كانت الطريق الى مدرسة الزرقاء الثانوية من بيتنا في حي جناعة تستغرق أكثر من نصف ساعة بقليل، طبعاً مشياً على الأقدام. لم يكن ثمة سرفيس ولا تكسي طلب ولا أوبر وحتى لو وجدت فلن يكفي الشلن، مصروفك اليومي، للتكسي والسندويشة وللقرش الذي توفره كل يوم لتذكرة السينما يوم الخميس. في الطريق كنت تمر ببعض معالم المدينة التي كانت وقتها صبية ذات خصر نحيل، حدودها المعسكر والمخيم من الشرق والسيل والجبل الأبيض من الغرب. من الشمال الحاووز والمستشفى والجنوب مفتوح على عوجان والرصيفة وعمان.
أحد أجمل تلك المعالم دير اللاتين الجنوبي والمدرسة التابعة له. كنا نتقاطع مع فتيات المدرسة على جزء جبلي من الطريق تمر منه سكة الحديد. باحترام كان عليك أن تبتعد عن القضبان العرضية لتمشي على حافة الجبل لتمر الفتاة القادمة من الجهة المقابلة.
كنا أيام الأحد نسمع أجراس الكنيسة للصلاة. نشعر بكثير من الغبطة تماماً كما كنا بعد مسافة قليلة نشعر نفس الشعور ونحن نسمع صوت الأذان من جامع الشيشان القريب من مبنى البلدية الجديد، اقصد وقتها كان جديداً. أما أيامنا، عن أواخر الخمسينيات والستينيات أتحدث، فكان مبناها فوق سوق الخضار وفيه كانت دكانة أبي، ورئيسها كان المرحوم قاسم بولاد.
زملاء لنا في الثانوية كانوا يسكنون في شمال المدينة. كنا أحياناً نذهب اليهم في بيوتهم أو نتمشى في حاراتهم. في وسط تلك الحارات كان دير اللاتين الشمالي. نسخة عن ديرنا الجنوبي. الصلاة والأجراس والمدرسة و.. الإحساس بالطمأنينة.
لم نكن نشعر بأي فرق بين المسجد والكنيسة، بين الامام والخوري ولا بين مسلم ومسيحي. وكثيرا ما كنا نرى الامام والخوري يلتقيان في الشارع أو عند بقال يسلمان على بعضهما ويتحدثان طويلاً. أما عن الناس فكانوا جيرانا «الحيط بالحيط» يتشاركون الأفراح في الأعياد والأحزان في الوفيات. كان الجار، مسلما أو مسيحيا يقف مع جاره في تقبل العزاء، مبدأهم «جارك القريب ولا أخوك البعيد».
في دمشق حيث كنت أدرس في الجامعة سكنت وزميلين في احدى السنوات في باب توما وهو حي قديم طابعه مسيحي. كانت شبابيك الشقة التي استأجرناها تطل على باحة سكينة. كنا نشعر بكثير من الغبطة ونحن نرى المصلين يدخلون الى الكنيسة. رائحة البخور كانت تنفذ الينا أما الأجراس فكأنها تقرع بيننا.
أتذكر بحزن دير اللاتين في الزرقاء وكنيسة باب توما في دمشق، الجيران الأخوة، الأعياد الواحدة، الأسماء الموحدة، القلوب التي تشبه بعضها، تضخ دماً أصله واحد، عربي منذ آلاف السنين.
لم يكن ثمة داعش ودواعش. لم يكن أعداء لنا بيننا وبعيدين عنا. لم يكن ثمة كفار وتكفيريون ولا من يحلل ويحرم على مزاجه وهواه.
لم يكن ثمة مخَدرون ومخدرات باسماء نسمع بها لأول مرة، كبتاجون وكريستال ووو. ولا سوشال ميديا تصب الزيت على نار الفتن في هذا الشرق العربي المبتلى منذ 1948 بمخدر اسمه «إسرائيل» وعملاء اسرائيل!.
الدستور
كانت الطريق الى مدرسة الزرقاء الثانوية من بيتنا في حي جناعة تستغرق أكثر من نصف ساعة بقليل، طبعاً مشياً على الأقدام. لم يكن ثمة سرفيس ولا تكسي طلب ولا أوبر وحتى لو وجدت فلن يكفي الشلن، مصروفك اليومي، للتكسي والسندويشة وللقرش الذي توفره كل يوم لتذكرة السينما يوم الخميس. في الطريق كنت تمر ببعض معالم المدينة التي كانت وقتها صبية ذات خصر نحيل، حدودها المعسكر والمخيم من الشرق والسيل والجبل الأبيض من الغرب. من الشمال الحاووز والمستشفى والجنوب مفتوح على عوجان والرصيفة وعمان.
أحد أجمل تلك المعالم دير اللاتين الجنوبي والمدرسة التابعة له. كنا نتقاطع مع فتيات المدرسة على جزء جبلي من الطريق تمر منه سكة الحديد. باحترام كان عليك أن تبتعد عن القضبان العرضية لتمشي على حافة الجبل لتمر الفتاة القادمة من الجهة المقابلة.
كنا أيام الأحد نسمع أجراس الكنيسة للصلاة. نشعر بكثير من الغبطة تماماً كما كنا بعد مسافة قليلة نشعر نفس الشعور ونحن نسمع صوت الأذان من جامع الشيشان القريب من مبنى البلدية الجديد، اقصد وقتها كان جديداً. أما أيامنا، عن أواخر الخمسينيات والستينيات أتحدث، فكان مبناها فوق سوق الخضار وفيه كانت دكانة أبي، ورئيسها كان المرحوم قاسم بولاد.
زملاء لنا في الثانوية كانوا يسكنون في شمال المدينة. كنا أحياناً نذهب اليهم في بيوتهم أو نتمشى في حاراتهم. في وسط تلك الحارات كان دير اللاتين الشمالي. نسخة عن ديرنا الجنوبي. الصلاة والأجراس والمدرسة و.. الإحساس بالطمأنينة.
لم نكن نشعر بأي فرق بين المسجد والكنيسة، بين الامام والخوري ولا بين مسلم ومسيحي. وكثيرا ما كنا نرى الامام والخوري يلتقيان في الشارع أو عند بقال يسلمان على بعضهما ويتحدثان طويلاً. أما عن الناس فكانوا جيرانا «الحيط بالحيط» يتشاركون الأفراح في الأعياد والأحزان في الوفيات. كان الجار، مسلما أو مسيحيا يقف مع جاره في تقبل العزاء، مبدأهم «جارك القريب ولا أخوك البعيد».
في دمشق حيث كنت أدرس في الجامعة سكنت وزميلين في احدى السنوات في باب توما وهو حي قديم طابعه مسيحي. كانت شبابيك الشقة التي استأجرناها تطل على باحة سكينة. كنا نشعر بكثير من الغبطة ونحن نرى المصلين يدخلون الى الكنيسة. رائحة البخور كانت تنفذ الينا أما الأجراس فكأنها تقرع بيننا.
أتذكر بحزن دير اللاتين في الزرقاء وكنيسة باب توما في دمشق، الجيران الأخوة، الأعياد الواحدة، الأسماء الموحدة، القلوب التي تشبه بعضها، تضخ دماً أصله واحد، عربي منذ آلاف السنين.
لم يكن ثمة داعش ودواعش. لم يكن أعداء لنا بيننا وبعيدين عنا. لم يكن ثمة كفار وتكفيريون ولا من يحلل ويحرم على مزاجه وهواه.
لم يكن ثمة مخَدرون ومخدرات باسماء نسمع بها لأول مرة، كبتاجون وكريستال ووو. ولا سوشال ميديا تصب الزيت على نار الفتن في هذا الشرق العربي المبتلى منذ 1948 بمخدر اسمه «إسرائيل» وعملاء اسرائيل!.
الدستور
كانت الطريق الى مدرسة الزرقاء الثانوية من بيتنا في حي جناعة تستغرق أكثر من نصف ساعة بقليل، طبعاً مشياً على الأقدام. لم يكن ثمة سرفيس ولا تكسي طلب ولا أوبر وحتى لو وجدت فلن يكفي الشلن، مصروفك اليومي، للتكسي والسندويشة وللقرش الذي توفره كل يوم لتذكرة السينما يوم الخميس. في الطريق كنت تمر ببعض معالم المدينة التي كانت وقتها صبية ذات خصر نحيل، حدودها المعسكر والمخيم من الشرق والسيل والجبل الأبيض من الغرب. من الشمال الحاووز والمستشفى والجنوب مفتوح على عوجان والرصيفة وعمان.
أحد أجمل تلك المعالم دير اللاتين الجنوبي والمدرسة التابعة له. كنا نتقاطع مع فتيات المدرسة على جزء جبلي من الطريق تمر منه سكة الحديد. باحترام كان عليك أن تبتعد عن القضبان العرضية لتمشي على حافة الجبل لتمر الفتاة القادمة من الجهة المقابلة.
كنا أيام الأحد نسمع أجراس الكنيسة للصلاة. نشعر بكثير من الغبطة تماماً كما كنا بعد مسافة قليلة نشعر نفس الشعور ونحن نسمع صوت الأذان من جامع الشيشان القريب من مبنى البلدية الجديد، اقصد وقتها كان جديداً. أما أيامنا، عن أواخر الخمسينيات والستينيات أتحدث، فكان مبناها فوق سوق الخضار وفيه كانت دكانة أبي، ورئيسها كان المرحوم قاسم بولاد.
زملاء لنا في الثانوية كانوا يسكنون في شمال المدينة. كنا أحياناً نذهب اليهم في بيوتهم أو نتمشى في حاراتهم. في وسط تلك الحارات كان دير اللاتين الشمالي. نسخة عن ديرنا الجنوبي. الصلاة والأجراس والمدرسة و.. الإحساس بالطمأنينة.
لم نكن نشعر بأي فرق بين المسجد والكنيسة، بين الامام والخوري ولا بين مسلم ومسيحي. وكثيرا ما كنا نرى الامام والخوري يلتقيان في الشارع أو عند بقال يسلمان على بعضهما ويتحدثان طويلاً. أما عن الناس فكانوا جيرانا «الحيط بالحيط» يتشاركون الأفراح في الأعياد والأحزان في الوفيات. كان الجار، مسلما أو مسيحيا يقف مع جاره في تقبل العزاء، مبدأهم «جارك القريب ولا أخوك البعيد».
في دمشق حيث كنت أدرس في الجامعة سكنت وزميلين في احدى السنوات في باب توما وهو حي قديم طابعه مسيحي. كانت شبابيك الشقة التي استأجرناها تطل على باحة سكينة. كنا نشعر بكثير من الغبطة ونحن نرى المصلين يدخلون الى الكنيسة. رائحة البخور كانت تنفذ الينا أما الأجراس فكأنها تقرع بيننا.
أتذكر بحزن دير اللاتين في الزرقاء وكنيسة باب توما في دمشق، الجيران الأخوة، الأعياد الواحدة، الأسماء الموحدة، القلوب التي تشبه بعضها، تضخ دماً أصله واحد، عربي منذ آلاف السنين.
لم يكن ثمة داعش ودواعش. لم يكن أعداء لنا بيننا وبعيدين عنا. لم يكن ثمة كفار وتكفيريون ولا من يحلل ويحرم على مزاجه وهواه.
لم يكن ثمة مخَدرون ومخدرات باسماء نسمع بها لأول مرة، كبتاجون وكريستال ووو. ولا سوشال ميديا تصب الزيت على نار الفتن في هذا الشرق العربي المبتلى منذ 1948 بمخدر اسمه «إسرائيل» وعملاء اسرائيل!.
التعليقات