في ذاكرة البيوت الأردنية القديمة، حكايات ما تزال تفوح منها رائحة القهوة المرة، ويتردد فيها صوت الأواني وهي تنتقل بين الجيران استعدادا لعرس أو وليمة أو بيت عزاء، ومشاهد نساء يتشاركن إعداد الطعام.
ففيما تستعير إحداهن من جارتها طنجرة كبيرة، تطلب أخرى دلال القهوة أو سدرا للمنسف، ثم تعود الأغراض إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة، محمّلة أحيانا بشيء من الأرز أو الحلوى، وكأنها تحمل معها أثر الفرح ودفء المحبة. في تلك البيوت التي كانت أبوابها مفتوحة للجار والقريب، لم تكن الاستعارة مجرد حاجة تفرضها قلة الإمكانات، بل كانت عادة تختصر حكاية مجتمع يعرف كيف يتقاسم تفاصيل حياته، وكيف يجعل من أبسط الأشياء جسورا للمودة والتكافل. عائلات تتقاسم المستلزمات وعاء يخرج من بيت، وفرشة تُنقل إلى آخر، ودلّة قهوة تستقر أياما لدى الجيران؛ كانت جميعها شواهد على زمن لم تكن فيه قيمة الأشياء بما تساويه، بل بما تحمله من معانٍ إنسانية، وما تنسجه من علاقات بين الناس. وفي تلك التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في حسابات اليوم، تختبئ ذاكرة اجتماعية كاملة؛ لنساء كنّ يكتبن أسماءهن على الأواني بطلاء الأظافر حتى لا تختلط بغيرها، وجدّات يوصين بعدم ردّ جار طلب حاجة، وعائلات كانت تتقاسم مستلزمات الأفراح والأتراح، كما لو أن المناسبة تخص الجميع. واليوم، وبينما تتبدل البيوت وتتسارع الحياة وتتراجع بعض العادات القديمة، تستعيد 'العيرية'، كما يسميها الأردنيون في أحاديثهم الشعبية، حكايتها بوصفها أكثر من مجرد استعارة للأواني والأثاث؛ إنها حكاية زمن كان فيه الجار امتدادا للبيت، وكانت الأشياء البسيطة لغة للمحبة والتكافل. وفي تلك الحياة القائمة على المشاركة والتعاون، اعتادت العائلات استعارة ما تحتاج إليه من جيرانها وأقاربها، سواء كانت المناسبة عرسا أو وليمة أو بيت عزاء، أو لقاء اجتماعيا كبيرا يستدعي إعداد كميات من الطعام وترتيب أماكن جلوس الضيوف واستقبالهم. كتابة الأسماء على الأواني المستعارة وكانت الطناجر الكبيرة ودلال القهوة وصواني تقديم الطعام وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم، إلى جانب الكنب والفرش العربي، من أبرز المستلزمات التي تنتقل من بيت إلى آخر بحسب الحاجة، لتعود إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة. ولم تكن هذه الاستعارة تحتاج إلى إجراءات أو ترتيبات معقدة؛ فالثقة بين الناس كانت أساس هذه العلاقة، وكان من الطبيعي أن تلجأ سيدة إلى جارتها لتطلب منها ما تحتاج إليه، فتجد لديها ما يساعدها على تلبية متطلبات المناسبة. ومن التفاصيل اللافتة في هذه العادة التراثية حرص كثير من السيدات على كتابة أسمائهن أو أسماء عائلاتهن على الأواني والأدوات المنزلية التي يُعرنها للآخرين، باستخدام طلاء الأظافر أو مواد يصعب إزالتها، حتى يسهل تمييزها عند جمع الأغراض وإعادتها إلى أصحابها. فقد كانت الطناجر الكبيرة وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم ودلال القهوة تتشابه في أشكالها وأحجامها، خصوصا عندما تجتمع أعداد كبيرة منها في مكان واحد خلال المناسبات، الأمر الذي جعل كتابة الاسم وسيلة عملية لتحديد ملكية كل غرض، وتجنب اختلاط الأدوات بعد انتهاء الوليمة أو العزاء. أدوات تتنقل باستمرار بين البيوت وتستعيد إحدى الحكايات هذه التفاصيل من خلال 'أم مبارك'، التي اعتادت كتابة اسمها على الأواني التي تعيرها للآخرين، لتكون هذه العلامة البسيطة كفيلة بتمييز أغراضها عند انتهاء المناسبة، فتعود الأواني إلى البيوت التي خرجت منها، من دون أن تضيع وسط الأدوات المتشابهة. ولم تكن كتابة الأسماء تعبيرا عن التشدد في الاحتفاظ بالممتلكات، بقدر ما كانت حلا عمليا فرضته طبيعة الحياة آنذاك، حين كانت الأدوات تتنقل باستمرار بين البيوت، وتُجمع في نهاية المناسبة لإعادتها إلى أصحابها. فلكل عائلة أغراضها التي يعرفها الآخرون، ولكل سيدة طريقتها في تمييز ما تملكه، فيما ظلت الاستعارة قائمة على الثقة وحسن التعامل وردّ الأمانات. ويستذكر ماهر حسن وصية جدته بعدم ردّ الجيران عند استعارة الطناجر والصواني، خصوصا في المواسم، امتثالا لما ورد في قوله تعالى من وعيد لمن 'يمنعون الماعون'. ويقول إن هذه الذكرى تحمل له الكثير من الحنين، مستحضرا كيف تغيرت العادات وتراجعت تفاصيل بسيطة كانت تعزز التقارب بين الجيران، لتبقى حاضرة في الذاكرة مع رحيل أصحابها. التعاون في مواسم الحصاد وتستعيد كنانة علي بعض تفاصيل حياة النساء، حين كنّ يضعن علامات على أوانيهن باستخدام طلاء الأظافر حتى لا تختلط بأواني الأخريات. وترتبط هذه التفاصيل في ذاكرتها بأجواء الألفة والفرح آنذاك، لتبقى ذكراها حاضرة في الوجدان. أما أحمد العبود، فيتحدث عن بساطة الحياة في الماضي، حين كان الناس يعيشون على البركة، على حد تعبيره، ويتبادلون الأواني والملابس، ويتعاونون في مواسم الحصاد وبناء المنازل الطينية. ولم تقتصر 'الفزعة' على تقديم الجهد، بل امتدت إلى تلبية الاحتياجات المعيشية؛ فمن لا يملك المواشي كان يستعير نعجة أو عنزة لإطعام أطفاله، في عادة عُرفت بـ'المنيحة'، تُعاد فيها الدابة إلى صاحبها بعد انتهاء موسم الحليب، أو تُترك وقفا لمنفعة المحتاجين، بحسب ما يذكر العبود. 'العيرية' تسمية شعبية ويرى العبود أن قيمة تلك الحياة لم تتضح إلا بعد الانتقال إلى المدن، حيث أفرزت الحياة الصاخبة والمصطنعة أنماطا اجتماعية أبعدت الناس عن بساطتهم، وانتقصت من دفء العلاقات الإنسانية التي ميزت الماضي. من جانبه، يرى الباحث والمدون في التراث الأردني نايف النوايسة أن 'العيرية'، وهي التسمية الشعبية للاستعارة والإعارة، تمثل مظهرا من مظاهر التكافل الاجتماعي والتعاون بين العائلات والأفراد، وتعكس قدرة المجتمع الريفي على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل الاحتياجات والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران والأقارب والأصدقاء. ويوضح النوايسة أن العيرية كانت تشمل الأدوات الصلبة والأواني المستخدمة في الطهي وإعداد المشروبات، مثل القدور والصحون والملاعق والكؤوس وأباريق الشاي، إلى جانب الأدوات المرتبطة بتربية الحيوانات وحلبها واستخراج الزبدة والسمن، فضلا عن أدوات البناء، وحتى الأدوات المستخدمة في جزّ صوف الأغنام؛ إذ كان الشخص يستعير ما يحتاج إليه من جاره، ثم يعيده بعد الانتهاء من استخدامه. ويشير النوايسة إلى أن المجتمع الأردني عرف كذلك ما يسمى 'القرضة'، وهي استعارة المواد التي تؤكل أو تُشرب، مثل الطحين والسكر وبعض منتجات القمح، على أن تُعاد لاحقا. ويعكس هذا التمييز، وفق النوايسة، تنوع صور التعاون التي كانت تساعد الناس على توفير احتياجاتهم اليومية، في ظل ظروف معيشية لم تكن تتيح لكل عائلة امتلاك جميع الأدوات والمواد التي تحتاج إليها. تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن ويؤكد النوايسة أن هذه الممارسات لم تكن مجرد حلول عملية لتلبية الاحتياجات، بل كانت جزءا من منظومة اجتماعية تقوم على الثقة المتبادلة والتعاون، وتجعل الجار سندا لجاره في تفاصيل الحياة اليومية. فالمجتمع الريفي، كما يوضح، كان قادرا على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل ما لديه، سواء تعلق الأمر بأواني الطعام أو مستلزمات الضيافة أو الأدوات اللازمة للعمل والإنتاج. ويضيف أن العيرية امتدت إلى مستلزمات المناسبات الاجتماعية، إذ كانت العائلات تستعير الفرشات واللحف والأغطية عند إقامة الأعراس أو استقبال الضيوف، في وقت كانت فيه أماكن الجلوس والنوم تُجهّز بحسب الحاجة وعدد الحاضرين. لكن هذه الصورة بدأت تتراجع مع مرور الوقت، نتيجة تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن والمناسبات ووسائل تلبية الاحتياجات. الاستعانة بما يتوافر لدى الجيران ويعزو النوايسة تراجع العيرية إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية والمعيشية، من بينها الانتقال من البيوت الريفية المفتوحة إلى الشقق والعمارات السكنية، وتغير طبيعة المناسبات الاجتماعية، إلى جانب توافر الأدوات المنزلية بصورة أكبر، وتسارع إيقاع الحياة وانتشار الوجبات السريعة، فضلا عن تغير الظروف الاقتصادية وسبل تدبير الاحتياجات. كما يبين أن الحياة قديما، خصوصا لدى العائلات التي كانت تعيش في البراري بعيدا عن التجمعات السكانية، فرضت على الناس الاعتماد بعضهم على بعض، والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران لتلبية الاحتياجات التي يصعب توفيرها بصورة فردية. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على كثير من المستلزمات أكثر سهولة، وتغيرت أنماط السكن والمعيشة، ما قلل الحاجة العملية إلى الاستعارة المتكررة التي كانت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. ولم يقتصر التغيير على الأدوات المنزلية، بل شمل طبيعة المناسبات نفسها؛ فبعد أن كانت العائلة تستعين بجيرانها لتجهيز أماكن الجلوس واستقبال الضيوف وإعداد الطعام، أصبحت بعض الأسر تعتمد على خدمات إعداد الولائم وتجهيز مستلزمات الضيافة، فيما حلّت الكراسي في كثير من المناسبات مكان الفرشات التقليدية، وتراجعت الحاجة إلى استعارة اللحف والأغطية مع تغير أنماط السكن والاستقبال. ووفق النوايسة، فإن هذه التحولات لا تنفصل عن تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية ووسائل تدبير شؤون الحياة؛ فالعيرية كانت، في جانب منها، استجابة لاحتياجات فرضتها طبيعة العيش قديما، لكنها حملت في الوقت نفسه قيمة اجتماعية تجاوزت حدود المنفعة المادية، إذ جسدت الثقة والتعاون وروح المشاركة بين أفراد المجتمع. إعادة الأغراض والمحافظة عليها وكانت إعادة الأغراض بعد انتهاء المناسبة جزءا أساسيا من هذه المنظومة الاجتماعية؛ إذ تُجمع الطناجر والدلال والصواني والأثاث المستعار، ويُعاد كل منها إلى صاحبه، لتبقى العلاقة بين البيوت قائمة على الأخذ والعطاء، ولا تنتهي بانتهاء المناسبة نفسها. وتكشف تفاصيل هذه العادة أن الاستعارة لم تكن علاقة أحادية تقوم على الحصول على ما يحتاج إليه الآخر فحسب، بل كانت محكومة أيضا بالحرص على إعادة الأغراض والمحافظة عليها. وفي كثير من الأحيان، كانت بعض السيدات يحرصن على ألا تُعاد الأواني فارغة، فيضعن فيها شيئا من الأرز أو الحلوى أو غيرها من الأطعمة، تعبيرا عن المشاركة في الفرح وردّ الجميل، في تقليد يحمل دلالة اجتماعية على أن العطاء لا ينتهي بمجرد إعادة الغرض إلى صاحبه. لكن تراجع هذه العادة لا يعني اختفاءها بالكامل؛ فما تزال بعض العائلات والأحياء تحتفظ بها، وإن أصبحت محصورة في نطاق أضيق أو اقتصرت على أدوات محددة، بحسب طبيعة العلاقات بين الجيران والأقارب واحتياجات المناسبة.
الغد
في ذاكرة البيوت الأردنية القديمة، حكايات ما تزال تفوح منها رائحة القهوة المرة، ويتردد فيها صوت الأواني وهي تنتقل بين الجيران استعدادا لعرس أو وليمة أو بيت عزاء، ومشاهد نساء يتشاركن إعداد الطعام.
ففيما تستعير إحداهن من جارتها طنجرة كبيرة، تطلب أخرى دلال القهوة أو سدرا للمنسف، ثم تعود الأغراض إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة، محمّلة أحيانا بشيء من الأرز أو الحلوى، وكأنها تحمل معها أثر الفرح ودفء المحبة. في تلك البيوت التي كانت أبوابها مفتوحة للجار والقريب، لم تكن الاستعارة مجرد حاجة تفرضها قلة الإمكانات، بل كانت عادة تختصر حكاية مجتمع يعرف كيف يتقاسم تفاصيل حياته، وكيف يجعل من أبسط الأشياء جسورا للمودة والتكافل. عائلات تتقاسم المستلزمات وعاء يخرج من بيت، وفرشة تُنقل إلى آخر، ودلّة قهوة تستقر أياما لدى الجيران؛ كانت جميعها شواهد على زمن لم تكن فيه قيمة الأشياء بما تساويه، بل بما تحمله من معانٍ إنسانية، وما تنسجه من علاقات بين الناس. وفي تلك التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في حسابات اليوم، تختبئ ذاكرة اجتماعية كاملة؛ لنساء كنّ يكتبن أسماءهن على الأواني بطلاء الأظافر حتى لا تختلط بغيرها، وجدّات يوصين بعدم ردّ جار طلب حاجة، وعائلات كانت تتقاسم مستلزمات الأفراح والأتراح، كما لو أن المناسبة تخص الجميع. واليوم، وبينما تتبدل البيوت وتتسارع الحياة وتتراجع بعض العادات القديمة، تستعيد 'العيرية'، كما يسميها الأردنيون في أحاديثهم الشعبية، حكايتها بوصفها أكثر من مجرد استعارة للأواني والأثاث؛ إنها حكاية زمن كان فيه الجار امتدادا للبيت، وكانت الأشياء البسيطة لغة للمحبة والتكافل. وفي تلك الحياة القائمة على المشاركة والتعاون، اعتادت العائلات استعارة ما تحتاج إليه من جيرانها وأقاربها، سواء كانت المناسبة عرسا أو وليمة أو بيت عزاء، أو لقاء اجتماعيا كبيرا يستدعي إعداد كميات من الطعام وترتيب أماكن جلوس الضيوف واستقبالهم. كتابة الأسماء على الأواني المستعارة وكانت الطناجر الكبيرة ودلال القهوة وصواني تقديم الطعام وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم، إلى جانب الكنب والفرش العربي، من أبرز المستلزمات التي تنتقل من بيت إلى آخر بحسب الحاجة، لتعود إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة. ولم تكن هذه الاستعارة تحتاج إلى إجراءات أو ترتيبات معقدة؛ فالثقة بين الناس كانت أساس هذه العلاقة، وكان من الطبيعي أن تلجأ سيدة إلى جارتها لتطلب منها ما تحتاج إليه، فتجد لديها ما يساعدها على تلبية متطلبات المناسبة. ومن التفاصيل اللافتة في هذه العادة التراثية حرص كثير من السيدات على كتابة أسمائهن أو أسماء عائلاتهن على الأواني والأدوات المنزلية التي يُعرنها للآخرين، باستخدام طلاء الأظافر أو مواد يصعب إزالتها، حتى يسهل تمييزها عند جمع الأغراض وإعادتها إلى أصحابها. فقد كانت الطناجر الكبيرة وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم ودلال القهوة تتشابه في أشكالها وأحجامها، خصوصا عندما تجتمع أعداد كبيرة منها في مكان واحد خلال المناسبات، الأمر الذي جعل كتابة الاسم وسيلة عملية لتحديد ملكية كل غرض، وتجنب اختلاط الأدوات بعد انتهاء الوليمة أو العزاء. أدوات تتنقل باستمرار بين البيوت وتستعيد إحدى الحكايات هذه التفاصيل من خلال 'أم مبارك'، التي اعتادت كتابة اسمها على الأواني التي تعيرها للآخرين، لتكون هذه العلامة البسيطة كفيلة بتمييز أغراضها عند انتهاء المناسبة، فتعود الأواني إلى البيوت التي خرجت منها، من دون أن تضيع وسط الأدوات المتشابهة. ولم تكن كتابة الأسماء تعبيرا عن التشدد في الاحتفاظ بالممتلكات، بقدر ما كانت حلا عمليا فرضته طبيعة الحياة آنذاك، حين كانت الأدوات تتنقل باستمرار بين البيوت، وتُجمع في نهاية المناسبة لإعادتها إلى أصحابها. فلكل عائلة أغراضها التي يعرفها الآخرون، ولكل سيدة طريقتها في تمييز ما تملكه، فيما ظلت الاستعارة قائمة على الثقة وحسن التعامل وردّ الأمانات. ويستذكر ماهر حسن وصية جدته بعدم ردّ الجيران عند استعارة الطناجر والصواني، خصوصا في المواسم، امتثالا لما ورد في قوله تعالى من وعيد لمن 'يمنعون الماعون'. ويقول إن هذه الذكرى تحمل له الكثير من الحنين، مستحضرا كيف تغيرت العادات وتراجعت تفاصيل بسيطة كانت تعزز التقارب بين الجيران، لتبقى حاضرة في الذاكرة مع رحيل أصحابها. التعاون في مواسم الحصاد وتستعيد كنانة علي بعض تفاصيل حياة النساء، حين كنّ يضعن علامات على أوانيهن باستخدام طلاء الأظافر حتى لا تختلط بأواني الأخريات. وترتبط هذه التفاصيل في ذاكرتها بأجواء الألفة والفرح آنذاك، لتبقى ذكراها حاضرة في الوجدان. أما أحمد العبود، فيتحدث عن بساطة الحياة في الماضي، حين كان الناس يعيشون على البركة، على حد تعبيره، ويتبادلون الأواني والملابس، ويتعاونون في مواسم الحصاد وبناء المنازل الطينية. ولم تقتصر 'الفزعة' على تقديم الجهد، بل امتدت إلى تلبية الاحتياجات المعيشية؛ فمن لا يملك المواشي كان يستعير نعجة أو عنزة لإطعام أطفاله، في عادة عُرفت بـ'المنيحة'، تُعاد فيها الدابة إلى صاحبها بعد انتهاء موسم الحليب، أو تُترك وقفا لمنفعة المحتاجين، بحسب ما يذكر العبود. 'العيرية' تسمية شعبية ويرى العبود أن قيمة تلك الحياة لم تتضح إلا بعد الانتقال إلى المدن، حيث أفرزت الحياة الصاخبة والمصطنعة أنماطا اجتماعية أبعدت الناس عن بساطتهم، وانتقصت من دفء العلاقات الإنسانية التي ميزت الماضي. من جانبه، يرى الباحث والمدون في التراث الأردني نايف النوايسة أن 'العيرية'، وهي التسمية الشعبية للاستعارة والإعارة، تمثل مظهرا من مظاهر التكافل الاجتماعي والتعاون بين العائلات والأفراد، وتعكس قدرة المجتمع الريفي على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل الاحتياجات والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران والأقارب والأصدقاء. ويوضح النوايسة أن العيرية كانت تشمل الأدوات الصلبة والأواني المستخدمة في الطهي وإعداد المشروبات، مثل القدور والصحون والملاعق والكؤوس وأباريق الشاي، إلى جانب الأدوات المرتبطة بتربية الحيوانات وحلبها واستخراج الزبدة والسمن، فضلا عن أدوات البناء، وحتى الأدوات المستخدمة في جزّ صوف الأغنام؛ إذ كان الشخص يستعير ما يحتاج إليه من جاره، ثم يعيده بعد الانتهاء من استخدامه. ويشير النوايسة إلى أن المجتمع الأردني عرف كذلك ما يسمى 'القرضة'، وهي استعارة المواد التي تؤكل أو تُشرب، مثل الطحين والسكر وبعض منتجات القمح، على أن تُعاد لاحقا. ويعكس هذا التمييز، وفق النوايسة، تنوع صور التعاون التي كانت تساعد الناس على توفير احتياجاتهم اليومية، في ظل ظروف معيشية لم تكن تتيح لكل عائلة امتلاك جميع الأدوات والمواد التي تحتاج إليها. تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن ويؤكد النوايسة أن هذه الممارسات لم تكن مجرد حلول عملية لتلبية الاحتياجات، بل كانت جزءا من منظومة اجتماعية تقوم على الثقة المتبادلة والتعاون، وتجعل الجار سندا لجاره في تفاصيل الحياة اليومية. فالمجتمع الريفي، كما يوضح، كان قادرا على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل ما لديه، سواء تعلق الأمر بأواني الطعام أو مستلزمات الضيافة أو الأدوات اللازمة للعمل والإنتاج. ويضيف أن العيرية امتدت إلى مستلزمات المناسبات الاجتماعية، إذ كانت العائلات تستعير الفرشات واللحف والأغطية عند إقامة الأعراس أو استقبال الضيوف، في وقت كانت فيه أماكن الجلوس والنوم تُجهّز بحسب الحاجة وعدد الحاضرين. لكن هذه الصورة بدأت تتراجع مع مرور الوقت، نتيجة تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن والمناسبات ووسائل تلبية الاحتياجات. الاستعانة بما يتوافر لدى الجيران ويعزو النوايسة تراجع العيرية إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية والمعيشية، من بينها الانتقال من البيوت الريفية المفتوحة إلى الشقق والعمارات السكنية، وتغير طبيعة المناسبات الاجتماعية، إلى جانب توافر الأدوات المنزلية بصورة أكبر، وتسارع إيقاع الحياة وانتشار الوجبات السريعة، فضلا عن تغير الظروف الاقتصادية وسبل تدبير الاحتياجات. كما يبين أن الحياة قديما، خصوصا لدى العائلات التي كانت تعيش في البراري بعيدا عن التجمعات السكانية، فرضت على الناس الاعتماد بعضهم على بعض، والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران لتلبية الاحتياجات التي يصعب توفيرها بصورة فردية. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على كثير من المستلزمات أكثر سهولة، وتغيرت أنماط السكن والمعيشة، ما قلل الحاجة العملية إلى الاستعارة المتكررة التي كانت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. ولم يقتصر التغيير على الأدوات المنزلية، بل شمل طبيعة المناسبات نفسها؛ فبعد أن كانت العائلة تستعين بجيرانها لتجهيز أماكن الجلوس واستقبال الضيوف وإعداد الطعام، أصبحت بعض الأسر تعتمد على خدمات إعداد الولائم وتجهيز مستلزمات الضيافة، فيما حلّت الكراسي في كثير من المناسبات مكان الفرشات التقليدية، وتراجعت الحاجة إلى استعارة اللحف والأغطية مع تغير أنماط السكن والاستقبال. ووفق النوايسة، فإن هذه التحولات لا تنفصل عن تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية ووسائل تدبير شؤون الحياة؛ فالعيرية كانت، في جانب منها، استجابة لاحتياجات فرضتها طبيعة العيش قديما، لكنها حملت في الوقت نفسه قيمة اجتماعية تجاوزت حدود المنفعة المادية، إذ جسدت الثقة والتعاون وروح المشاركة بين أفراد المجتمع. إعادة الأغراض والمحافظة عليها وكانت إعادة الأغراض بعد انتهاء المناسبة جزءا أساسيا من هذه المنظومة الاجتماعية؛ إذ تُجمع الطناجر والدلال والصواني والأثاث المستعار، ويُعاد كل منها إلى صاحبه، لتبقى العلاقة بين البيوت قائمة على الأخذ والعطاء، ولا تنتهي بانتهاء المناسبة نفسها. وتكشف تفاصيل هذه العادة أن الاستعارة لم تكن علاقة أحادية تقوم على الحصول على ما يحتاج إليه الآخر فحسب، بل كانت محكومة أيضا بالحرص على إعادة الأغراض والمحافظة عليها. وفي كثير من الأحيان، كانت بعض السيدات يحرصن على ألا تُعاد الأواني فارغة، فيضعن فيها شيئا من الأرز أو الحلوى أو غيرها من الأطعمة، تعبيرا عن المشاركة في الفرح وردّ الجميل، في تقليد يحمل دلالة اجتماعية على أن العطاء لا ينتهي بمجرد إعادة الغرض إلى صاحبه. لكن تراجع هذه العادة لا يعني اختفاءها بالكامل؛ فما تزال بعض العائلات والأحياء تحتفظ بها، وإن أصبحت محصورة في نطاق أضيق أو اقتصرت على أدوات محددة، بحسب طبيعة العلاقات بين الجيران والأقارب واحتياجات المناسبة.
الغد
في ذاكرة البيوت الأردنية القديمة، حكايات ما تزال تفوح منها رائحة القهوة المرة، ويتردد فيها صوت الأواني وهي تنتقل بين الجيران استعدادا لعرس أو وليمة أو بيت عزاء، ومشاهد نساء يتشاركن إعداد الطعام.
ففيما تستعير إحداهن من جارتها طنجرة كبيرة، تطلب أخرى دلال القهوة أو سدرا للمنسف، ثم تعود الأغراض إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة، محمّلة أحيانا بشيء من الأرز أو الحلوى، وكأنها تحمل معها أثر الفرح ودفء المحبة. في تلك البيوت التي كانت أبوابها مفتوحة للجار والقريب، لم تكن الاستعارة مجرد حاجة تفرضها قلة الإمكانات، بل كانت عادة تختصر حكاية مجتمع يعرف كيف يتقاسم تفاصيل حياته، وكيف يجعل من أبسط الأشياء جسورا للمودة والتكافل. عائلات تتقاسم المستلزمات وعاء يخرج من بيت، وفرشة تُنقل إلى آخر، ودلّة قهوة تستقر أياما لدى الجيران؛ كانت جميعها شواهد على زمن لم تكن فيه قيمة الأشياء بما تساويه، بل بما تحمله من معانٍ إنسانية، وما تنسجه من علاقات بين الناس. وفي تلك التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في حسابات اليوم، تختبئ ذاكرة اجتماعية كاملة؛ لنساء كنّ يكتبن أسماءهن على الأواني بطلاء الأظافر حتى لا تختلط بغيرها، وجدّات يوصين بعدم ردّ جار طلب حاجة، وعائلات كانت تتقاسم مستلزمات الأفراح والأتراح، كما لو أن المناسبة تخص الجميع. واليوم، وبينما تتبدل البيوت وتتسارع الحياة وتتراجع بعض العادات القديمة، تستعيد 'العيرية'، كما يسميها الأردنيون في أحاديثهم الشعبية، حكايتها بوصفها أكثر من مجرد استعارة للأواني والأثاث؛ إنها حكاية زمن كان فيه الجار امتدادا للبيت، وكانت الأشياء البسيطة لغة للمحبة والتكافل. وفي تلك الحياة القائمة على المشاركة والتعاون، اعتادت العائلات استعارة ما تحتاج إليه من جيرانها وأقاربها، سواء كانت المناسبة عرسا أو وليمة أو بيت عزاء، أو لقاء اجتماعيا كبيرا يستدعي إعداد كميات من الطعام وترتيب أماكن جلوس الضيوف واستقبالهم. كتابة الأسماء على الأواني المستعارة وكانت الطناجر الكبيرة ودلال القهوة وصواني تقديم الطعام وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم، إلى جانب الكنب والفرش العربي، من أبرز المستلزمات التي تنتقل من بيت إلى آخر بحسب الحاجة، لتعود إلى أصحابها بعد انتهاء المناسبة. ولم تكن هذه الاستعارة تحتاج إلى إجراءات أو ترتيبات معقدة؛ فالثقة بين الناس كانت أساس هذه العلاقة، وكان من الطبيعي أن تلجأ سيدة إلى جارتها لتطلب منها ما تحتاج إليه، فتجد لديها ما يساعدها على تلبية متطلبات المناسبة. ومن التفاصيل اللافتة في هذه العادة التراثية حرص كثير من السيدات على كتابة أسمائهن أو أسماء عائلاتهن على الأواني والأدوات المنزلية التي يُعرنها للآخرين، باستخدام طلاء الأظافر أو مواد يصعب إزالتها، حتى يسهل تمييزها عند جمع الأغراض وإعادتها إلى أصحابها. فقد كانت الطناجر الكبيرة وسدور المنسف المصنوعة من الألمنيوم ودلال القهوة تتشابه في أشكالها وأحجامها، خصوصا عندما تجتمع أعداد كبيرة منها في مكان واحد خلال المناسبات، الأمر الذي جعل كتابة الاسم وسيلة عملية لتحديد ملكية كل غرض، وتجنب اختلاط الأدوات بعد انتهاء الوليمة أو العزاء. أدوات تتنقل باستمرار بين البيوت وتستعيد إحدى الحكايات هذه التفاصيل من خلال 'أم مبارك'، التي اعتادت كتابة اسمها على الأواني التي تعيرها للآخرين، لتكون هذه العلامة البسيطة كفيلة بتمييز أغراضها عند انتهاء المناسبة، فتعود الأواني إلى البيوت التي خرجت منها، من دون أن تضيع وسط الأدوات المتشابهة. ولم تكن كتابة الأسماء تعبيرا عن التشدد في الاحتفاظ بالممتلكات، بقدر ما كانت حلا عمليا فرضته طبيعة الحياة آنذاك، حين كانت الأدوات تتنقل باستمرار بين البيوت، وتُجمع في نهاية المناسبة لإعادتها إلى أصحابها. فلكل عائلة أغراضها التي يعرفها الآخرون، ولكل سيدة طريقتها في تمييز ما تملكه، فيما ظلت الاستعارة قائمة على الثقة وحسن التعامل وردّ الأمانات. ويستذكر ماهر حسن وصية جدته بعدم ردّ الجيران عند استعارة الطناجر والصواني، خصوصا في المواسم، امتثالا لما ورد في قوله تعالى من وعيد لمن 'يمنعون الماعون'. ويقول إن هذه الذكرى تحمل له الكثير من الحنين، مستحضرا كيف تغيرت العادات وتراجعت تفاصيل بسيطة كانت تعزز التقارب بين الجيران، لتبقى حاضرة في الذاكرة مع رحيل أصحابها. التعاون في مواسم الحصاد وتستعيد كنانة علي بعض تفاصيل حياة النساء، حين كنّ يضعن علامات على أوانيهن باستخدام طلاء الأظافر حتى لا تختلط بأواني الأخريات. وترتبط هذه التفاصيل في ذاكرتها بأجواء الألفة والفرح آنذاك، لتبقى ذكراها حاضرة في الوجدان. أما أحمد العبود، فيتحدث عن بساطة الحياة في الماضي، حين كان الناس يعيشون على البركة، على حد تعبيره، ويتبادلون الأواني والملابس، ويتعاونون في مواسم الحصاد وبناء المنازل الطينية. ولم تقتصر 'الفزعة' على تقديم الجهد، بل امتدت إلى تلبية الاحتياجات المعيشية؛ فمن لا يملك المواشي كان يستعير نعجة أو عنزة لإطعام أطفاله، في عادة عُرفت بـ'المنيحة'، تُعاد فيها الدابة إلى صاحبها بعد انتهاء موسم الحليب، أو تُترك وقفا لمنفعة المحتاجين، بحسب ما يذكر العبود. 'العيرية' تسمية شعبية ويرى العبود أن قيمة تلك الحياة لم تتضح إلا بعد الانتقال إلى المدن، حيث أفرزت الحياة الصاخبة والمصطنعة أنماطا اجتماعية أبعدت الناس عن بساطتهم، وانتقصت من دفء العلاقات الإنسانية التي ميزت الماضي. من جانبه، يرى الباحث والمدون في التراث الأردني نايف النوايسة أن 'العيرية'، وهي التسمية الشعبية للاستعارة والإعارة، تمثل مظهرا من مظاهر التكافل الاجتماعي والتعاون بين العائلات والأفراد، وتعكس قدرة المجتمع الريفي على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل الاحتياجات والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران والأقارب والأصدقاء. ويوضح النوايسة أن العيرية كانت تشمل الأدوات الصلبة والأواني المستخدمة في الطهي وإعداد المشروبات، مثل القدور والصحون والملاعق والكؤوس وأباريق الشاي، إلى جانب الأدوات المرتبطة بتربية الحيوانات وحلبها واستخراج الزبدة والسمن، فضلا عن أدوات البناء، وحتى الأدوات المستخدمة في جزّ صوف الأغنام؛ إذ كان الشخص يستعير ما يحتاج إليه من جاره، ثم يعيده بعد الانتهاء من استخدامه. ويشير النوايسة إلى أن المجتمع الأردني عرف كذلك ما يسمى 'القرضة'، وهي استعارة المواد التي تؤكل أو تُشرب، مثل الطحين والسكر وبعض منتجات القمح، على أن تُعاد لاحقا. ويعكس هذا التمييز، وفق النوايسة، تنوع صور التعاون التي كانت تساعد الناس على توفير احتياجاتهم اليومية، في ظل ظروف معيشية لم تكن تتيح لكل عائلة امتلاك جميع الأدوات والمواد التي تحتاج إليها. تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن ويؤكد النوايسة أن هذه الممارسات لم تكن مجرد حلول عملية لتلبية الاحتياجات، بل كانت جزءا من منظومة اجتماعية تقوم على الثقة المتبادلة والتعاون، وتجعل الجار سندا لجاره في تفاصيل الحياة اليومية. فالمجتمع الريفي، كما يوضح، كان قادرا على تدبير شؤون حياته من خلال تبادل ما لديه، سواء تعلق الأمر بأواني الطعام أو مستلزمات الضيافة أو الأدوات اللازمة للعمل والإنتاج. ويضيف أن العيرية امتدت إلى مستلزمات المناسبات الاجتماعية، إذ كانت العائلات تستعير الفرشات واللحف والأغطية عند إقامة الأعراس أو استقبال الضيوف، في وقت كانت فيه أماكن الجلوس والنوم تُجهّز بحسب الحاجة وعدد الحاضرين. لكن هذه الصورة بدأت تتراجع مع مرور الوقت، نتيجة تغير أنماط الحياة وتبدل طبيعة المساكن والمناسبات ووسائل تلبية الاحتياجات. الاستعانة بما يتوافر لدى الجيران ويعزو النوايسة تراجع العيرية إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية والمعيشية، من بينها الانتقال من البيوت الريفية المفتوحة إلى الشقق والعمارات السكنية، وتغير طبيعة المناسبات الاجتماعية، إلى جانب توافر الأدوات المنزلية بصورة أكبر، وتسارع إيقاع الحياة وانتشار الوجبات السريعة، فضلا عن تغير الظروف الاقتصادية وسبل تدبير الاحتياجات. كما يبين أن الحياة قديما، خصوصا لدى العائلات التي كانت تعيش في البراري بعيدا عن التجمعات السكانية، فرضت على الناس الاعتماد بعضهم على بعض، والاستعانة بما يتوافر لدى الجيران لتلبية الاحتياجات التي يصعب توفيرها بصورة فردية. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على كثير من المستلزمات أكثر سهولة، وتغيرت أنماط السكن والمعيشة، ما قلل الحاجة العملية إلى الاستعارة المتكررة التي كانت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. ولم يقتصر التغيير على الأدوات المنزلية، بل شمل طبيعة المناسبات نفسها؛ فبعد أن كانت العائلة تستعين بجيرانها لتجهيز أماكن الجلوس واستقبال الضيوف وإعداد الطعام، أصبحت بعض الأسر تعتمد على خدمات إعداد الولائم وتجهيز مستلزمات الضيافة، فيما حلّت الكراسي في كثير من المناسبات مكان الفرشات التقليدية، وتراجعت الحاجة إلى استعارة اللحف والأغطية مع تغير أنماط السكن والاستقبال. ووفق النوايسة، فإن هذه التحولات لا تنفصل عن تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية ووسائل تدبير شؤون الحياة؛ فالعيرية كانت، في جانب منها، استجابة لاحتياجات فرضتها طبيعة العيش قديما، لكنها حملت في الوقت نفسه قيمة اجتماعية تجاوزت حدود المنفعة المادية، إذ جسدت الثقة والتعاون وروح المشاركة بين أفراد المجتمع. إعادة الأغراض والمحافظة عليها وكانت إعادة الأغراض بعد انتهاء المناسبة جزءا أساسيا من هذه المنظومة الاجتماعية؛ إذ تُجمع الطناجر والدلال والصواني والأثاث المستعار، ويُعاد كل منها إلى صاحبه، لتبقى العلاقة بين البيوت قائمة على الأخذ والعطاء، ولا تنتهي بانتهاء المناسبة نفسها. وتكشف تفاصيل هذه العادة أن الاستعارة لم تكن علاقة أحادية تقوم على الحصول على ما يحتاج إليه الآخر فحسب، بل كانت محكومة أيضا بالحرص على إعادة الأغراض والمحافظة عليها. وفي كثير من الأحيان، كانت بعض السيدات يحرصن على ألا تُعاد الأواني فارغة، فيضعن فيها شيئا من الأرز أو الحلوى أو غيرها من الأطعمة، تعبيرا عن المشاركة في الفرح وردّ الجميل، في تقليد يحمل دلالة اجتماعية على أن العطاء لا ينتهي بمجرد إعادة الغرض إلى صاحبه. لكن تراجع هذه العادة لا يعني اختفاءها بالكامل؛ فما تزال بعض العائلات والأحياء تحتفظ بها، وإن أصبحت محصورة في نطاق أضيق أو اقتصرت على أدوات محددة، بحسب طبيعة العلاقات بين الجيران والأقارب واحتياجات المناسبة.
الغد
التعليقات
"العيرية" .. ذاكرة مجتمع جمعه التكافل في الأفراح والأتراح
التعليقات