نُفذت 982 فعالية للتوجيه المهني والتوعية، استفاد منها 79,346 شخصا، بينهم طلبة في الصف التاسع وأولياء أمور وكوادر مدرسية وإدارية. وتشير هذه الفعاليات إلى إدراك أهمية التوجيه المبكر في مساعدة الطلبة على اختيار مساراتهم، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حدوث تحول اجتماعي؛ فقياس أثر التوعية يتطلب معرفة ما إذا كانت قد غيرت تفضيلات الطلبة، ورفعت الإقبال على التخصصات المطلوبة، وخفضت الفوارق بين الجنسين والمناطق في فرص الالتحاق. كما أن زيادة الطاقة الاستيعابية ينبغي أن تترافق مع ضمان جودة التدريب وتوافر المدربين المؤهلين والتجهيزات المناسبة، فالطالب الذي يلتحق ببرنامج مهني من دون تدريب عملي كافٍ قد يحصل على شهادة، لكنه لا يمتلك بالضرورة المهارات التي تمنحه ميزة تنافسية عند التوظيف. ويبرز كذلك تحدي العدالة في الوصول إلى هذا النوع من التعليم؛ إذ ينبغي ألا تتحول الظروف الاقتصادية أو الموقع الجغرافي أو محدودية الخيارات المتاحة إلى عوامل تحدد مستقبل الطالب المهني. كما يتطلب توسيع مشاركة الفتيات معالجة العوائق الاجتماعية والعملية، وتوفير تخصصات وفرص تدريب وتشغيل تتيح لهن دخول قطاعات متنوعة، بدل حصرهن في مجالات تقليدية. من عدد البرامج إلى أثرها ويحتاج تقييم تجربة التعليم المهني في الأردن إلى منظومة مؤشرات تتجاوز أعداد المدارس والطلبة والفعاليات المنفذة، في مقدمتها نسب التوظيف بعد التخرج، ومدى ارتباط الوظائف بالتخصص، ومستويات الأجور، واستقرار العمل، ورضا أصحاب العمل عن مهارات الخريجين. ويجب أن تشمل المتابعة أيضا الفروق بين التخصصات والمحافظات والجنسين، ونوعية التدريب العملي، وعدد الطلبة الذين يحصلون على فرص حقيقية في مؤسسات القطاع الخاص. ومن شأن نشر المعلومات للرأي العام أن يساعد الأسر على اتخاذ قرارات أكثر وعيا، ويمنح الطلبة صورة واقعية عن فرص كل مسار، كما يتيح لصناع القرار تعديل البرامج التي لا تحقق النتائج المرجوة. فالتعليم المهني ليس مجرد بديل عن التعليم الأكاديمي، ولا ينبغي تقديمه على هذا الأساس؛ بل هو مسار له أهدافه ومجالاته، ويمكن أن يتكامل مع التعليم الجامعي والتدريب المستمر، وتزداد قيمته حين يتيح للطالب اكتساب مهارات قابلة للتطوير، واستكمال تعليمه أو تأهيله لاحقا، والانتقال بين فرص العمل مع تغير احتياجات الاقتصاد. الرهان على المستقبل المهني ويضع التوسع في التعليم المهني والتقني الأردن أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم والعمل، لكنه يضعه أيضا أمام مسؤولية إثبات أن هذا المسار قادر على تقديم قيمة حقيقية للطلبة والأسر والاقتصاد. فالتغيير الاجتماعي لا تصنعه الخطط وحدها، بل تصنعه النتائج التي يلمسها الناس في حياة أبنائهم، وعندما يصبح خريج التعليم المهني قادرا على الحصول على وظيفة مناسبة، وتحقيق دخل مستقر، وتطوير مهاراته، ستتراجع تدريجيا الفكرة التي تحصر النجاح في الشهادة الجامعية. أما إذا سبق التوسع في المدارس والبرامج قدرة سوق العمل على الاستيعاب، أو بقي التدريب العملي محدودا، فقد تتسع المنظومة من دون أن تتغير مكانتها الاجتماعية بشكل جيد. لهذا، فإن معيار النجاح ليس عدد البرامج التي أُطلقت، بل عدد الشباب الذين انتقلوا بفضلها إلى مستقبل مهني أفضل، عندها فقط يصبح التعليم المهني خيارا قائما على الفرص والكفاءة، لا مسارا بديلا تحكمه النظرة الاجتماعية المسبقة.
الغد
التعليقات
التعليم المهني بعد التوسع في المدارس .. هل تتغير النظرة الاجتماعية؟
التعليقات