رغم تحديد التشريعات شروط ترخيص النقل المدرسي وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية، لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية عن الطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، أو عدد هذه المركبات.
وبينما بدأت الحكومة تجربة للنقل المدرسي في 61 مدرسة، تبقى الحاجة قائمة إلى قياس حجم الاعتماد على النقل الخاص، ومدى الالتزام بشروط السلامة، والفجوة التي يفترض أن يغطيها البديل الحكومي.
في كل صباح دراسي، يغادر طلبة منازلهم إلى مدارسهم في باصات صغيرة باتت وسيلة نقل أساسية لعائلات لا تجد في مناطقها بديلاً مناسباً. بعض هذه الرحلات لا يستغرق سوى دقائق، لكنها تضع الأطفال تحت مسؤولية سائق ومركبة يفترض أن تتوفر فيهما شروط السلامة، وأن يخضع عملهما للترخيص والرقابة.
لا تتعلق المشكلة بمجرد وجود باصات صغيرة تنقل الطلبة، بل بقانونية استخدامها، ومدى استيفائها شروط السلامة، وقدرتها على استيعاب أعداد الركاب. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تعرف الجهات المعنية حجم هذه الظاهرة بما يكفي لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، وقياس فاعلية الرقابة، وتوفير بديل آمن للأهالي؟
تُظهر نتائج هذا التحقيق مفارقة بين التشريعات الوطنية الناظمة لعملية نقل الطلبة وبين الواقع الميداني؛ إذ تنص الأنظمة الصادرة على آليات واضحة للترخيص والرقابة، وتوزع المسؤوليات بين هيئة تنظيم النقل البري ووزارة التربية والتعليم والجهات الأمنية، غير أن تصريحات المسؤولين تكشف عن فجوة معلوماتية؛ إذ لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية دقيقة تقيس حجم المشكلة، أو أعداد الطلبة المعتمدين على النقل الخاص، أو عدد المركبات العاملة فعلياً في هذا المجال.
في المقابل، تقول هيئة تنظيم النقل البري أنها رخصت 2516 مركبة من خلال 27 مكتباً في أربع محافظات، هي عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. لكن الرقم لا يمثل حصراً لجميع المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً، ولا يوضح عدد المركبات التي تعمل خارج منظومة التصاريح، أو حجم الطلب على الخدمة في بقية المحافظات. وهنا تتضح المفارقة؛ تشريعات تنظم نقل الطلبة وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية، في مقابل غياب صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على الباصات الخاصة، ومدى كفاية الخدمة المرخصة والبديل الحكومي.
نظام يحدد المسؤوليات.. فأين بيانات التطبيق؟
لا يترك التشريع الأردني نقل الطلبة مقابل أجر دون تنظيم. فقد صدر نظام ترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال والعاملين لديها لسنة 2018، واضعاً إطاراً لترخيص المكاتب ومقدمي الخدمة والمركبات المستخدمة في هذا النشاط. تنص المادة الثالثة من النظام على حظر تقديم خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال قبل الحصول على الترخيص والتصريح وفق أحكام النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه. وذلك يعني أن امتلاك المركبة رخصة اقتناء سارية لا يكفي وحده لإثبات قانونية استخدامها لنقل الطلبة مقابل أجر، إذ يتطلب الأمر التحقق من التصريح الخاص بالخدمة واستيفاء شروطها.
فيما تحدد المادة الرابعة مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري، بما يشمل تنظيم تقديم الخدمة، وتحديد مواصفات المركبات، ومنح التصاريح، والرقابة على أداء المكاتب ومقدمي الخدمة والكشف عليهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند مخالفة أحكام النظام.
في المقابل، تحدد المادة ذاتها دور وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في التنسيق مع الهيئة لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، من خلال تشكيل لجنة في كل مدرسة برئاسة مدير المدرسة وعضوية المشرف التربوي ومندوب عن الأهالي. وتتولى اللجنة التنسيق مع الهيئة لتلبية الخدمة، وتقديم التقارير عن المخالفين والكشوفات والمستندات التي تطلبها الهيئة لتنظيم هذا النشاط. وبذلك، لا يجعل النظام وزارة التربية الجهة المسؤولة مباشرة عن ترخيص كل باص خاص، لكنه يمنحها دوراً في تحديد الحاجة إلى النقل المدرسي والتنسيق بشأنها، فيما تتولى هيئة النقل مسؤوليات الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة.
غير أن وجود هذه المسؤوليات في النص القانوني لا يجيب عن سؤال التطبيق: هل تتوافر لدى الجهات المعنية معلومات كافية لتحديد عدد الطلبة المحتاجين إلى النقل، ومناطق وجودهم، وعدد المركبات التي تخدمهم، والمركبات التي تقدم الخدمة دون التصاريح اللازمة؟
مدير وحدة الإعلام والاتصال في وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الدكتور مهند الخطيب، يوضح في رده على استفسارات 'الغد' أن الوزارة لا تمتلك بيانات أو تقديرات دقيقة عن العدد الإجمالي للطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، ولا العدد الإجمالي لهذه المركبات على مستوى المملكة.
ولا يثبت هذا الرد أن جميع الجهات الحكومية تفتقر إلى البيانات، لكنه يكشف أن الوزارة لا تمتلك صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على هذه الوسيلة، رغم دورها في التنسيق لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي.
ومن دون بيانات موحدة، يصبح من الصعب قياس الفجوة بين عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المرخصة، أو تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى تدخل حكومي. 2516 مركبة مرخصة رقم لا يكشف حجم الظاهرة
تقول هيئة تنظيم النقل البري، على لسان الناطق الإعلامي مدير وحدة الإعلام والاتصال، الدكتورة عبلة الوشاح، إن عدد المركبات المرخصة حتى وقت الرد بلغ 2516 مركبة، تعمل من خلال 27 مكتباً في عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. ويمثل هذا الرقم عدد المركبات التي أوردتها الهيئة ضمن نطاق الترخيص، لكنه لا يكشف عدد المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً في المملكة، ولا يسمح بمقارنة حجم الخدمة المرخصة بالطلب الفعلي عليها. كما لا يوضح مدى التزام المركبات المرخصة بشروطها أثناء التشغيل، أو عدد المركبات التي تنقل الطلبة دون التصريح المطلوب، أو عدد المخالفات التي ضبطت بحق مقدمي الخدمة والسائقين خلال فترة زمنية محددة.
وتحدد المادة السابعة من نظام 2018 فئات وسائط النقل المدرسي وفق عدد الركاب، وتشترط ألا يزيد موديل المركبة عند تسجيلها لأول مرة على خمس سنوات، كما تحدد العمر التشغيلي لسيارة الركوب بـ 15 سنة من تاريخ سنة الصنع، وللحافلة المتوسطة بـ 20 سنة. أما المواصفات الفنية التفصيلية، فيحددها النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه.
وتحدد المادة السادسة شروطاً لمقدم خدمة النقل، من بينها الجنسية الأردنية إذا كان شخصاً طبيعياً، والسن كما هو محدد في النظام، وحسن السيرة والسلوك، والحصول على رخصة سوق تخوله قيادة فئة المركبة، واللياقة الصحية، واجتياز دورات السلامة العامة والتعامل مع الطلبة.
هذه الشروط ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ فهي تحدد الحد الأدنى المطلوب قبل أن تتحول المركبة إلى وسيلة تنقل أطفالاً بصورة يومية. لكن وجودها في النظام لا يثبت وحده الالتزام بها على أرض الواقع.
ويحتاج تقييم الرقابة إلى بيانات عن التصاريح السارية، والمركبات التي جرى الكشف عليها، والمخالفات التي رصدت، وطبيعتها، والإجراءات المتخذة بحقها. ومن شأن نشر هذه المعلومات بصورة دورية أن يتيح قياس نتائج الرقابة بدل الاكتفاء بالإعلان عن وجودها. رخصة المركبة لا تعني ترخيص خدمة النقل
يظهر الفرق بين ترخيص المركبة وترخيص استخدامها في نقل الطلبة مقابل أجر في حوادث ومخالفات سابقة.
ففي نيسان 2018، وقع حادث تدهور باص صغير كان ينقل طالبات في منطقة جاوا جنوب عمّان، وأسفر عن وفاة طالبة وإصابة ست طالبات والسائق، وفق تقارير صحفية نقلت معلومات عن إدارة السير.
وبحسب تلك التغطيات، كانت المركبة مرخصة للسير وكان السائق يحمل رخصة قيادة، لكن الباص كان ينقل الطالبات مقابل أجر. وذكرت التقارير أن الحادث ارتبط بعدم التقيد بشاخصة قف.
وتوضح هذه الواقعة أهمية التمييز بين رخصة اقتناء المركبة ورخصة قيادة السائق، والتصريح اللازم لتقديم خدمة النقل المدرسي؛ فوجود الوثيقتين الأوليين لا يثبت، بمفرده، أن استخدام المركبة لنقل الطلبة مقابل أجر مستوفٍ لجميع الشروط.
وفي أيلول 2026، نشرت وسائل إعلام تفاصيل ضبط باص كان ينقل طلبة، بعد رصد مركبة تفتقر إلى مقومات السلامة العامة وكانت رخصة اقتنائها منتهية، وفق ما ورد في التغطية المنقولة عن الأمن العام. واتخذت الإجراءات القانونية بحق السائق. ولا تكفي هذه الواقعة لتحديد حجم المركبات المخالفة في المملكة، لكنها تبرز أن الرقابة لا تتعلق فقط بوجود تصريح للنقل المدرسي، بل تشمل أيضاً قانونية استخدام المركبة وسلامتها والتزامها بقواعد السير.
وتقول هيئة تنظيم النقل البري إن إدارة السير تحرر مخالفات عند ضبط باصات تنقل الطلبة، وإن فرقاً ميدانية من جهات عدة تشارك في الرقابة على هذه المركبات. غير أن الردود المتاحة لا تقدم حصيلة وطنية مفصلة للمخالفات التي ضبطت، موزعة حسب نوع المخالفة والمحافظة والسنة.
وتبقى هذه البيانات ضرورية لمعرفة ما إذا كانت المخالفات حالات متفرقة، أم أنها ترتبط بأنماط متكررة في استخدام المركبات أو تحميل الطلبة أو عدم الالتزام بشروط الخدمة.
الأمن العام: ليس من ضمن اختصاصنا.. أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟
عند سؤال مديرية الأمن العام عن مسؤوليتها في ملف الباصات الصغيرة التي تنقل الطلبة، أكد الناطق الإعلامي عامر السرطاوي أن هذا الملف 'ليس من ضمن اختصاصنا'. ولم تتلق الصحيفة، وفق المعلومات المتاحة لديها، رداً مكتوباً يوضح نطاق هذا الموقف أو المقصود تحديداً بالاختصاص الذي لا يشمل الملف.
ويطرح الرد تساؤلات حول حدود اختصاص الأمن العام في ملف نقل الطلبة، خصوصاً في ظل وقائع موثقة عن تدخل إدارة السير لضبط باصات مخالفة، ما يستدعي التمييز بين مسؤولية ترخيص خدمة النقل المدرسي وملاحقة المخالفات المرورية المرتبطة بها.
فالنظام الخاص بترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي يمنح هيئة تنظيم النقل البري صلاحيات محددة في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، أما مخالفات السير والحوادث المرورية فتخضع لقانون السير والتشريعات ذات الصلة، ضمن اختصاص الجهات المكلفة بتنفيذها.
وبالتالي، لا يكفي النص المنظم لترخيص النقل المدرسي للقول إن الأمن العام يتولى كل ما يتعلق بالترخيص، كما لا تكفي عبارة 'ليس من ضمن اختصاصنا' لتحديد ما إذا كان المقصود هو ترخيص الخدمة، أم ضبط المخالفات المرورية المرتبطة بها، أم التحقيق في الحوادث التي تتعلق بمركبات تنقل الطلبة.
ولا تثبت الوقائع المنشورة أن الأمن العام مسؤول عن كل جانب من جوانب تنظيم النقل المدرسي، لكنها تجعل من الضروري توضيح حدود الاختصاص وآليات التنسيق بين الجهات، حتى لا تبقى المسؤوليات ملتبسة أمام الأهالي.
فالسؤال ليس من يتولى ترخيص الباص فقط، بل من يتدخل عند ضبط مركبة تنقل الطلبة في ظروف مخالفة، ومن يحقق في الحوادث، وكيف تنتقل المعلومات بين الجهات المعنية؟
وفاة طفل داخل باص.. السلامة تبدأ قبل الرحلة وبعدها
في الثالث من أيلول 2026، توفي الطفل إلياس، البالغ خمس سنوات، بعد العثور عليه داخل باص نقل طلاب خاص في الزرقاء. وذكرت تغطيات إعلامية أن الطفل بقي داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، وأن السائقة نسيته وأغلقت الباص. كما تحدث والده، محمد، إلى وسائل إعلام عن توجهه إلى القضاء.
ولا يجوز اعتبار المسؤولية النهائية في هذه الواقعة محسومة قبل استكمال التحقيق والإجراءات القضائية. لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالاً عن الإجراءات التي تمنع بقاء طفل داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، ومدى الالتزام بالتدابير التي تضمن التأكد من خلو الباص من الطلبة.
وتتضمن الشروط والالتزامات التي أوردتها هيئة تنظيم النقل البري إجراءات تتعلق بفحص المركبة والتأكد من خلوها من الطلبة في نهاية الرحلة، إلى جانب قواعد السلامة أثناء القيادة والتحميل والتنزيل.
وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من أن سلامة النقل المدرسي لا تتعلق فقط بحالة المركبة أو سرعة سيرها، بل تشمل أيضاً الإجراءات التشغيلية قبل الرحلة وبعدها، والتأكد من وصول الطلبة ومغادرتهم المركبة على نحو آمن.
وتظهر تغطيات صحفية سابقة مخاطر أخرى ارتبطت بالنقل المدرسي، بينها حوادث مرورية وشكاوى من اكتظاظ بعض الباصات الصغيرة بالطلبة. غير أن جمع هذه الوقائع في حصيلة رقمية واحدة يتطلب التحقق من ملفاتها الأصلية، وتحديد ما إذا كانت المركبات تعمل ضمن خدمة نقل مدرسي مقابل أجر، وما إذا كانت مرخصة لهذه الغاية، وما انتهت إليه التحقيقات.
ولا تتوافر ضمن البيانات التي حصلت عليها 'الغد' حصيلة وطنية موحدة تربط حوادث النقل المدرسي بنوع المركبة، ووضع تصريحها، وعدد الركاب، ونتائج التحقيق في كل حادث. وهذا لا يثبت أن هذه المعلومات غير موجودة لدى جميع الجهات، لكنه يعني أن الصحيفة لم تحصل على قاعدة بيانات تسمح بقياس حجم المشكلة بدقة.
تجربة حكومية في 61 مدرسة.. لكن ماذا عن بقية المملكة؟
في مواجهة الحاجة إلى النقل المدرسي، تعمل وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية على تطوير نموذج للنقل الحكومي. ويقول مدير وحدة الإعلام والاتصال في الوزارة، الدكتور مهند الخطيب، إن مسار المشروع بدأ عام 2018 بالتعاون مع جهة مانحة، واستمر حتى نهاية عام 2022 دون تطوير النموذج، قبل أن يعاد العمل عليه مطلع عام 2025 بالتعاون مع هيئة تنظيم النقل البري ووحدة مشروعات الشراكة في وزارة الاستثمار.
وأجرت الوزارة خلال عام 2025 مسحاً ميدانياً ورابطاً إلكترونياً في مدارس البادية الجنوبية والعقبة، بهدف حصر رغبات الطلبة والكوادر التعليمية في استخدام النقل الحكومي، والتعرف إلى وسائل النقل المستخدمة آنذاك.
وبحسب الوزارة، بدأت المرحلة التجريبية للعام الدراسي 2027/2026 في 61 مدرسة حكومية في البادية الجنوبية والعقبة، ويستفيد منها نحو 9938 شخصاً من الطلبة والكوادر التعليمية، من خلال 110 حافلات تشغيلية و10 حافلات احتياطية.
ويمثل هذا النموذج خطوة عملية في توفير خدمة نقل حكومي، لكنه لا يشكل حتى الآن تغطية وطنية شاملة. كما تقول الوزارة إنها لا تمتلك بيانات عن وسيلة النقل التي كان يستخدمها كل طالب قبل إطلاق الخدمة، ما يحد من القدرة على تحديد عدد المستفيدين الذين انتقلوا من الباصات الصغيرة الخاصة إلى النظام الحكومي.
وتوضح الوزارة أن اختيار المناطق استند إلى نتائج الاستبيانات والتحديات الجغرافية، مع استهداف المدارس التي يزيد عدد طلبتها على 200. أما التوسع في مناطق أخرى، فسيعتمد على نتائج التقييم الفني والمالي، من دون جدول زمني محدد للتعميم حتى وقت الرد.
وتعني هذه المعطيات أن المشروع بدأ التطبيق، لكن حجم الحاجة على مستوى المملكة ما يزال غير محدد في البيانات التي حصلت عليها 'الغد'. فلا تتوفر أرقام وطنية توضح عدد الطلبة الذين يعتمدون على النقل الخاص، أو المناطق التي تحتاج إلى التدخل أولاً، أو حجم الفجوة بين الطلب على النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المتاحة.
ولكي يصبح تقييم التجربة ممكناً، تبرز أهمية نشر نتائجها بعد انتهاء المرحلة التجريبية، بما يشمل أعداد الطلبة المستفيدين، والكلفة التشغيلية، وانتظام الخدمة، والمناطق التي غطتها، ومدى انعكاسها على الحاجة إلى وسائل النقل الأخرى. كما أن ربط نتائج التجربة ببيانات المدارس والجهات المنظمة للنقل يمكن أن يساعد في تحديد أولويات التوسع على أساس الحاجة الفعلية.
الحاجة إلى النقل لا تلغي شروط السلامة
لا يمكن فصل انتشار الباصات الصغيرة التي تنقل طلبة المدارس الحكومية عن حاجة الأهالي إلى وسيلة توصل أبناءهم إلى المدارس. وقد تناولت تقارير صحفية سابقة شكاوى أسر من عدم توافر بدائل مناسبة في بعض المناطق، واضطرارها إلى الاعتماد على مركبات صغيرة، فيما تناولت تقارير أخرى مشكلات تتعلق بالاكتظاظ وكلفة النقل.
لكن الحاجة إلى الخدمة لا تعفي مقدمها من شروط الترخيص والسلامة، كما أن وجود نظام للترخيص لا يلغي الحاجة إلى بديل فعلي ومتاح. فالتعامل مع المشكلة لا يكتمل بمجرد ضبط مركبة مخالفة إذا بقي الطلب على النقل قائماً من دون خيارات مناسبة، ولا بمجرد إعلان مشروع حكومي تجريبي إذا لم تتوافر بيانات تبين أين يحتاج الطلبة إلى الخدمة أكثر من غيرهم.
ويحدد نظام 2018 مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، فيما يضع على وزارة التربية دوراً في التنسيق لتحديد الحاجة وتقديم التقارير عن المخالفات. أما مخالفات السير والحوادث المرورية، فتخضع للإطار القانوني المنظم لها بحسب طبيعة كل واقعة واختصاص الجهة المعنية.
ومن هنا، لا يتمثل المطلوب في البحث عن جهة واحدة تتحمل وحدها جميع أوجه المشكلة، بل في معرفة كيفية عمل هذه المسؤوليات معاً: هل تصل تقارير المدارس إلى هيئة النقل؟ وهل تقابلها كشوفات ومتابعة ميدانية؟ وهل تتوافر بيانات منشورة عن الضبط والإجراءات؟ وهل يتيح النقل الحكومي بديلاً للطلبة الذين لا تتوافر لهم خدمة مناسبة؟
من ينقل الطلبة، ومن يعرف حجم الحاجة؟
للوقوف على أبعاد الملف، تتبعت 'الغد' حوادث ومخالفات مرتبطة بنقل الطلبة، وراجعت التشريعات الناظمة للقطاع، وتواصلت مع الجهات الرسمية المعنية للحصول على إجابات بشأن شروط الترخيص، وحدود المسؤوليات، وأعداد المركبات والطلبة الذين يعتمدون على هذه الخدمة. وشمل التتبع مراجعة الردود الرسمية وتدقيقها، ومقارنة ما تنص عليه التشريعات بما أمكن الحصول عليه من بيانات، في محاولة لرسم صورة أوضح لواقع نقل طلبة المدارس الحكومية. لا تكفي التشريعات وحدها لضمان سلامة الطلبة، كما لا يكفي ضبط باص مخالف أو ترخيص مركبة لإثبات أن منظومة النقل تعمل بكفاءة. فالمسؤولية تبدأ من معرفة عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى الخدمة، وحصر المركبات التي تقدمها، ومراقبة التزامها بشروط السلامة، وصولاً إلى توفير بديل حكومي يغطي المناطق التي تفتقر إلى خيارات مناسبة. وبينما تتحمل الأسر كلفة النقل وقلق الطريق يومياً، تبقى مسؤولية الجهات الحكومية أن تحول النصوص القانونية إلى منظومة قابلة للقياس والمساءلة، وألا يظل الوصول إلى المدرسة عبئاً تتحمله كل أسرة وحدها، أو مغامرة يومية تتوقف سلامة أطفالها على حلول نقل متفرقة.
الغد
رغم تحديد التشريعات شروط ترخيص النقل المدرسي وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية، لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية عن الطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، أو عدد هذه المركبات.
وبينما بدأت الحكومة تجربة للنقل المدرسي في 61 مدرسة، تبقى الحاجة قائمة إلى قياس حجم الاعتماد على النقل الخاص، ومدى الالتزام بشروط السلامة، والفجوة التي يفترض أن يغطيها البديل الحكومي.
في كل صباح دراسي، يغادر طلبة منازلهم إلى مدارسهم في باصات صغيرة باتت وسيلة نقل أساسية لعائلات لا تجد في مناطقها بديلاً مناسباً. بعض هذه الرحلات لا يستغرق سوى دقائق، لكنها تضع الأطفال تحت مسؤولية سائق ومركبة يفترض أن تتوفر فيهما شروط السلامة، وأن يخضع عملهما للترخيص والرقابة.
لا تتعلق المشكلة بمجرد وجود باصات صغيرة تنقل الطلبة، بل بقانونية استخدامها، ومدى استيفائها شروط السلامة، وقدرتها على استيعاب أعداد الركاب. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تعرف الجهات المعنية حجم هذه الظاهرة بما يكفي لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، وقياس فاعلية الرقابة، وتوفير بديل آمن للأهالي؟
تُظهر نتائج هذا التحقيق مفارقة بين التشريعات الوطنية الناظمة لعملية نقل الطلبة وبين الواقع الميداني؛ إذ تنص الأنظمة الصادرة على آليات واضحة للترخيص والرقابة، وتوزع المسؤوليات بين هيئة تنظيم النقل البري ووزارة التربية والتعليم والجهات الأمنية، غير أن تصريحات المسؤولين تكشف عن فجوة معلوماتية؛ إذ لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية دقيقة تقيس حجم المشكلة، أو أعداد الطلبة المعتمدين على النقل الخاص، أو عدد المركبات العاملة فعلياً في هذا المجال.
في المقابل، تقول هيئة تنظيم النقل البري أنها رخصت 2516 مركبة من خلال 27 مكتباً في أربع محافظات، هي عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. لكن الرقم لا يمثل حصراً لجميع المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً، ولا يوضح عدد المركبات التي تعمل خارج منظومة التصاريح، أو حجم الطلب على الخدمة في بقية المحافظات. وهنا تتضح المفارقة؛ تشريعات تنظم نقل الطلبة وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية، في مقابل غياب صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على الباصات الخاصة، ومدى كفاية الخدمة المرخصة والبديل الحكومي.
نظام يحدد المسؤوليات.. فأين بيانات التطبيق؟
لا يترك التشريع الأردني نقل الطلبة مقابل أجر دون تنظيم. فقد صدر نظام ترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال والعاملين لديها لسنة 2018، واضعاً إطاراً لترخيص المكاتب ومقدمي الخدمة والمركبات المستخدمة في هذا النشاط. تنص المادة الثالثة من النظام على حظر تقديم خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال قبل الحصول على الترخيص والتصريح وفق أحكام النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه. وذلك يعني أن امتلاك المركبة رخصة اقتناء سارية لا يكفي وحده لإثبات قانونية استخدامها لنقل الطلبة مقابل أجر، إذ يتطلب الأمر التحقق من التصريح الخاص بالخدمة واستيفاء شروطها.
فيما تحدد المادة الرابعة مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري، بما يشمل تنظيم تقديم الخدمة، وتحديد مواصفات المركبات، ومنح التصاريح، والرقابة على أداء المكاتب ومقدمي الخدمة والكشف عليهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند مخالفة أحكام النظام.
في المقابل، تحدد المادة ذاتها دور وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في التنسيق مع الهيئة لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، من خلال تشكيل لجنة في كل مدرسة برئاسة مدير المدرسة وعضوية المشرف التربوي ومندوب عن الأهالي. وتتولى اللجنة التنسيق مع الهيئة لتلبية الخدمة، وتقديم التقارير عن المخالفين والكشوفات والمستندات التي تطلبها الهيئة لتنظيم هذا النشاط. وبذلك، لا يجعل النظام وزارة التربية الجهة المسؤولة مباشرة عن ترخيص كل باص خاص، لكنه يمنحها دوراً في تحديد الحاجة إلى النقل المدرسي والتنسيق بشأنها، فيما تتولى هيئة النقل مسؤوليات الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة.
غير أن وجود هذه المسؤوليات في النص القانوني لا يجيب عن سؤال التطبيق: هل تتوافر لدى الجهات المعنية معلومات كافية لتحديد عدد الطلبة المحتاجين إلى النقل، ومناطق وجودهم، وعدد المركبات التي تخدمهم، والمركبات التي تقدم الخدمة دون التصاريح اللازمة؟
مدير وحدة الإعلام والاتصال في وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الدكتور مهند الخطيب، يوضح في رده على استفسارات 'الغد' أن الوزارة لا تمتلك بيانات أو تقديرات دقيقة عن العدد الإجمالي للطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، ولا العدد الإجمالي لهذه المركبات على مستوى المملكة.
ولا يثبت هذا الرد أن جميع الجهات الحكومية تفتقر إلى البيانات، لكنه يكشف أن الوزارة لا تمتلك صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على هذه الوسيلة، رغم دورها في التنسيق لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي.
ومن دون بيانات موحدة، يصبح من الصعب قياس الفجوة بين عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المرخصة، أو تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى تدخل حكومي. 2516 مركبة مرخصة رقم لا يكشف حجم الظاهرة
تقول هيئة تنظيم النقل البري، على لسان الناطق الإعلامي مدير وحدة الإعلام والاتصال، الدكتورة عبلة الوشاح، إن عدد المركبات المرخصة حتى وقت الرد بلغ 2516 مركبة، تعمل من خلال 27 مكتباً في عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. ويمثل هذا الرقم عدد المركبات التي أوردتها الهيئة ضمن نطاق الترخيص، لكنه لا يكشف عدد المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً في المملكة، ولا يسمح بمقارنة حجم الخدمة المرخصة بالطلب الفعلي عليها. كما لا يوضح مدى التزام المركبات المرخصة بشروطها أثناء التشغيل، أو عدد المركبات التي تنقل الطلبة دون التصريح المطلوب، أو عدد المخالفات التي ضبطت بحق مقدمي الخدمة والسائقين خلال فترة زمنية محددة.
وتحدد المادة السابعة من نظام 2018 فئات وسائط النقل المدرسي وفق عدد الركاب، وتشترط ألا يزيد موديل المركبة عند تسجيلها لأول مرة على خمس سنوات، كما تحدد العمر التشغيلي لسيارة الركوب بـ 15 سنة من تاريخ سنة الصنع، وللحافلة المتوسطة بـ 20 سنة. أما المواصفات الفنية التفصيلية، فيحددها النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه.
وتحدد المادة السادسة شروطاً لمقدم خدمة النقل، من بينها الجنسية الأردنية إذا كان شخصاً طبيعياً، والسن كما هو محدد في النظام، وحسن السيرة والسلوك، والحصول على رخصة سوق تخوله قيادة فئة المركبة، واللياقة الصحية، واجتياز دورات السلامة العامة والتعامل مع الطلبة.
هذه الشروط ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ فهي تحدد الحد الأدنى المطلوب قبل أن تتحول المركبة إلى وسيلة تنقل أطفالاً بصورة يومية. لكن وجودها في النظام لا يثبت وحده الالتزام بها على أرض الواقع.
ويحتاج تقييم الرقابة إلى بيانات عن التصاريح السارية، والمركبات التي جرى الكشف عليها، والمخالفات التي رصدت، وطبيعتها، والإجراءات المتخذة بحقها. ومن شأن نشر هذه المعلومات بصورة دورية أن يتيح قياس نتائج الرقابة بدل الاكتفاء بالإعلان عن وجودها. رخصة المركبة لا تعني ترخيص خدمة النقل
يظهر الفرق بين ترخيص المركبة وترخيص استخدامها في نقل الطلبة مقابل أجر في حوادث ومخالفات سابقة.
ففي نيسان 2018، وقع حادث تدهور باص صغير كان ينقل طالبات في منطقة جاوا جنوب عمّان، وأسفر عن وفاة طالبة وإصابة ست طالبات والسائق، وفق تقارير صحفية نقلت معلومات عن إدارة السير.
وبحسب تلك التغطيات، كانت المركبة مرخصة للسير وكان السائق يحمل رخصة قيادة، لكن الباص كان ينقل الطالبات مقابل أجر. وذكرت التقارير أن الحادث ارتبط بعدم التقيد بشاخصة قف.
وتوضح هذه الواقعة أهمية التمييز بين رخصة اقتناء المركبة ورخصة قيادة السائق، والتصريح اللازم لتقديم خدمة النقل المدرسي؛ فوجود الوثيقتين الأوليين لا يثبت، بمفرده، أن استخدام المركبة لنقل الطلبة مقابل أجر مستوفٍ لجميع الشروط.
وفي أيلول 2026، نشرت وسائل إعلام تفاصيل ضبط باص كان ينقل طلبة، بعد رصد مركبة تفتقر إلى مقومات السلامة العامة وكانت رخصة اقتنائها منتهية، وفق ما ورد في التغطية المنقولة عن الأمن العام. واتخذت الإجراءات القانونية بحق السائق. ولا تكفي هذه الواقعة لتحديد حجم المركبات المخالفة في المملكة، لكنها تبرز أن الرقابة لا تتعلق فقط بوجود تصريح للنقل المدرسي، بل تشمل أيضاً قانونية استخدام المركبة وسلامتها والتزامها بقواعد السير.
وتقول هيئة تنظيم النقل البري إن إدارة السير تحرر مخالفات عند ضبط باصات تنقل الطلبة، وإن فرقاً ميدانية من جهات عدة تشارك في الرقابة على هذه المركبات. غير أن الردود المتاحة لا تقدم حصيلة وطنية مفصلة للمخالفات التي ضبطت، موزعة حسب نوع المخالفة والمحافظة والسنة.
وتبقى هذه البيانات ضرورية لمعرفة ما إذا كانت المخالفات حالات متفرقة، أم أنها ترتبط بأنماط متكررة في استخدام المركبات أو تحميل الطلبة أو عدم الالتزام بشروط الخدمة.
الأمن العام: ليس من ضمن اختصاصنا.. أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟
عند سؤال مديرية الأمن العام عن مسؤوليتها في ملف الباصات الصغيرة التي تنقل الطلبة، أكد الناطق الإعلامي عامر السرطاوي أن هذا الملف 'ليس من ضمن اختصاصنا'. ولم تتلق الصحيفة، وفق المعلومات المتاحة لديها، رداً مكتوباً يوضح نطاق هذا الموقف أو المقصود تحديداً بالاختصاص الذي لا يشمل الملف.
ويطرح الرد تساؤلات حول حدود اختصاص الأمن العام في ملف نقل الطلبة، خصوصاً في ظل وقائع موثقة عن تدخل إدارة السير لضبط باصات مخالفة، ما يستدعي التمييز بين مسؤولية ترخيص خدمة النقل المدرسي وملاحقة المخالفات المرورية المرتبطة بها.
فالنظام الخاص بترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي يمنح هيئة تنظيم النقل البري صلاحيات محددة في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، أما مخالفات السير والحوادث المرورية فتخضع لقانون السير والتشريعات ذات الصلة، ضمن اختصاص الجهات المكلفة بتنفيذها.
وبالتالي، لا يكفي النص المنظم لترخيص النقل المدرسي للقول إن الأمن العام يتولى كل ما يتعلق بالترخيص، كما لا تكفي عبارة 'ليس من ضمن اختصاصنا' لتحديد ما إذا كان المقصود هو ترخيص الخدمة، أم ضبط المخالفات المرورية المرتبطة بها، أم التحقيق في الحوادث التي تتعلق بمركبات تنقل الطلبة.
ولا تثبت الوقائع المنشورة أن الأمن العام مسؤول عن كل جانب من جوانب تنظيم النقل المدرسي، لكنها تجعل من الضروري توضيح حدود الاختصاص وآليات التنسيق بين الجهات، حتى لا تبقى المسؤوليات ملتبسة أمام الأهالي.
فالسؤال ليس من يتولى ترخيص الباص فقط، بل من يتدخل عند ضبط مركبة تنقل الطلبة في ظروف مخالفة، ومن يحقق في الحوادث، وكيف تنتقل المعلومات بين الجهات المعنية؟
وفاة طفل داخل باص.. السلامة تبدأ قبل الرحلة وبعدها
في الثالث من أيلول 2026، توفي الطفل إلياس، البالغ خمس سنوات، بعد العثور عليه داخل باص نقل طلاب خاص في الزرقاء. وذكرت تغطيات إعلامية أن الطفل بقي داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، وأن السائقة نسيته وأغلقت الباص. كما تحدث والده، محمد، إلى وسائل إعلام عن توجهه إلى القضاء.
ولا يجوز اعتبار المسؤولية النهائية في هذه الواقعة محسومة قبل استكمال التحقيق والإجراءات القضائية. لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالاً عن الإجراءات التي تمنع بقاء طفل داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، ومدى الالتزام بالتدابير التي تضمن التأكد من خلو الباص من الطلبة.
وتتضمن الشروط والالتزامات التي أوردتها هيئة تنظيم النقل البري إجراءات تتعلق بفحص المركبة والتأكد من خلوها من الطلبة في نهاية الرحلة، إلى جانب قواعد السلامة أثناء القيادة والتحميل والتنزيل.
وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من أن سلامة النقل المدرسي لا تتعلق فقط بحالة المركبة أو سرعة سيرها، بل تشمل أيضاً الإجراءات التشغيلية قبل الرحلة وبعدها، والتأكد من وصول الطلبة ومغادرتهم المركبة على نحو آمن.
وتظهر تغطيات صحفية سابقة مخاطر أخرى ارتبطت بالنقل المدرسي، بينها حوادث مرورية وشكاوى من اكتظاظ بعض الباصات الصغيرة بالطلبة. غير أن جمع هذه الوقائع في حصيلة رقمية واحدة يتطلب التحقق من ملفاتها الأصلية، وتحديد ما إذا كانت المركبات تعمل ضمن خدمة نقل مدرسي مقابل أجر، وما إذا كانت مرخصة لهذه الغاية، وما انتهت إليه التحقيقات.
ولا تتوافر ضمن البيانات التي حصلت عليها 'الغد' حصيلة وطنية موحدة تربط حوادث النقل المدرسي بنوع المركبة، ووضع تصريحها، وعدد الركاب، ونتائج التحقيق في كل حادث. وهذا لا يثبت أن هذه المعلومات غير موجودة لدى جميع الجهات، لكنه يعني أن الصحيفة لم تحصل على قاعدة بيانات تسمح بقياس حجم المشكلة بدقة.
تجربة حكومية في 61 مدرسة.. لكن ماذا عن بقية المملكة؟
في مواجهة الحاجة إلى النقل المدرسي، تعمل وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية على تطوير نموذج للنقل الحكومي. ويقول مدير وحدة الإعلام والاتصال في الوزارة، الدكتور مهند الخطيب، إن مسار المشروع بدأ عام 2018 بالتعاون مع جهة مانحة، واستمر حتى نهاية عام 2022 دون تطوير النموذج، قبل أن يعاد العمل عليه مطلع عام 2025 بالتعاون مع هيئة تنظيم النقل البري ووحدة مشروعات الشراكة في وزارة الاستثمار.
وأجرت الوزارة خلال عام 2025 مسحاً ميدانياً ورابطاً إلكترونياً في مدارس البادية الجنوبية والعقبة، بهدف حصر رغبات الطلبة والكوادر التعليمية في استخدام النقل الحكومي، والتعرف إلى وسائل النقل المستخدمة آنذاك.
وبحسب الوزارة، بدأت المرحلة التجريبية للعام الدراسي 2027/2026 في 61 مدرسة حكومية في البادية الجنوبية والعقبة، ويستفيد منها نحو 9938 شخصاً من الطلبة والكوادر التعليمية، من خلال 110 حافلات تشغيلية و10 حافلات احتياطية.
ويمثل هذا النموذج خطوة عملية في توفير خدمة نقل حكومي، لكنه لا يشكل حتى الآن تغطية وطنية شاملة. كما تقول الوزارة إنها لا تمتلك بيانات عن وسيلة النقل التي كان يستخدمها كل طالب قبل إطلاق الخدمة، ما يحد من القدرة على تحديد عدد المستفيدين الذين انتقلوا من الباصات الصغيرة الخاصة إلى النظام الحكومي.
وتوضح الوزارة أن اختيار المناطق استند إلى نتائج الاستبيانات والتحديات الجغرافية، مع استهداف المدارس التي يزيد عدد طلبتها على 200. أما التوسع في مناطق أخرى، فسيعتمد على نتائج التقييم الفني والمالي، من دون جدول زمني محدد للتعميم حتى وقت الرد.
وتعني هذه المعطيات أن المشروع بدأ التطبيق، لكن حجم الحاجة على مستوى المملكة ما يزال غير محدد في البيانات التي حصلت عليها 'الغد'. فلا تتوفر أرقام وطنية توضح عدد الطلبة الذين يعتمدون على النقل الخاص، أو المناطق التي تحتاج إلى التدخل أولاً، أو حجم الفجوة بين الطلب على النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المتاحة.
ولكي يصبح تقييم التجربة ممكناً، تبرز أهمية نشر نتائجها بعد انتهاء المرحلة التجريبية، بما يشمل أعداد الطلبة المستفيدين، والكلفة التشغيلية، وانتظام الخدمة، والمناطق التي غطتها، ومدى انعكاسها على الحاجة إلى وسائل النقل الأخرى. كما أن ربط نتائج التجربة ببيانات المدارس والجهات المنظمة للنقل يمكن أن يساعد في تحديد أولويات التوسع على أساس الحاجة الفعلية.
الحاجة إلى النقل لا تلغي شروط السلامة
لا يمكن فصل انتشار الباصات الصغيرة التي تنقل طلبة المدارس الحكومية عن حاجة الأهالي إلى وسيلة توصل أبناءهم إلى المدارس. وقد تناولت تقارير صحفية سابقة شكاوى أسر من عدم توافر بدائل مناسبة في بعض المناطق، واضطرارها إلى الاعتماد على مركبات صغيرة، فيما تناولت تقارير أخرى مشكلات تتعلق بالاكتظاظ وكلفة النقل.
لكن الحاجة إلى الخدمة لا تعفي مقدمها من شروط الترخيص والسلامة، كما أن وجود نظام للترخيص لا يلغي الحاجة إلى بديل فعلي ومتاح. فالتعامل مع المشكلة لا يكتمل بمجرد ضبط مركبة مخالفة إذا بقي الطلب على النقل قائماً من دون خيارات مناسبة، ولا بمجرد إعلان مشروع حكومي تجريبي إذا لم تتوافر بيانات تبين أين يحتاج الطلبة إلى الخدمة أكثر من غيرهم.
ويحدد نظام 2018 مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، فيما يضع على وزارة التربية دوراً في التنسيق لتحديد الحاجة وتقديم التقارير عن المخالفات. أما مخالفات السير والحوادث المرورية، فتخضع للإطار القانوني المنظم لها بحسب طبيعة كل واقعة واختصاص الجهة المعنية.
ومن هنا، لا يتمثل المطلوب في البحث عن جهة واحدة تتحمل وحدها جميع أوجه المشكلة، بل في معرفة كيفية عمل هذه المسؤوليات معاً: هل تصل تقارير المدارس إلى هيئة النقل؟ وهل تقابلها كشوفات ومتابعة ميدانية؟ وهل تتوافر بيانات منشورة عن الضبط والإجراءات؟ وهل يتيح النقل الحكومي بديلاً للطلبة الذين لا تتوافر لهم خدمة مناسبة؟
من ينقل الطلبة، ومن يعرف حجم الحاجة؟
للوقوف على أبعاد الملف، تتبعت 'الغد' حوادث ومخالفات مرتبطة بنقل الطلبة، وراجعت التشريعات الناظمة للقطاع، وتواصلت مع الجهات الرسمية المعنية للحصول على إجابات بشأن شروط الترخيص، وحدود المسؤوليات، وأعداد المركبات والطلبة الذين يعتمدون على هذه الخدمة. وشمل التتبع مراجعة الردود الرسمية وتدقيقها، ومقارنة ما تنص عليه التشريعات بما أمكن الحصول عليه من بيانات، في محاولة لرسم صورة أوضح لواقع نقل طلبة المدارس الحكومية. لا تكفي التشريعات وحدها لضمان سلامة الطلبة، كما لا يكفي ضبط باص مخالف أو ترخيص مركبة لإثبات أن منظومة النقل تعمل بكفاءة. فالمسؤولية تبدأ من معرفة عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى الخدمة، وحصر المركبات التي تقدمها، ومراقبة التزامها بشروط السلامة، وصولاً إلى توفير بديل حكومي يغطي المناطق التي تفتقر إلى خيارات مناسبة. وبينما تتحمل الأسر كلفة النقل وقلق الطريق يومياً، تبقى مسؤولية الجهات الحكومية أن تحول النصوص القانونية إلى منظومة قابلة للقياس والمساءلة، وألا يظل الوصول إلى المدرسة عبئاً تتحمله كل أسرة وحدها، أو مغامرة يومية تتوقف سلامة أطفالها على حلول نقل متفرقة.
الغد
رغم تحديد التشريعات شروط ترخيص النقل المدرسي وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية، لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية عن الطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، أو عدد هذه المركبات.
وبينما بدأت الحكومة تجربة للنقل المدرسي في 61 مدرسة، تبقى الحاجة قائمة إلى قياس حجم الاعتماد على النقل الخاص، ومدى الالتزام بشروط السلامة، والفجوة التي يفترض أن يغطيها البديل الحكومي.
في كل صباح دراسي، يغادر طلبة منازلهم إلى مدارسهم في باصات صغيرة باتت وسيلة نقل أساسية لعائلات لا تجد في مناطقها بديلاً مناسباً. بعض هذه الرحلات لا يستغرق سوى دقائق، لكنها تضع الأطفال تحت مسؤولية سائق ومركبة يفترض أن تتوفر فيهما شروط السلامة، وأن يخضع عملهما للترخيص والرقابة.
لا تتعلق المشكلة بمجرد وجود باصات صغيرة تنقل الطلبة، بل بقانونية استخدامها، ومدى استيفائها شروط السلامة، وقدرتها على استيعاب أعداد الركاب. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تعرف الجهات المعنية حجم هذه الظاهرة بما يكفي لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، وقياس فاعلية الرقابة، وتوفير بديل آمن للأهالي؟
تُظهر نتائج هذا التحقيق مفارقة بين التشريعات الوطنية الناظمة لعملية نقل الطلبة وبين الواقع الميداني؛ إذ تنص الأنظمة الصادرة على آليات واضحة للترخيص والرقابة، وتوزع المسؤوليات بين هيئة تنظيم النقل البري ووزارة التربية والتعليم والجهات الأمنية، غير أن تصريحات المسؤولين تكشف عن فجوة معلوماتية؛ إذ لا تتوفر لدى وزارة التربية والتعليم أرقام وطنية دقيقة تقيس حجم المشكلة، أو أعداد الطلبة المعتمدين على النقل الخاص، أو عدد المركبات العاملة فعلياً في هذا المجال.
في المقابل، تقول هيئة تنظيم النقل البري أنها رخصت 2516 مركبة من خلال 27 مكتباً في أربع محافظات، هي عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. لكن الرقم لا يمثل حصراً لجميع المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً، ولا يوضح عدد المركبات التي تعمل خارج منظومة التصاريح، أو حجم الطلب على الخدمة في بقية المحافظات. وهنا تتضح المفارقة؛ تشريعات تنظم نقل الطلبة وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية، في مقابل غياب صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على الباصات الخاصة، ومدى كفاية الخدمة المرخصة والبديل الحكومي.
نظام يحدد المسؤوليات.. فأين بيانات التطبيق؟
لا يترك التشريع الأردني نقل الطلبة مقابل أجر دون تنظيم. فقد صدر نظام ترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال والعاملين لديها لسنة 2018، واضعاً إطاراً لترخيص المكاتب ومقدمي الخدمة والمركبات المستخدمة في هذا النشاط. تنص المادة الثالثة من النظام على حظر تقديم خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال قبل الحصول على الترخيص والتصريح وفق أحكام النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه. وذلك يعني أن امتلاك المركبة رخصة اقتناء سارية لا يكفي وحده لإثبات قانونية استخدامها لنقل الطلبة مقابل أجر، إذ يتطلب الأمر التحقق من التصريح الخاص بالخدمة واستيفاء شروطها.
فيما تحدد المادة الرابعة مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري، بما يشمل تنظيم تقديم الخدمة، وتحديد مواصفات المركبات، ومنح التصاريح، والرقابة على أداء المكاتب ومقدمي الخدمة والكشف عليهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند مخالفة أحكام النظام.
في المقابل، تحدد المادة ذاتها دور وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في التنسيق مع الهيئة لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي، من خلال تشكيل لجنة في كل مدرسة برئاسة مدير المدرسة وعضوية المشرف التربوي ومندوب عن الأهالي. وتتولى اللجنة التنسيق مع الهيئة لتلبية الخدمة، وتقديم التقارير عن المخالفين والكشوفات والمستندات التي تطلبها الهيئة لتنظيم هذا النشاط. وبذلك، لا يجعل النظام وزارة التربية الجهة المسؤولة مباشرة عن ترخيص كل باص خاص، لكنه يمنحها دوراً في تحديد الحاجة إلى النقل المدرسي والتنسيق بشأنها، فيما تتولى هيئة النقل مسؤوليات الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة.
غير أن وجود هذه المسؤوليات في النص القانوني لا يجيب عن سؤال التطبيق: هل تتوافر لدى الجهات المعنية معلومات كافية لتحديد عدد الطلبة المحتاجين إلى النقل، ومناطق وجودهم، وعدد المركبات التي تخدمهم، والمركبات التي تقدم الخدمة دون التصاريح اللازمة؟
مدير وحدة الإعلام والاتصال في وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الدكتور مهند الخطيب، يوضح في رده على استفسارات 'الغد' أن الوزارة لا تمتلك بيانات أو تقديرات دقيقة عن العدد الإجمالي للطلبة الذين يعتمدون على الباصات الصغيرة الخاصة، ولا العدد الإجمالي لهذه المركبات على مستوى المملكة.
ولا يثبت هذا الرد أن جميع الجهات الحكومية تفتقر إلى البيانات، لكنه يكشف أن الوزارة لا تمتلك صورة وطنية شاملة عن حجم الاعتماد على هذه الوسيلة، رغم دورها في التنسيق لتحديد الحاجة إلى النقل المدرسي.
ومن دون بيانات موحدة، يصبح من الصعب قياس الفجوة بين عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المرخصة، أو تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى تدخل حكومي. 2516 مركبة مرخصة رقم لا يكشف حجم الظاهرة
تقول هيئة تنظيم النقل البري، على لسان الناطق الإعلامي مدير وحدة الإعلام والاتصال، الدكتورة عبلة الوشاح، إن عدد المركبات المرخصة حتى وقت الرد بلغ 2516 مركبة، تعمل من خلال 27 مكتباً في عمّان والبلقاء والزرقاء وإربد. ويمثل هذا الرقم عدد المركبات التي أوردتها الهيئة ضمن نطاق الترخيص، لكنه لا يكشف عدد المركبات التي تنقل الطلبة فعلياً في المملكة، ولا يسمح بمقارنة حجم الخدمة المرخصة بالطلب الفعلي عليها. كما لا يوضح مدى التزام المركبات المرخصة بشروطها أثناء التشغيل، أو عدد المركبات التي تنقل الطلبة دون التصريح المطلوب، أو عدد المخالفات التي ضبطت بحق مقدمي الخدمة والسائقين خلال فترة زمنية محددة.
وتحدد المادة السابعة من نظام 2018 فئات وسائط النقل المدرسي وفق عدد الركاب، وتشترط ألا يزيد موديل المركبة عند تسجيلها لأول مرة على خمس سنوات، كما تحدد العمر التشغيلي لسيارة الركوب بـ 15 سنة من تاريخ سنة الصنع، وللحافلة المتوسطة بـ 20 سنة. أما المواصفات الفنية التفصيلية، فيحددها النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه.
وتحدد المادة السادسة شروطاً لمقدم خدمة النقل، من بينها الجنسية الأردنية إذا كان شخصاً طبيعياً، والسن كما هو محدد في النظام، وحسن السيرة والسلوك، والحصول على رخصة سوق تخوله قيادة فئة المركبة، واللياقة الصحية، واجتياز دورات السلامة العامة والتعامل مع الطلبة.
هذه الشروط ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ فهي تحدد الحد الأدنى المطلوب قبل أن تتحول المركبة إلى وسيلة تنقل أطفالاً بصورة يومية. لكن وجودها في النظام لا يثبت وحده الالتزام بها على أرض الواقع.
ويحتاج تقييم الرقابة إلى بيانات عن التصاريح السارية، والمركبات التي جرى الكشف عليها، والمخالفات التي رصدت، وطبيعتها، والإجراءات المتخذة بحقها. ومن شأن نشر هذه المعلومات بصورة دورية أن يتيح قياس نتائج الرقابة بدل الاكتفاء بالإعلان عن وجودها. رخصة المركبة لا تعني ترخيص خدمة النقل
يظهر الفرق بين ترخيص المركبة وترخيص استخدامها في نقل الطلبة مقابل أجر في حوادث ومخالفات سابقة.
ففي نيسان 2018، وقع حادث تدهور باص صغير كان ينقل طالبات في منطقة جاوا جنوب عمّان، وأسفر عن وفاة طالبة وإصابة ست طالبات والسائق، وفق تقارير صحفية نقلت معلومات عن إدارة السير.
وبحسب تلك التغطيات، كانت المركبة مرخصة للسير وكان السائق يحمل رخصة قيادة، لكن الباص كان ينقل الطالبات مقابل أجر. وذكرت التقارير أن الحادث ارتبط بعدم التقيد بشاخصة قف.
وتوضح هذه الواقعة أهمية التمييز بين رخصة اقتناء المركبة ورخصة قيادة السائق، والتصريح اللازم لتقديم خدمة النقل المدرسي؛ فوجود الوثيقتين الأوليين لا يثبت، بمفرده، أن استخدام المركبة لنقل الطلبة مقابل أجر مستوفٍ لجميع الشروط.
وفي أيلول 2026، نشرت وسائل إعلام تفاصيل ضبط باص كان ينقل طلبة، بعد رصد مركبة تفتقر إلى مقومات السلامة العامة وكانت رخصة اقتنائها منتهية، وفق ما ورد في التغطية المنقولة عن الأمن العام. واتخذت الإجراءات القانونية بحق السائق. ولا تكفي هذه الواقعة لتحديد حجم المركبات المخالفة في المملكة، لكنها تبرز أن الرقابة لا تتعلق فقط بوجود تصريح للنقل المدرسي، بل تشمل أيضاً قانونية استخدام المركبة وسلامتها والتزامها بقواعد السير.
وتقول هيئة تنظيم النقل البري إن إدارة السير تحرر مخالفات عند ضبط باصات تنقل الطلبة، وإن فرقاً ميدانية من جهات عدة تشارك في الرقابة على هذه المركبات. غير أن الردود المتاحة لا تقدم حصيلة وطنية مفصلة للمخالفات التي ضبطت، موزعة حسب نوع المخالفة والمحافظة والسنة.
وتبقى هذه البيانات ضرورية لمعرفة ما إذا كانت المخالفات حالات متفرقة، أم أنها ترتبط بأنماط متكررة في استخدام المركبات أو تحميل الطلبة أو عدم الالتزام بشروط الخدمة.
الأمن العام: ليس من ضمن اختصاصنا.. أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟
عند سؤال مديرية الأمن العام عن مسؤوليتها في ملف الباصات الصغيرة التي تنقل الطلبة، أكد الناطق الإعلامي عامر السرطاوي أن هذا الملف 'ليس من ضمن اختصاصنا'. ولم تتلق الصحيفة، وفق المعلومات المتاحة لديها، رداً مكتوباً يوضح نطاق هذا الموقف أو المقصود تحديداً بالاختصاص الذي لا يشمل الملف.
ويطرح الرد تساؤلات حول حدود اختصاص الأمن العام في ملف نقل الطلبة، خصوصاً في ظل وقائع موثقة عن تدخل إدارة السير لضبط باصات مخالفة، ما يستدعي التمييز بين مسؤولية ترخيص خدمة النقل المدرسي وملاحقة المخالفات المرورية المرتبطة بها.
فالنظام الخاص بترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي يمنح هيئة تنظيم النقل البري صلاحيات محددة في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، أما مخالفات السير والحوادث المرورية فتخضع لقانون السير والتشريعات ذات الصلة، ضمن اختصاص الجهات المكلفة بتنفيذها.
وبالتالي، لا يكفي النص المنظم لترخيص النقل المدرسي للقول إن الأمن العام يتولى كل ما يتعلق بالترخيص، كما لا تكفي عبارة 'ليس من ضمن اختصاصنا' لتحديد ما إذا كان المقصود هو ترخيص الخدمة، أم ضبط المخالفات المرورية المرتبطة بها، أم التحقيق في الحوادث التي تتعلق بمركبات تنقل الطلبة.
ولا تثبت الوقائع المنشورة أن الأمن العام مسؤول عن كل جانب من جوانب تنظيم النقل المدرسي، لكنها تجعل من الضروري توضيح حدود الاختصاص وآليات التنسيق بين الجهات، حتى لا تبقى المسؤوليات ملتبسة أمام الأهالي.
فالسؤال ليس من يتولى ترخيص الباص فقط، بل من يتدخل عند ضبط مركبة تنقل الطلبة في ظروف مخالفة، ومن يحقق في الحوادث، وكيف تنتقل المعلومات بين الجهات المعنية؟
وفاة طفل داخل باص.. السلامة تبدأ قبل الرحلة وبعدها
في الثالث من أيلول 2026، توفي الطفل إلياس، البالغ خمس سنوات، بعد العثور عليه داخل باص نقل طلاب خاص في الزرقاء. وذكرت تغطيات إعلامية أن الطفل بقي داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، وأن السائقة نسيته وأغلقت الباص. كما تحدث والده، محمد، إلى وسائل إعلام عن توجهه إلى القضاء.
ولا يجوز اعتبار المسؤولية النهائية في هذه الواقعة محسومة قبل استكمال التحقيق والإجراءات القضائية. لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالاً عن الإجراءات التي تمنع بقاء طفل داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة، ومدى الالتزام بالتدابير التي تضمن التأكد من خلو الباص من الطلبة.
وتتضمن الشروط والالتزامات التي أوردتها هيئة تنظيم النقل البري إجراءات تتعلق بفحص المركبة والتأكد من خلوها من الطلبة في نهاية الرحلة، إلى جانب قواعد السلامة أثناء القيادة والتحميل والتنزيل.
وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من أن سلامة النقل المدرسي لا تتعلق فقط بحالة المركبة أو سرعة سيرها، بل تشمل أيضاً الإجراءات التشغيلية قبل الرحلة وبعدها، والتأكد من وصول الطلبة ومغادرتهم المركبة على نحو آمن.
وتظهر تغطيات صحفية سابقة مخاطر أخرى ارتبطت بالنقل المدرسي، بينها حوادث مرورية وشكاوى من اكتظاظ بعض الباصات الصغيرة بالطلبة. غير أن جمع هذه الوقائع في حصيلة رقمية واحدة يتطلب التحقق من ملفاتها الأصلية، وتحديد ما إذا كانت المركبات تعمل ضمن خدمة نقل مدرسي مقابل أجر، وما إذا كانت مرخصة لهذه الغاية، وما انتهت إليه التحقيقات.
ولا تتوافر ضمن البيانات التي حصلت عليها 'الغد' حصيلة وطنية موحدة تربط حوادث النقل المدرسي بنوع المركبة، ووضع تصريحها، وعدد الركاب، ونتائج التحقيق في كل حادث. وهذا لا يثبت أن هذه المعلومات غير موجودة لدى جميع الجهات، لكنه يعني أن الصحيفة لم تحصل على قاعدة بيانات تسمح بقياس حجم المشكلة بدقة.
تجربة حكومية في 61 مدرسة.. لكن ماذا عن بقية المملكة؟
في مواجهة الحاجة إلى النقل المدرسي، تعمل وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية على تطوير نموذج للنقل الحكومي. ويقول مدير وحدة الإعلام والاتصال في الوزارة، الدكتور مهند الخطيب، إن مسار المشروع بدأ عام 2018 بالتعاون مع جهة مانحة، واستمر حتى نهاية عام 2022 دون تطوير النموذج، قبل أن يعاد العمل عليه مطلع عام 2025 بالتعاون مع هيئة تنظيم النقل البري ووحدة مشروعات الشراكة في وزارة الاستثمار.
وأجرت الوزارة خلال عام 2025 مسحاً ميدانياً ورابطاً إلكترونياً في مدارس البادية الجنوبية والعقبة، بهدف حصر رغبات الطلبة والكوادر التعليمية في استخدام النقل الحكومي، والتعرف إلى وسائل النقل المستخدمة آنذاك.
وبحسب الوزارة، بدأت المرحلة التجريبية للعام الدراسي 2027/2026 في 61 مدرسة حكومية في البادية الجنوبية والعقبة، ويستفيد منها نحو 9938 شخصاً من الطلبة والكوادر التعليمية، من خلال 110 حافلات تشغيلية و10 حافلات احتياطية.
ويمثل هذا النموذج خطوة عملية في توفير خدمة نقل حكومي، لكنه لا يشكل حتى الآن تغطية وطنية شاملة. كما تقول الوزارة إنها لا تمتلك بيانات عن وسيلة النقل التي كان يستخدمها كل طالب قبل إطلاق الخدمة، ما يحد من القدرة على تحديد عدد المستفيدين الذين انتقلوا من الباصات الصغيرة الخاصة إلى النظام الحكومي.
وتوضح الوزارة أن اختيار المناطق استند إلى نتائج الاستبيانات والتحديات الجغرافية، مع استهداف المدارس التي يزيد عدد طلبتها على 200. أما التوسع في مناطق أخرى، فسيعتمد على نتائج التقييم الفني والمالي، من دون جدول زمني محدد للتعميم حتى وقت الرد.
وتعني هذه المعطيات أن المشروع بدأ التطبيق، لكن حجم الحاجة على مستوى المملكة ما يزال غير محدد في البيانات التي حصلت عليها 'الغد'. فلا تتوفر أرقام وطنية توضح عدد الطلبة الذين يعتمدون على النقل الخاص، أو المناطق التي تحتاج إلى التدخل أولاً، أو حجم الفجوة بين الطلب على النقل والطاقة الاستيعابية للخدمات المتاحة.
ولكي يصبح تقييم التجربة ممكناً، تبرز أهمية نشر نتائجها بعد انتهاء المرحلة التجريبية، بما يشمل أعداد الطلبة المستفيدين، والكلفة التشغيلية، وانتظام الخدمة، والمناطق التي غطتها، ومدى انعكاسها على الحاجة إلى وسائل النقل الأخرى. كما أن ربط نتائج التجربة ببيانات المدارس والجهات المنظمة للنقل يمكن أن يساعد في تحديد أولويات التوسع على أساس الحاجة الفعلية.
الحاجة إلى النقل لا تلغي شروط السلامة
لا يمكن فصل انتشار الباصات الصغيرة التي تنقل طلبة المدارس الحكومية عن حاجة الأهالي إلى وسيلة توصل أبناءهم إلى المدارس. وقد تناولت تقارير صحفية سابقة شكاوى أسر من عدم توافر بدائل مناسبة في بعض المناطق، واضطرارها إلى الاعتماد على مركبات صغيرة، فيما تناولت تقارير أخرى مشكلات تتعلق بالاكتظاظ وكلفة النقل.
لكن الحاجة إلى الخدمة لا تعفي مقدمها من شروط الترخيص والسلامة، كما أن وجود نظام للترخيص لا يلغي الحاجة إلى بديل فعلي ومتاح. فالتعامل مع المشكلة لا يكتمل بمجرد ضبط مركبة مخالفة إذا بقي الطلب على النقل قائماً من دون خيارات مناسبة، ولا بمجرد إعلان مشروع حكومي تجريبي إذا لم تتوافر بيانات تبين أين يحتاج الطلبة إلى الخدمة أكثر من غيرهم.
ويحدد نظام 2018 مسؤوليات هيئة تنظيم النقل البري في الترخيص والتصريح والرقابة على مقدمي الخدمة، فيما يضع على وزارة التربية دوراً في التنسيق لتحديد الحاجة وتقديم التقارير عن المخالفات. أما مخالفات السير والحوادث المرورية، فتخضع للإطار القانوني المنظم لها بحسب طبيعة كل واقعة واختصاص الجهة المعنية.
ومن هنا، لا يتمثل المطلوب في البحث عن جهة واحدة تتحمل وحدها جميع أوجه المشكلة، بل في معرفة كيفية عمل هذه المسؤوليات معاً: هل تصل تقارير المدارس إلى هيئة النقل؟ وهل تقابلها كشوفات ومتابعة ميدانية؟ وهل تتوافر بيانات منشورة عن الضبط والإجراءات؟ وهل يتيح النقل الحكومي بديلاً للطلبة الذين لا تتوافر لهم خدمة مناسبة؟
من ينقل الطلبة، ومن يعرف حجم الحاجة؟
للوقوف على أبعاد الملف، تتبعت 'الغد' حوادث ومخالفات مرتبطة بنقل الطلبة، وراجعت التشريعات الناظمة للقطاع، وتواصلت مع الجهات الرسمية المعنية للحصول على إجابات بشأن شروط الترخيص، وحدود المسؤوليات، وأعداد المركبات والطلبة الذين يعتمدون على هذه الخدمة. وشمل التتبع مراجعة الردود الرسمية وتدقيقها، ومقارنة ما تنص عليه التشريعات بما أمكن الحصول عليه من بيانات، في محاولة لرسم صورة أوضح لواقع نقل طلبة المدارس الحكومية. لا تكفي التشريعات وحدها لضمان سلامة الطلبة، كما لا يكفي ضبط باص مخالف أو ترخيص مركبة لإثبات أن منظومة النقل تعمل بكفاءة. فالمسؤولية تبدأ من معرفة عدد الطلبة الذين يحتاجون إلى الخدمة، وحصر المركبات التي تقدمها، ومراقبة التزامها بشروط السلامة، وصولاً إلى توفير بديل حكومي يغطي المناطق التي تفتقر إلى خيارات مناسبة. وبينما تتحمل الأسر كلفة النقل وقلق الطريق يومياً، تبقى مسؤولية الجهات الحكومية أن تحول النصوص القانونية إلى منظومة قابلة للقياس والمساءلة، وألا يظل الوصول إلى المدرسة عبئاً تتحمله كل أسرة وحدها، أو مغامرة يومية تتوقف سلامة أطفالها على حلول نقل متفرقة.
الغد
التعليقات
مركبات نقل الطلبة الخاصة .. أسئلة مشروعة عن السلامة والترخيص والرقابة
التعليقات