يُعدّ الأردن نموذجاً استثنائياً في التضامن الإنساني ونجدة الملهوف؛ إذ فتح أبوابه بكل سخاء وأصالة لاستضافة الأشقاء السوريين منذ بداية أزمتهم، متشاركاً معهم كل ما يملك، حيث حظي اللاجئون بالاستقرار والكرامة، ووجدوا في المدن والمخيمات الأردنية ملاذاً آمناً واحتضاناً شعبياً ورسمياً خفف عنهم مرارة الأزمة التي عاشوها.
وتتجاوز هذه العلاقة الإنسانية حدود الظرف الطارئ لتستند إلى إرث تاريخي وجغرافي وثيق يُجسّد متانة العلاقات الأخوية التي تجمع بين الشعبين الأردني والسوري. فقد ظلت أواصر النسب، والتداخل الثقافي، والمصير المشترك هي الرابط الأساسي الذي يزداد صلابة مع الأيام.
استقرار بلا خوف
أم وسيم حريري لاجئة سورية خطت عتبات الأردن برفقة عائلتها في عام 2013 من درعا، وهي تحمل في نفسها مزيجاً من أمل حذر وقلق، لتبدأ فصلاً جديداً ومصيرياً في حياتها، وفي تلك الفترة، لم تكن مجرد لاجئة تبحث عن مأوى، بل كانت شابة طموحة تسعى لمواصلة رحلتها التعليمية وسط ظروف صعبة ومعقدة، وقد شكلت المدارس حاضنة علمية لها، مكّنتها من استكمال دراستها وتطوير ذاتها.
لم تلبث هذه البداية أن أثمرت استقراراً عائلياً دافئاً؛ وتقول حريري: «بعد تعليمي، تزوجت ورزقت بأطفال ملؤوا حياتي بهجة، لأرى الجيل الثاني يخطو خطواته الأولى والثانية في المدارس الأردنية بكل ثقة واقتدار. لم تقتصر رحلتهم على التعليم فحسب، بل امتدت لتشمل منظومة متكاملة من الخدمات المتاحة بكل يسر وسهولة، مما منحني طمأنينة على أبنائي ومستقبلهم».
وفي حديثها عن هذه التجربة، تؤكد حريري أنها وعائلتها لم يشعروا قط بلحظة خوف واحدة منذ أن وطأت أقدامهم أرض الأردن، وأنهم وجدوا هنا وطناً ثانياً يغدق عليهم بالأمان والثقة والراحة النفسية، وبات الأردن بالنسبة لها ولأطفالها ليس فقط ملاذاً آمناً، بل واحة طمأنينة واستقرار يعيشون فيها بسلام وكرامة تكفل لهم مستقبلاً مزهراً.
رحلة السعي نحو الأمان
بالنسبة لـ «أبو بلال» وعائلته، بدأت رحلة السعي نحو الأمان في عام 2012، حينما غادروا أرض الجولان بحثاً عن ملاذ آمن يلم شملهم ويصون كرامتهم، فحطت العائلة رحالها في عمّان، لتستقبلهم المدينة بفيض من الدفء والترحاب الذي أذاب قلق الغربة والنزوح.
لم تكن الإقامة في الأردن مجرد محطة عبور، بل كانت مساحة حقيقية للاستقرار والاندماج. يقول أبو بلال: وجدنا بيئة حاضنة وأبواباً مفتوحة مكّنتنا مع مرور الوقت من الالتحاق بسوق العمل وممارسة نشاطه بكل ثقة، هذا التسهيل والدعم أتاح لنا استعادة إيقاع حياتنا الطبيعية، وتأمين متطلبات الحياة.
يؤكد أبو بلال: «لم نشعر يوما بأننا في مكان غريب علينا، فالأردن تاريخيا علاقته ممتازة مع السوريين، وحسن الضيافة هو نهج ثابت في إغاثة الملهوف، وقدم لنا كل ما يمكن رغم صعوبة الظروف وتراجع الدعم الدولي لمؤازرة هذا الملف الإنساني. العديد منا عاد ولكن الجميع يجمع بأن الأردن فتح أبوابه وقدم لنا المساندة، وشعرنا دوما أننا في وطننا الثاني».
العماوي: العلاقات الأردنية السورية نموذج سياسي وأمني
ويؤكد عضو مجلس النواب، د. مصطفى العماوي أنّ العلاقات الأردنية السورية تمثل نموذجا سياسيا وأمنيا مميزا في المنطقة، كما أن متانة هذه العلاقات تشكل ضرورة استراتيجية للبلدين، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريج، وإنما أيضا للمصالح المشتركة والتحديات الإقليمية التي نواجهها.
وأشار العماوي في تصريح لـ»الدستور» إلى أن الأردن قدم بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا كبيرا في التعامل مع الأزمة السورية واستضافة اللاجئين السوريين انطلاقا من الواجب الإنساني والأخلاقي، فقد استقبل أعداد اللاجئين ووفر لهم الحماية والخدمات رغم محدودية الموارد، مع تحقيق التوازن بين الواجب الإنساني والمصلحة الوطنية.
وأكد أن هذه التجربة أسهمت في ترسيخ مكانة الأردن على المستوى الدولي، وأن هذا النجاح لا يقاس بالاستضافة وإنما بقدرة الأردن على تهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة للاجئين إلى وطنهم عندما تكون الظروف موائمة، مع حفظ حقوقهم وكرامتهم. واليوم فإن هناك مرحلة انتقالية من إدارة التحديات المشتركة إلى بناء شراكة استراتيجية قائمة على المصالح والثقة السياسية والتعاون الأمني والاقتصادي، وهناك توجيهات ملكية بدعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والتصدي للتنظيمات المتطرفة.
جبر: استقرار سوريا جزء من استقرار الإقليم
وقالت أستاذة العلوم السياسية د. أريج جبر إنه لا يمكن قراءة الموقف الأردني من سوريا بمعزل عن نهج الدولة الأردنية القائم على الاعتدال والسلام، وتغليب الحلول السياسية على الصراعات، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم.
وذكرت في تصريح لـ»الدستور» أنه على مدار نحو عقد ونصف، استقبل الأردن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ووفر لهم الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية، وأتاح فرص العمل، وسعى إلى إدماجهم في المجتمع الأردني، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية.
وأشارت إلى أنه رغم تراجع الدعم الدولي وتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لم يحوّل الأردن هذه الأعباء إلى مبرر للتضييق على السوريين أو تحميلهم مسؤولية ما تعرض له من تحديات.
وبينت جبر: سياسيًا، لم يتعامل الأردن مع الأزمة السورية باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات أو تعميق الانقسام، بل دعا إلى وقف النزيف البشري والعنف، وحماية المدنيين، ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية تهدد وحدة سوريا ومجتمعها. كما عمل، بالتنسيق مع جامعة الدول العربية والقوى العربية، على إعادة الانخراط السياسي مع دمشق من خلال مقاربة «خطوة بخطوة»، انطلاقًا من حجة أساسية مفادها أن استعادة الاستقرار في سوريا تتطلب مسارًا سياسيًا عربيًا يحدّ من التدخلات الخارجية ويمنع تفكك الدولة.
وأكدت أنه في الوقت الذي واجه فيه الأردن تحديات خطيرة على حدوده الشمالية، من تهريب المخدرات والأسلحة إلى نشاط الشبكات الإجرامية، فقد حافظ على الفصل بين مقتضيات أمنه الوطني وحقوق السوريين المقيمين على أراضيه.
ولفتت جبر إلى أنه منذ الثامن من كانون الأول 2024، انتقل الأردن إلى مرحلة جديدة من الانفتاح على السلطات السورية الجديدة، وتعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق السياسي والأمني، والعمل المشترك لمواجهة التهريب وترسيخ الاستقرار. كما دعم تهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة والكريمة للسوريين، مع ضمان حقوقهم، لأن العودة المستدامة لا تتحقق بالضغط على اللاجئين، وإنما بتوافر الأمن والاستقرار وفرص الحياة داخل سوريا.
وختمت جبر بالقول إن الموقف الأردني ينطلق من معادلة سياسية واضحة، أن الأردن دولة اعتدال وسلام، لكنه ليس دولة تتساهل في أمنها الوطني؛ يدعم الاستقرار السوري، لكنه لا يقبل أن يتحول أمن حدوده إلى ساحة مفتوحة للشبكات الإجرامية.
وشددت على أن مصلحة الأردن وسوريا تلتقي في بناء علاقة تقوم على السيادة المتبادلة والتنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي، وفي دعم سوريا موحّدة، دولةً للمواطنة والقانون، تكون جميع مكوناتها جزءًا من نسيجها الوطني، لا أدوات للصراع الطائفي أو مشاريع التقسيم. فالأردن لا يبحث عن توسيع الأزمات، بل عن احتوائها، ولا يرى في استقرار سوريا مكسبًا لجارته فحسب، بل ضرورة لأمن المنطقة بأسرها.
الدستور
يُعدّ الأردن نموذجاً استثنائياً في التضامن الإنساني ونجدة الملهوف؛ إذ فتح أبوابه بكل سخاء وأصالة لاستضافة الأشقاء السوريين منذ بداية أزمتهم، متشاركاً معهم كل ما يملك، حيث حظي اللاجئون بالاستقرار والكرامة، ووجدوا في المدن والمخيمات الأردنية ملاذاً آمناً واحتضاناً شعبياً ورسمياً خفف عنهم مرارة الأزمة التي عاشوها.
وتتجاوز هذه العلاقة الإنسانية حدود الظرف الطارئ لتستند إلى إرث تاريخي وجغرافي وثيق يُجسّد متانة العلاقات الأخوية التي تجمع بين الشعبين الأردني والسوري. فقد ظلت أواصر النسب، والتداخل الثقافي، والمصير المشترك هي الرابط الأساسي الذي يزداد صلابة مع الأيام.
استقرار بلا خوف
أم وسيم حريري لاجئة سورية خطت عتبات الأردن برفقة عائلتها في عام 2013 من درعا، وهي تحمل في نفسها مزيجاً من أمل حذر وقلق، لتبدأ فصلاً جديداً ومصيرياً في حياتها، وفي تلك الفترة، لم تكن مجرد لاجئة تبحث عن مأوى، بل كانت شابة طموحة تسعى لمواصلة رحلتها التعليمية وسط ظروف صعبة ومعقدة، وقد شكلت المدارس حاضنة علمية لها، مكّنتها من استكمال دراستها وتطوير ذاتها.
لم تلبث هذه البداية أن أثمرت استقراراً عائلياً دافئاً؛ وتقول حريري: «بعد تعليمي، تزوجت ورزقت بأطفال ملؤوا حياتي بهجة، لأرى الجيل الثاني يخطو خطواته الأولى والثانية في المدارس الأردنية بكل ثقة واقتدار. لم تقتصر رحلتهم على التعليم فحسب، بل امتدت لتشمل منظومة متكاملة من الخدمات المتاحة بكل يسر وسهولة، مما منحني طمأنينة على أبنائي ومستقبلهم».
وفي حديثها عن هذه التجربة، تؤكد حريري أنها وعائلتها لم يشعروا قط بلحظة خوف واحدة منذ أن وطأت أقدامهم أرض الأردن، وأنهم وجدوا هنا وطناً ثانياً يغدق عليهم بالأمان والثقة والراحة النفسية، وبات الأردن بالنسبة لها ولأطفالها ليس فقط ملاذاً آمناً، بل واحة طمأنينة واستقرار يعيشون فيها بسلام وكرامة تكفل لهم مستقبلاً مزهراً.
رحلة السعي نحو الأمان
بالنسبة لـ «أبو بلال» وعائلته، بدأت رحلة السعي نحو الأمان في عام 2012، حينما غادروا أرض الجولان بحثاً عن ملاذ آمن يلم شملهم ويصون كرامتهم، فحطت العائلة رحالها في عمّان، لتستقبلهم المدينة بفيض من الدفء والترحاب الذي أذاب قلق الغربة والنزوح.
لم تكن الإقامة في الأردن مجرد محطة عبور، بل كانت مساحة حقيقية للاستقرار والاندماج. يقول أبو بلال: وجدنا بيئة حاضنة وأبواباً مفتوحة مكّنتنا مع مرور الوقت من الالتحاق بسوق العمل وممارسة نشاطه بكل ثقة، هذا التسهيل والدعم أتاح لنا استعادة إيقاع حياتنا الطبيعية، وتأمين متطلبات الحياة.
يؤكد أبو بلال: «لم نشعر يوما بأننا في مكان غريب علينا، فالأردن تاريخيا علاقته ممتازة مع السوريين، وحسن الضيافة هو نهج ثابت في إغاثة الملهوف، وقدم لنا كل ما يمكن رغم صعوبة الظروف وتراجع الدعم الدولي لمؤازرة هذا الملف الإنساني. العديد منا عاد ولكن الجميع يجمع بأن الأردن فتح أبوابه وقدم لنا المساندة، وشعرنا دوما أننا في وطننا الثاني».
العماوي: العلاقات الأردنية السورية نموذج سياسي وأمني
ويؤكد عضو مجلس النواب، د. مصطفى العماوي أنّ العلاقات الأردنية السورية تمثل نموذجا سياسيا وأمنيا مميزا في المنطقة، كما أن متانة هذه العلاقات تشكل ضرورة استراتيجية للبلدين، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريج، وإنما أيضا للمصالح المشتركة والتحديات الإقليمية التي نواجهها.
وأشار العماوي في تصريح لـ»الدستور» إلى أن الأردن قدم بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا كبيرا في التعامل مع الأزمة السورية واستضافة اللاجئين السوريين انطلاقا من الواجب الإنساني والأخلاقي، فقد استقبل أعداد اللاجئين ووفر لهم الحماية والخدمات رغم محدودية الموارد، مع تحقيق التوازن بين الواجب الإنساني والمصلحة الوطنية.
وأكد أن هذه التجربة أسهمت في ترسيخ مكانة الأردن على المستوى الدولي، وأن هذا النجاح لا يقاس بالاستضافة وإنما بقدرة الأردن على تهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة للاجئين إلى وطنهم عندما تكون الظروف موائمة، مع حفظ حقوقهم وكرامتهم. واليوم فإن هناك مرحلة انتقالية من إدارة التحديات المشتركة إلى بناء شراكة استراتيجية قائمة على المصالح والثقة السياسية والتعاون الأمني والاقتصادي، وهناك توجيهات ملكية بدعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والتصدي للتنظيمات المتطرفة.
جبر: استقرار سوريا جزء من استقرار الإقليم
وقالت أستاذة العلوم السياسية د. أريج جبر إنه لا يمكن قراءة الموقف الأردني من سوريا بمعزل عن نهج الدولة الأردنية القائم على الاعتدال والسلام، وتغليب الحلول السياسية على الصراعات، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم.
وذكرت في تصريح لـ»الدستور» أنه على مدار نحو عقد ونصف، استقبل الأردن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ووفر لهم الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية، وأتاح فرص العمل، وسعى إلى إدماجهم في المجتمع الأردني، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية.
وأشارت إلى أنه رغم تراجع الدعم الدولي وتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لم يحوّل الأردن هذه الأعباء إلى مبرر للتضييق على السوريين أو تحميلهم مسؤولية ما تعرض له من تحديات.
وبينت جبر: سياسيًا، لم يتعامل الأردن مع الأزمة السورية باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات أو تعميق الانقسام، بل دعا إلى وقف النزيف البشري والعنف، وحماية المدنيين، ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية تهدد وحدة سوريا ومجتمعها. كما عمل، بالتنسيق مع جامعة الدول العربية والقوى العربية، على إعادة الانخراط السياسي مع دمشق من خلال مقاربة «خطوة بخطوة»، انطلاقًا من حجة أساسية مفادها أن استعادة الاستقرار في سوريا تتطلب مسارًا سياسيًا عربيًا يحدّ من التدخلات الخارجية ويمنع تفكك الدولة.
وأكدت أنه في الوقت الذي واجه فيه الأردن تحديات خطيرة على حدوده الشمالية، من تهريب المخدرات والأسلحة إلى نشاط الشبكات الإجرامية، فقد حافظ على الفصل بين مقتضيات أمنه الوطني وحقوق السوريين المقيمين على أراضيه.
ولفتت جبر إلى أنه منذ الثامن من كانون الأول 2024، انتقل الأردن إلى مرحلة جديدة من الانفتاح على السلطات السورية الجديدة، وتعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق السياسي والأمني، والعمل المشترك لمواجهة التهريب وترسيخ الاستقرار. كما دعم تهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة والكريمة للسوريين، مع ضمان حقوقهم، لأن العودة المستدامة لا تتحقق بالضغط على اللاجئين، وإنما بتوافر الأمن والاستقرار وفرص الحياة داخل سوريا.
وختمت جبر بالقول إن الموقف الأردني ينطلق من معادلة سياسية واضحة، أن الأردن دولة اعتدال وسلام، لكنه ليس دولة تتساهل في أمنها الوطني؛ يدعم الاستقرار السوري، لكنه لا يقبل أن يتحول أمن حدوده إلى ساحة مفتوحة للشبكات الإجرامية.
وشددت على أن مصلحة الأردن وسوريا تلتقي في بناء علاقة تقوم على السيادة المتبادلة والتنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي، وفي دعم سوريا موحّدة، دولةً للمواطنة والقانون، تكون جميع مكوناتها جزءًا من نسيجها الوطني، لا أدوات للصراع الطائفي أو مشاريع التقسيم. فالأردن لا يبحث عن توسيع الأزمات، بل عن احتوائها، ولا يرى في استقرار سوريا مكسبًا لجارته فحسب، بل ضرورة لأمن المنطقة بأسرها.
الدستور
يُعدّ الأردن نموذجاً استثنائياً في التضامن الإنساني ونجدة الملهوف؛ إذ فتح أبوابه بكل سخاء وأصالة لاستضافة الأشقاء السوريين منذ بداية أزمتهم، متشاركاً معهم كل ما يملك، حيث حظي اللاجئون بالاستقرار والكرامة، ووجدوا في المدن والمخيمات الأردنية ملاذاً آمناً واحتضاناً شعبياً ورسمياً خفف عنهم مرارة الأزمة التي عاشوها.
وتتجاوز هذه العلاقة الإنسانية حدود الظرف الطارئ لتستند إلى إرث تاريخي وجغرافي وثيق يُجسّد متانة العلاقات الأخوية التي تجمع بين الشعبين الأردني والسوري. فقد ظلت أواصر النسب، والتداخل الثقافي، والمصير المشترك هي الرابط الأساسي الذي يزداد صلابة مع الأيام.
استقرار بلا خوف
أم وسيم حريري لاجئة سورية خطت عتبات الأردن برفقة عائلتها في عام 2013 من درعا، وهي تحمل في نفسها مزيجاً من أمل حذر وقلق، لتبدأ فصلاً جديداً ومصيرياً في حياتها، وفي تلك الفترة، لم تكن مجرد لاجئة تبحث عن مأوى، بل كانت شابة طموحة تسعى لمواصلة رحلتها التعليمية وسط ظروف صعبة ومعقدة، وقد شكلت المدارس حاضنة علمية لها، مكّنتها من استكمال دراستها وتطوير ذاتها.
لم تلبث هذه البداية أن أثمرت استقراراً عائلياً دافئاً؛ وتقول حريري: «بعد تعليمي، تزوجت ورزقت بأطفال ملؤوا حياتي بهجة، لأرى الجيل الثاني يخطو خطواته الأولى والثانية في المدارس الأردنية بكل ثقة واقتدار. لم تقتصر رحلتهم على التعليم فحسب، بل امتدت لتشمل منظومة متكاملة من الخدمات المتاحة بكل يسر وسهولة، مما منحني طمأنينة على أبنائي ومستقبلهم».
وفي حديثها عن هذه التجربة، تؤكد حريري أنها وعائلتها لم يشعروا قط بلحظة خوف واحدة منذ أن وطأت أقدامهم أرض الأردن، وأنهم وجدوا هنا وطناً ثانياً يغدق عليهم بالأمان والثقة والراحة النفسية، وبات الأردن بالنسبة لها ولأطفالها ليس فقط ملاذاً آمناً، بل واحة طمأنينة واستقرار يعيشون فيها بسلام وكرامة تكفل لهم مستقبلاً مزهراً.
رحلة السعي نحو الأمان
بالنسبة لـ «أبو بلال» وعائلته، بدأت رحلة السعي نحو الأمان في عام 2012، حينما غادروا أرض الجولان بحثاً عن ملاذ آمن يلم شملهم ويصون كرامتهم، فحطت العائلة رحالها في عمّان، لتستقبلهم المدينة بفيض من الدفء والترحاب الذي أذاب قلق الغربة والنزوح.
لم تكن الإقامة في الأردن مجرد محطة عبور، بل كانت مساحة حقيقية للاستقرار والاندماج. يقول أبو بلال: وجدنا بيئة حاضنة وأبواباً مفتوحة مكّنتنا مع مرور الوقت من الالتحاق بسوق العمل وممارسة نشاطه بكل ثقة، هذا التسهيل والدعم أتاح لنا استعادة إيقاع حياتنا الطبيعية، وتأمين متطلبات الحياة.
يؤكد أبو بلال: «لم نشعر يوما بأننا في مكان غريب علينا، فالأردن تاريخيا علاقته ممتازة مع السوريين، وحسن الضيافة هو نهج ثابت في إغاثة الملهوف، وقدم لنا كل ما يمكن رغم صعوبة الظروف وتراجع الدعم الدولي لمؤازرة هذا الملف الإنساني. العديد منا عاد ولكن الجميع يجمع بأن الأردن فتح أبوابه وقدم لنا المساندة، وشعرنا دوما أننا في وطننا الثاني».
العماوي: العلاقات الأردنية السورية نموذج سياسي وأمني
ويؤكد عضو مجلس النواب، د. مصطفى العماوي أنّ العلاقات الأردنية السورية تمثل نموذجا سياسيا وأمنيا مميزا في المنطقة، كما أن متانة هذه العلاقات تشكل ضرورة استراتيجية للبلدين، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريج، وإنما أيضا للمصالح المشتركة والتحديات الإقليمية التي نواجهها.
وأشار العماوي في تصريح لـ»الدستور» إلى أن الأردن قدم بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجا كبيرا في التعامل مع الأزمة السورية واستضافة اللاجئين السوريين انطلاقا من الواجب الإنساني والأخلاقي، فقد استقبل أعداد اللاجئين ووفر لهم الحماية والخدمات رغم محدودية الموارد، مع تحقيق التوازن بين الواجب الإنساني والمصلحة الوطنية.
وأكد أن هذه التجربة أسهمت في ترسيخ مكانة الأردن على المستوى الدولي، وأن هذا النجاح لا يقاس بالاستضافة وإنما بقدرة الأردن على تهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة للاجئين إلى وطنهم عندما تكون الظروف موائمة، مع حفظ حقوقهم وكرامتهم. واليوم فإن هناك مرحلة انتقالية من إدارة التحديات المشتركة إلى بناء شراكة استراتيجية قائمة على المصالح والثقة السياسية والتعاون الأمني والاقتصادي، وهناك توجيهات ملكية بدعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والتصدي للتنظيمات المتطرفة.
جبر: استقرار سوريا جزء من استقرار الإقليم
وقالت أستاذة العلوم السياسية د. أريج جبر إنه لا يمكن قراءة الموقف الأردني من سوريا بمعزل عن نهج الدولة الأردنية القائم على الاعتدال والسلام، وتغليب الحلول السياسية على الصراعات، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم.
وذكرت في تصريح لـ»الدستور» أنه على مدار نحو عقد ونصف، استقبل الأردن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ووفر لهم الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية، وأتاح فرص العمل، وسعى إلى إدماجهم في المجتمع الأردني، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية.
وأشارت إلى أنه رغم تراجع الدعم الدولي وتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لم يحوّل الأردن هذه الأعباء إلى مبرر للتضييق على السوريين أو تحميلهم مسؤولية ما تعرض له من تحديات.
وبينت جبر: سياسيًا، لم يتعامل الأردن مع الأزمة السورية باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات أو تعميق الانقسام، بل دعا إلى وقف النزيف البشري والعنف، وحماية المدنيين، ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية تهدد وحدة سوريا ومجتمعها. كما عمل، بالتنسيق مع جامعة الدول العربية والقوى العربية، على إعادة الانخراط السياسي مع دمشق من خلال مقاربة «خطوة بخطوة»، انطلاقًا من حجة أساسية مفادها أن استعادة الاستقرار في سوريا تتطلب مسارًا سياسيًا عربيًا يحدّ من التدخلات الخارجية ويمنع تفكك الدولة.
وأكدت أنه في الوقت الذي واجه فيه الأردن تحديات خطيرة على حدوده الشمالية، من تهريب المخدرات والأسلحة إلى نشاط الشبكات الإجرامية، فقد حافظ على الفصل بين مقتضيات أمنه الوطني وحقوق السوريين المقيمين على أراضيه.
ولفتت جبر إلى أنه منذ الثامن من كانون الأول 2024، انتقل الأردن إلى مرحلة جديدة من الانفتاح على السلطات السورية الجديدة، وتعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق السياسي والأمني، والعمل المشترك لمواجهة التهريب وترسيخ الاستقرار. كما دعم تهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة والكريمة للسوريين، مع ضمان حقوقهم، لأن العودة المستدامة لا تتحقق بالضغط على اللاجئين، وإنما بتوافر الأمن والاستقرار وفرص الحياة داخل سوريا.
وختمت جبر بالقول إن الموقف الأردني ينطلق من معادلة سياسية واضحة، أن الأردن دولة اعتدال وسلام، لكنه ليس دولة تتساهل في أمنها الوطني؛ يدعم الاستقرار السوري، لكنه لا يقبل أن يتحول أمن حدوده إلى ساحة مفتوحة للشبكات الإجرامية.
وشددت على أن مصلحة الأردن وسوريا تلتقي في بناء علاقة تقوم على السيادة المتبادلة والتنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي، وفي دعم سوريا موحّدة، دولةً للمواطنة والقانون، تكون جميع مكوناتها جزءًا من نسيجها الوطني، لا أدوات للصراع الطائفي أو مشاريع التقسيم. فالأردن لا يبحث عن توسيع الأزمات، بل عن احتوائها، ولا يرى في استقرار سوريا مكسبًا لجارته فحسب، بل ضرورة لأمن المنطقة بأسرها.
التعليقات