“من تخطيطات حنّا السكران… على حيطان الذاكرة” للشاعر حميد سعيد
عمانيات - “من تخطيطات حنّا السكران… على حيطان الذاكرة”
للشاعر حميد سعيد
الأستاذ الدكتور غانم السامرائي
يحتلّ الشاعر الكبير حميد سعيد موقعاً مميّزاً في المشهد الشعري العراقي والعربي منذ ستينيات القرن الماضي، بفضل مشروعه الذي يمزج بين اللغة المصقولة والتجربة الوجودية، ويستثمر الذاكرة لا بوصفها خزاناً للماضي، بل بوصفها بؤرةً يتحوّل فيها الزمن إلى طاقة شعرية. بعض قصائده قصيرة النفس من حيث الشكل، لكنها عالية الكثافة الدلالية، تقوم على اللمحات، والانعطافات المفاجئة، والتوترات الداخلية التي تخلق شعرية مضغوطة تتطلب قراءة تأويلية مستمرة.
ويتميّز شعره برسم المشهد الداخلي أكثر من الخارجي، وبالاعتماد على تراتبية تخييلية تتداخل فيها العواطف والصور والذكريات، بحيث يغدو النص فضاءً للمراوغة، والبحث عن المعنى في الشقوق الدقيقة بين الظهور والغياب.
وقصيدة “من تخطيطات حنّا السكران… على حيطان الذاكرة” مثال بارز على هذا الأسلوب، فهي ليست “نصاً خطياً” بقدر ما هي دفترٌ من التخطيطات الروحية، تُعاد قراءتها بوصفها استكشافاً لطبقات الهوية والجرح والعاطفة، في ضوء علاقة مضطربة بين الذات ومَنْ تحبّ، وبين الحضور والغياب، وبين الوطن والمنفى.
إن هذه القصيدة تتكشّف ، عبر مقاطعها الثمانية، بوصفها حواراً متقطّعاً مع الذاكرة، لا تبحث عن تشكيل الصور فحسب، بل عن استعادة ما خَبِرَه الوجدان من انكساراتٍ وومضاتٍ ووجوهٍ هاربة بين الظلّ والضوء. إنّها قصيدة تُقام على تخطيطات، على خطوطٍ رفيعة تنقش مشاهدَ تتردّد بين الرؤيا والمحو، فتصير الذاكرةُ جداراً، والشاعرُ رسّامها الأعمق.
وفي هذه السطور، أأقدّم قراءة نقديةً تُنصت إلى موسيقى النص وتقرأ طبقاته الرمزية والوجدانية.
التحليل النصي
الومضة الأولى: الإيقاظ بوصفه منطقاً للقصيدة
يفتتح الشاعر نصّه بمشهد يقظةٍ غير مألوفة، بلحظة غامضة: : “أيقظني من قيلولة وجدي.” إنها يقظة تأتي من داخل الوجد نفسه، لا من خارجه؛ يقظةٌ من حُلُمٍ داخل حُلُم. وفي هذا الاختزال، يضع الشاعر تصوراً ميتافيزيقياً للحضور: إنّ ما ينقذ الذات ليس حدثاً خارجياً بل اهتزاز داخلي يقلب الوجدان على نفسه. واليد التي “باركته” وأهدته “زهرة ثلجٍ” – كهديةٍ سريعة الزوال – ليست سوى يدٍ من عالمٍ رمزي، تمنح وتختفي، كأن الشاعر يريد تثبيت لحظة لطفٍ كونية، لا يدوم حضورها إلا بقدر ما يومض ثم ينطفئ. وهذا ما يجسّد جوهر القصيدة: لحظاتٌ تمنح ثم تتلاشى، وكأنّ جمال العالم محكوم بقدره على أن يكون عابراً.
الومضة الثانية: الليل بوصفه فضاءً متفجّراً
في المقطع الثاني، يحضر الليل بوصفه فضاءً مكثّفا فيكتسب أبعاداً أكثر من كونه ظرفاً زمنياً، ثم يتحوّل إلى مجال خصب يفيض بالثمر ويُنزف بالبكاء. وتستدعي “ثمار الفرح الوحشي” فرحاً غير مروّض، يتجاوز المعنى اليومي إلى معنى الانخطاف. والوحشية هنا ليست عنفاً، بل قُدرة على التفلّت من بنية الانضباط. غير أن الصورة تتصدّع حين “تبكي الحقول” إن “تعرّت الأشجار”: امتلاءٌ يجاوره خوف، وفرحٌ يمشي بمحاذاة الفقد، وكأن الشاعر يعيد رسم العلاقة بين الترفّع والحرمان: ثمار الفرح لا تستقيم إلا فوق هشاشةٍ مُضمرة، وكل انكشاف يقود إلى الفقد. وهذه الثنائية ستكون محوراً دائرياً يتكرر في كل المقاطع.
الومضة الثالثة: إعادة تعريف المنفى
يحمل هذا المقطع قيمة رمزية عالية، ليس فقط لحضور ’إلزا’ بوصفها أيقونة شعرية، بل لأن الشاعر يعيد، عبرها، قلب المعادلة الشعورية: “امْنَحْها… وطناً منفى”.
إنّ الوطن هنا ليس مكان إقامة، بل حالة وجدان. والمنفى لا يعني الطرد بل منطقة الرؤيا التي يمكن للذات أن تكون فيها نفسها.
إن رحيل إلزا – وهو اسم يستدعي إيحاءات شعرية وتاريخية (من لوركا إلى أراغون) – يرد هنا بوصفه رمزاً للمنفى، وتحوّلات النوستالجيا. لكن الشاعر لا يبحث لها عن وطنٍ حاضن، بل عن “وطنٍ منفى”: تركيبٌ يبدو متناقضاً لكنه يفتح مجالاً شعرياً خصباً؛ فالوطن نفسه قد يكون منفى إذا خلتْ به الرؤيا، والمنفى قد يغدو وطناً إذا منح الشاعر ذاته مساحةً للتأويل والنجاة.
بهذا المنظور، يعيد حميد سعيد إنتاج مفهوم الانتماء عبر شعرية تقوم على قلب الجغرافيا إلى إحساس.
الومضة الرابعة: النسيان كطقس معرفي
يقدّم المقطع الرابع أحد أهم مفاتيح القصيدة، حينما يقترح حميد سعيد شعريّة النسيان، لكنه لا يطلب أن ننسى بالمعنى النفسي المباشر، بل يضع النسيان في موضع الطقس: “اللحظة تقترف المنأى،” وفي مقابلها “الأحزان تضيء الليلة”.
وهذه اللحظة كائنٌ يقترف البُعد؛ فاعلٌ لا مفعول به، كائنٌ حيّ يبتعد، والحزن نورٌ يضيء الليل. إنّها مفارقة: الحزن نور، واللحظةُ مسافة، والنسيانُ فعلُ مقاومةٍ رقيق. إنّ هذا الانقلاب البلاغي يجعل النسيان عمليةً تحويلية، تقاوم فيها الذات الزمن عبر إعادة تعريفه. الحزن يضيء، واللحظة تخون، والذاكرة تصبح مجالاً للتشكيل لا للحفظ.
الومضة الخامسة: العشق مجال للنزف
في المقطع الخامس، يتجلّى العشق كمحاكمةٍ للذات، فيتداخل النداء والافتراس: المعشوق ينادي، والعاشق يتقدّم، لكن دمه “يتوزّعه الندمان،” في صورةٍ تجمع بين الشرب والافتراس. وهكذا تعيدنا العلاقة بين النداء والغياب، بين الشرب والفقد، إلى بنية الحبّ في القصيدة: قربٌ يفضي إلى بُعد، واتحادٌ ينتهي بالانفصال، فالمعشوقُ يبتعد بمجرد تحقق اللقاء، كأنه لا يعيش إلا في المسافة. لكنّ هذا الافتراس ليس عنفاً بقدر ما هو صورة للانصهار؛ فالحبّ هنا ليس حالةً مثالية، بل تجربة جسدية وروحية تخترق الذات وتتركها مثقوبة.
وينتهي المقطع بانفصال مفاجئ يعلن قانون الحبّ في القصيدة: اللقاء لا يكتمل إلا ليبدأ انفراطه.
الومضة السادسة: حضور يتجاوز الأسماء
يتوسّع الشاعر في المقطع السادس في رمزية المناداة فيتّخذُ منحى صوفيّاً صريحاً: “وبكل الأسماء أناديك،” فلا يعود العاشق قادراً على تحديد اسمٍ واحد، لأن حضوره يتوزّع في “كل الأشياء.” هنا، الأسماء لا تحدّد الهوية بل تنحلّ فيها، لأن الحبيب يتحوّل إلى مبدأ كوني يتجلّى في الأشياء كلها. غير أنّ التجلّي الأعمق هو في لحظتين: الحزن والظمأ. في الأولى يتجلّى المحبوب، وفي الظمأ يغدو ماءً. هكذا يتحوّل الحزن من تجربة سلبية إلى نافذة تجلٍّ، ويتحوّل الظمأ إلى شرط للإمتلاء. فالحزن هنا ليس نقيض الحضور بل شرطه، والظمأ ليس علامة نقص بل دعوةٌ لامتلاءٍ روحي.
الومضة السابعة: القلب ومدنه التي تنأى
ينهض المقطع السابع على مفارقة دقيقة: “تنأى مدن القلب فلا يلتفت القلب لأنك في القلب.” الغياب ظاهري، لكن الحضور المكتنز في الداخل يُبطل حركة الالتفات. ويذوب التباعدُ بفعل تملك داخليّ كامل، وكأن الشاعر يقول إن الحضور الحقيقي هو ذاك الذي يختفي في الأعماق لا في المسافات. فهو يرى أنّ الابتعاد المكاني لا يُغيّر الحضور المتجذّر، ذلك إنّ “مدن القلب” تنأى، لكن القلب لا يلتفت، فالمحبوب ثابت في جوهره الداخلي. إنّه المقطع الأكثر هدوءاً، لكنه الأكثر عُمقاً: الحبّ هنا ليس حركة، بل نقطة استقرار في مركز الوعي، لا تهزّها المسافات.
الومضة الثامنة: الاحتراق بوصفه شرطاً للقول
يبلغ النص ذروته في المواجهة الدرامية التي يتضمنها المقطع الثامن إذ يقف الشاعر في “حضرة من أهوى” أمام الجلاد: “واجهتُ الجلاد… بحنجرةٍ محترقة.” فالحنجرة المحترقة تجمع بين فعل الشهادة وفعل المقاومة فلا تنطق من مهارة، بل من جرح. والصوت نفسه رماد لهيبٍ قديم، والاحتراق هنا هو مصدر القوة، لا الضعف.
وفي ظلّ هذه المواجهة تتقدّم “الحكمة النزقة” التي تجمع بين الرصانة والطيش، بين المعرفة والمخاطرة – حكمة ممزّقة بين الصفاء العرفاني والاندفاع العاطفي – لتنتج واحداً من أكثر التشبيهات صدمة وجمالاً: “إن الوردة كالفلقة.”
بهذا التشبيه يبلغ النص أقصى مفارقته: الجمال والعقاب، الرقة والقسوة، يكمنان في الشيء نفسه.
الوردةُ ليست ما تراه العين، بل ما تختبئ خلفه التجربة: جمالٌ منقوعٌ في الألم.
وحينما تُعاد قراءة الوردة، رمز الجمال والرقة، كأداة عقاب، فكأن الشاعر يريد أن يفضح الطبيعة المزدوجة للحب: قسوةٌ تتخفّى خلف جمال، وجمالٌ يولد من شدّة القسوة.
الخاتمة
شيّد الشاعر هذه القصيدة على حركة ذاكرة لا تقرّ في مكان؛ ذاكرةٍ تستدعي الوجوه والأمكنة والرموز، ثم تتركها تتبدّد لتفسح المجال لطبقات جديدة من المعنى. وهو يتجوّل بين الحنين والمنفى، بين العشق والفقد، بين الورد والجلاد، ليصوغ نصاً يقوم على مفارقاتٍ تَشدّ أولها إلى آخرها، وتُبقي القارئ في حالة انشداهٍ دائم أمام تلك القدرة على تحويل الوجع إلى صور تلمع مثل ومضة ثلجٍ على جدار الزمن.
وهكذا تقدّم هذه القصيدة مثالاً مكثفاً على قدرة حميد سعيد على إنتاج شعرية تقوم على هندسة الانفعال، حيث تُعاد صياغة التجربة العاطفية في صورٍ تُجاور بين الحضور والغياب، بين الشفافية والاحتراق، وبين الجمال والأذى.
وإذا كانت القصيدة تخطيطات، فإنها تخطيطات للروح لا للذاكرة؛ تخطيطات تُرسم بالاحتراق، وتكتمل بقدر ما تنقص، وتضيء بقدر ما تغرق في عتمتها الخاصة.
إنها نصوص لا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُلْمَس، تُستعاد، ويُنصت إليها كأنها صدى صوت يحترق كي يقول.
إنّها قصيدةٌ تُحسّ ولا تُفسَّر، وتُرى بوهجها الداخلي قبل أن تُقرأ.
للشاعر حميد سعيد
الأستاذ الدكتور غانم السامرائي
يحتلّ الشاعر الكبير حميد سعيد موقعاً مميّزاً في المشهد الشعري العراقي والعربي منذ ستينيات القرن الماضي، بفضل مشروعه الذي يمزج بين اللغة المصقولة والتجربة الوجودية، ويستثمر الذاكرة لا بوصفها خزاناً للماضي، بل بوصفها بؤرةً يتحوّل فيها الزمن إلى طاقة شعرية. بعض قصائده قصيرة النفس من حيث الشكل، لكنها عالية الكثافة الدلالية، تقوم على اللمحات، والانعطافات المفاجئة، والتوترات الداخلية التي تخلق شعرية مضغوطة تتطلب قراءة تأويلية مستمرة.
ويتميّز شعره برسم المشهد الداخلي أكثر من الخارجي، وبالاعتماد على تراتبية تخييلية تتداخل فيها العواطف والصور والذكريات، بحيث يغدو النص فضاءً للمراوغة، والبحث عن المعنى في الشقوق الدقيقة بين الظهور والغياب.
وقصيدة “من تخطيطات حنّا السكران… على حيطان الذاكرة” مثال بارز على هذا الأسلوب، فهي ليست “نصاً خطياً” بقدر ما هي دفترٌ من التخطيطات الروحية، تُعاد قراءتها بوصفها استكشافاً لطبقات الهوية والجرح والعاطفة، في ضوء علاقة مضطربة بين الذات ومَنْ تحبّ، وبين الحضور والغياب، وبين الوطن والمنفى.
إن هذه القصيدة تتكشّف ، عبر مقاطعها الثمانية، بوصفها حواراً متقطّعاً مع الذاكرة، لا تبحث عن تشكيل الصور فحسب، بل عن استعادة ما خَبِرَه الوجدان من انكساراتٍ وومضاتٍ ووجوهٍ هاربة بين الظلّ والضوء. إنّها قصيدة تُقام على تخطيطات، على خطوطٍ رفيعة تنقش مشاهدَ تتردّد بين الرؤيا والمحو، فتصير الذاكرةُ جداراً، والشاعرُ رسّامها الأعمق.
وفي هذه السطور، أأقدّم قراءة نقديةً تُنصت إلى موسيقى النص وتقرأ طبقاته الرمزية والوجدانية.
التحليل النصي
الومضة الأولى: الإيقاظ بوصفه منطقاً للقصيدة
يفتتح الشاعر نصّه بمشهد يقظةٍ غير مألوفة، بلحظة غامضة: : “أيقظني من قيلولة وجدي.” إنها يقظة تأتي من داخل الوجد نفسه، لا من خارجه؛ يقظةٌ من حُلُمٍ داخل حُلُم. وفي هذا الاختزال، يضع الشاعر تصوراً ميتافيزيقياً للحضور: إنّ ما ينقذ الذات ليس حدثاً خارجياً بل اهتزاز داخلي يقلب الوجدان على نفسه. واليد التي “باركته” وأهدته “زهرة ثلجٍ” – كهديةٍ سريعة الزوال – ليست سوى يدٍ من عالمٍ رمزي، تمنح وتختفي، كأن الشاعر يريد تثبيت لحظة لطفٍ كونية، لا يدوم حضورها إلا بقدر ما يومض ثم ينطفئ. وهذا ما يجسّد جوهر القصيدة: لحظاتٌ تمنح ثم تتلاشى، وكأنّ جمال العالم محكوم بقدره على أن يكون عابراً.
الومضة الثانية: الليل بوصفه فضاءً متفجّراً
في المقطع الثاني، يحضر الليل بوصفه فضاءً مكثّفا فيكتسب أبعاداً أكثر من كونه ظرفاً زمنياً، ثم يتحوّل إلى مجال خصب يفيض بالثمر ويُنزف بالبكاء. وتستدعي “ثمار الفرح الوحشي” فرحاً غير مروّض، يتجاوز المعنى اليومي إلى معنى الانخطاف. والوحشية هنا ليست عنفاً، بل قُدرة على التفلّت من بنية الانضباط. غير أن الصورة تتصدّع حين “تبكي الحقول” إن “تعرّت الأشجار”: امتلاءٌ يجاوره خوف، وفرحٌ يمشي بمحاذاة الفقد، وكأن الشاعر يعيد رسم العلاقة بين الترفّع والحرمان: ثمار الفرح لا تستقيم إلا فوق هشاشةٍ مُضمرة، وكل انكشاف يقود إلى الفقد. وهذه الثنائية ستكون محوراً دائرياً يتكرر في كل المقاطع.
الومضة الثالثة: إعادة تعريف المنفى
يحمل هذا المقطع قيمة رمزية عالية، ليس فقط لحضور ’إلزا’ بوصفها أيقونة شعرية، بل لأن الشاعر يعيد، عبرها، قلب المعادلة الشعورية: “امْنَحْها… وطناً منفى”.
إنّ الوطن هنا ليس مكان إقامة، بل حالة وجدان. والمنفى لا يعني الطرد بل منطقة الرؤيا التي يمكن للذات أن تكون فيها نفسها.
إن رحيل إلزا – وهو اسم يستدعي إيحاءات شعرية وتاريخية (من لوركا إلى أراغون) – يرد هنا بوصفه رمزاً للمنفى، وتحوّلات النوستالجيا. لكن الشاعر لا يبحث لها عن وطنٍ حاضن، بل عن “وطنٍ منفى”: تركيبٌ يبدو متناقضاً لكنه يفتح مجالاً شعرياً خصباً؛ فالوطن نفسه قد يكون منفى إذا خلتْ به الرؤيا، والمنفى قد يغدو وطناً إذا منح الشاعر ذاته مساحةً للتأويل والنجاة.
بهذا المنظور، يعيد حميد سعيد إنتاج مفهوم الانتماء عبر شعرية تقوم على قلب الجغرافيا إلى إحساس.
الومضة الرابعة: النسيان كطقس معرفي
يقدّم المقطع الرابع أحد أهم مفاتيح القصيدة، حينما يقترح حميد سعيد شعريّة النسيان، لكنه لا يطلب أن ننسى بالمعنى النفسي المباشر، بل يضع النسيان في موضع الطقس: “اللحظة تقترف المنأى،” وفي مقابلها “الأحزان تضيء الليلة”.
وهذه اللحظة كائنٌ يقترف البُعد؛ فاعلٌ لا مفعول به، كائنٌ حيّ يبتعد، والحزن نورٌ يضيء الليل. إنّها مفارقة: الحزن نور، واللحظةُ مسافة، والنسيانُ فعلُ مقاومةٍ رقيق. إنّ هذا الانقلاب البلاغي يجعل النسيان عمليةً تحويلية، تقاوم فيها الذات الزمن عبر إعادة تعريفه. الحزن يضيء، واللحظة تخون، والذاكرة تصبح مجالاً للتشكيل لا للحفظ.
الومضة الخامسة: العشق مجال للنزف
في المقطع الخامس، يتجلّى العشق كمحاكمةٍ للذات، فيتداخل النداء والافتراس: المعشوق ينادي، والعاشق يتقدّم، لكن دمه “يتوزّعه الندمان،” في صورةٍ تجمع بين الشرب والافتراس. وهكذا تعيدنا العلاقة بين النداء والغياب، بين الشرب والفقد، إلى بنية الحبّ في القصيدة: قربٌ يفضي إلى بُعد، واتحادٌ ينتهي بالانفصال، فالمعشوقُ يبتعد بمجرد تحقق اللقاء، كأنه لا يعيش إلا في المسافة. لكنّ هذا الافتراس ليس عنفاً بقدر ما هو صورة للانصهار؛ فالحبّ هنا ليس حالةً مثالية، بل تجربة جسدية وروحية تخترق الذات وتتركها مثقوبة.
وينتهي المقطع بانفصال مفاجئ يعلن قانون الحبّ في القصيدة: اللقاء لا يكتمل إلا ليبدأ انفراطه.
الومضة السادسة: حضور يتجاوز الأسماء
يتوسّع الشاعر في المقطع السادس في رمزية المناداة فيتّخذُ منحى صوفيّاً صريحاً: “وبكل الأسماء أناديك،” فلا يعود العاشق قادراً على تحديد اسمٍ واحد، لأن حضوره يتوزّع في “كل الأشياء.” هنا، الأسماء لا تحدّد الهوية بل تنحلّ فيها، لأن الحبيب يتحوّل إلى مبدأ كوني يتجلّى في الأشياء كلها. غير أنّ التجلّي الأعمق هو في لحظتين: الحزن والظمأ. في الأولى يتجلّى المحبوب، وفي الظمأ يغدو ماءً. هكذا يتحوّل الحزن من تجربة سلبية إلى نافذة تجلٍّ، ويتحوّل الظمأ إلى شرط للإمتلاء. فالحزن هنا ليس نقيض الحضور بل شرطه، والظمأ ليس علامة نقص بل دعوةٌ لامتلاءٍ روحي.
الومضة السابعة: القلب ومدنه التي تنأى
ينهض المقطع السابع على مفارقة دقيقة: “تنأى مدن القلب فلا يلتفت القلب لأنك في القلب.” الغياب ظاهري، لكن الحضور المكتنز في الداخل يُبطل حركة الالتفات. ويذوب التباعدُ بفعل تملك داخليّ كامل، وكأن الشاعر يقول إن الحضور الحقيقي هو ذاك الذي يختفي في الأعماق لا في المسافات. فهو يرى أنّ الابتعاد المكاني لا يُغيّر الحضور المتجذّر، ذلك إنّ “مدن القلب” تنأى، لكن القلب لا يلتفت، فالمحبوب ثابت في جوهره الداخلي. إنّه المقطع الأكثر هدوءاً، لكنه الأكثر عُمقاً: الحبّ هنا ليس حركة، بل نقطة استقرار في مركز الوعي، لا تهزّها المسافات.
الومضة الثامنة: الاحتراق بوصفه شرطاً للقول
يبلغ النص ذروته في المواجهة الدرامية التي يتضمنها المقطع الثامن إذ يقف الشاعر في “حضرة من أهوى” أمام الجلاد: “واجهتُ الجلاد… بحنجرةٍ محترقة.” فالحنجرة المحترقة تجمع بين فعل الشهادة وفعل المقاومة فلا تنطق من مهارة، بل من جرح. والصوت نفسه رماد لهيبٍ قديم، والاحتراق هنا هو مصدر القوة، لا الضعف.
وفي ظلّ هذه المواجهة تتقدّم “الحكمة النزقة” التي تجمع بين الرصانة والطيش، بين المعرفة والمخاطرة – حكمة ممزّقة بين الصفاء العرفاني والاندفاع العاطفي – لتنتج واحداً من أكثر التشبيهات صدمة وجمالاً: “إن الوردة كالفلقة.”
بهذا التشبيه يبلغ النص أقصى مفارقته: الجمال والعقاب، الرقة والقسوة، يكمنان في الشيء نفسه.
الوردةُ ليست ما تراه العين، بل ما تختبئ خلفه التجربة: جمالٌ منقوعٌ في الألم.
وحينما تُعاد قراءة الوردة، رمز الجمال والرقة، كأداة عقاب، فكأن الشاعر يريد أن يفضح الطبيعة المزدوجة للحب: قسوةٌ تتخفّى خلف جمال، وجمالٌ يولد من شدّة القسوة.
الخاتمة
شيّد الشاعر هذه القصيدة على حركة ذاكرة لا تقرّ في مكان؛ ذاكرةٍ تستدعي الوجوه والأمكنة والرموز، ثم تتركها تتبدّد لتفسح المجال لطبقات جديدة من المعنى. وهو يتجوّل بين الحنين والمنفى، بين العشق والفقد، بين الورد والجلاد، ليصوغ نصاً يقوم على مفارقاتٍ تَشدّ أولها إلى آخرها، وتُبقي القارئ في حالة انشداهٍ دائم أمام تلك القدرة على تحويل الوجع إلى صور تلمع مثل ومضة ثلجٍ على جدار الزمن.
وهكذا تقدّم هذه القصيدة مثالاً مكثفاً على قدرة حميد سعيد على إنتاج شعرية تقوم على هندسة الانفعال، حيث تُعاد صياغة التجربة العاطفية في صورٍ تُجاور بين الحضور والغياب، بين الشفافية والاحتراق، وبين الجمال والأذى.
وإذا كانت القصيدة تخطيطات، فإنها تخطيطات للروح لا للذاكرة؛ تخطيطات تُرسم بالاحتراق، وتكتمل بقدر ما تنقص، وتضيء بقدر ما تغرق في عتمتها الخاصة.
إنها نصوص لا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُلْمَس، تُستعاد، ويُنصت إليها كأنها صدى صوت يحترق كي يقول.
إنّها قصيدةٌ تُحسّ ولا تُفسَّر، وتُرى بوهجها الداخلي قبل أن تُقرأ.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق