- الرئيسية
أخبار المملكة
- من ندرة المياه إلى كفاءة استخدامها
من ندرة المياه إلى كفاءة استخدامها
عمانيات - يفرض شح المياه وتزايد الطلب على الموارد المائية تحولاً في طريقة النظر إلى مستقبل الزراعة الأردنية، فلم يعد التحدي مرتبطاً بتوفير كميات إضافية من المياه فقط، وإنما بكيفية تحقيق أكبر إنتاج وقيمة اقتصادية وغذائية من كل متر مكعب متاح. وبينما تعمل وزارة المياه والري على التوسع في المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية وحماية المياه الجوفية ورفع كفاءة الري، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نوعية المحاصيل واختيار الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة، في ظل ضغوط التغير المناخي وتزايد المنافسة على الموارد بين القطاعات المختلفة.
مصادر جديدة.. وضغط متزايد على الموارد
ويقول الناطق الإعلامي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة إن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية الموازنة بين محدودية الموارد المائية وتزايد الطلب على المياه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استدامة القطاع الزراعي ودوره في تحقيق الأمن الغذائي.
ويشير إلى أن من أبرز التحديات استنزاف بعض مصادر المياه الجوفية، وتراجع معدلات الهطول وتذبذبها نتيجة التغير المناخي، إضافة إلى زيادة الطلب على المياه بين الاستخدامات المنزلية والزراعية والصناعية والخدمية.
ولذلك، فإن التعامل مع احتياجات القطاع الزراعي مستقبلاً لن يعتمد فقط على توفير كميات إضافية من المياه، وإنما على رفع كفاءة استخدامها، والتوسع في المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، وحماية الأحواض الجوفية، وتحسين تقنيات الري، وتوجيه المياه نحو الزراعات الأكثر كفاءة وقيمة اقتصادية.
وفي إطار خطط زيادة الاعتماد على المصادر غير التقليدية، تعمل وزارة المياه والري على إعادة تشكيل منظومة المياه الزراعية بحيث لا تبقى معتمدة بصورة أساسية على المصادر التقليدية، وفي مقدمتها المياه الجوفية، وإنما تعتمد بصورة أكبر على المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية.
وتتضمن خطط الوزارة التوسع في إنشاء وتأهيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وزيادة كميات المياه المعالجة وإعادة استخدامها في الزراعة وفق الاشتراطات الصحية والبيئية، إلى جانب تطوير شبكات نقل وتوزيع هذه المياه إلى المناطق الزراعية المناسبة.
كما أن تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه سيعزز منظومة الأمن المائي بصورة شاملة، إذ إن زيادة إمدادات مياه الشرب ستؤدي إلى زيادة كميات مياه الصرف الصحي القابلة للمعالجة وإعادة الاستخدام، الأمر الذي يوفر مصدراً إضافياً ومستداماً للمياه الزراعية ويخفف الضغط على المياه الجوفية.
وبالتوازي، تعمل الوزارة على تعزيز الحصاد المائي، وزيادة التخزين في السدود والحفائر والآبار التجميعية، وخفض الفاقد المائي ورفع كفاءة استخدام المياه، بهدف أن تصبح المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية عنصراً رئيسياً في تلبية احتياجات القطاع الزراعي، بما يحافظ على المياه الجوفية ويعزز الأمن الغذائي ويحقق أفضل استخدام لكل متر مكعب من المياه المتاحة.
إدارة المياه الزراعية.. من زيادة الكميات إلى تعظيم القيمة
ويقول سلامة إن الوزارة تنظر إلى مستقبل المياه الزراعية من منظور مختلف، إذ لا يتمثل التحدي في توفير كميات إضافية من المياه فقط، وإنما في تعظيم الإنتاج والقيمة الاقتصادية لكل متر مكعب.
ويوضح أن الوزارة تعمل على المحافظة على احتياجات القطاع الزراعي، بالتوازي مع زيادة الاعتماد على المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، ورفع كفاءة الري، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في الزراعات ذات القيمة الأعلى والاستهلاك المائي الأقل، بما يحقق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي، انسجاماً مع الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040، التي تعتبر المياه مورداً وطنياً محدوداً يجب إدارته بصورة متكاملة بين المياه والزراعة والغذاء والاقتصاد.
ويشير سلامة إلى أن لدى الوزارة تقديرات مستقبلية وفق الاستراتيجية الوطنية للمياه، حيث من المتوقع أن يرتفع الطلب على مياه الري في حال استمرار الواقع الحالي، وهو تحد يمكن إدارته من خلال تغيير نمط استخدام المياه الزراعية، والتوسع في استخدام المياه المعالجة، ورفع كفاءة الري، وحماية المياه الجوفية، والتوجه نحو محاصيل أكثر كفاءة وقيمة اقتصادية.
كما أن تنفيذ مشاريع المصادر المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها الناقل الوطني، سيسهم بصورة غير مباشرة في دعم الزراعة من خلال زيادة كميات المياه العادمة المعالجة المتاحة لإعادة الاستخدام في الري. وعليه، فإن الوزارة تنفذ خططاً لا تقوم فقط على البحث عن مصادر مياه إضافية للزراعة، وإنما على إدارة الطلب وتعظيم القيمة الاقتصادية والغذائية لكل متر مكعب، بما يحقق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي.
ويؤكد سلامة أن الوزارة لا تتعامل مع حصة القطاع الزراعي باعتبارها رقماً ثابتاً بمعزل عن بقية الاستخدامات، وإنما ضمن منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية وموازنة الطلب مع الموارد المتاحة. وفي الوقت نفسه، تدرك الوزارة الأهمية الاستراتيجية للزراعة ودورها في تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، ولذلك فإن الهدف هو ضمان إمدادات مستدامة للقطاع الزراعي عبر رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في استخدام المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، بحيث يتم تحقيق إنتاج زراعي أكبر وقيمة اقتصادية أعلى لكل متر مكعب من المياه.
وبالتالي، فإن زيادة كفاءة المنظومة ككل، وتوفير مصادر جديدة وغير تقليدية، وتحقيق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي، مع إعطاء الأولوية للاستخدامات الأساسية والحفاظ على استدامة الموارد للأجيال القادمة، هو الهدف الأساسي.
كفاءة الاستخدام.. حماية كل متر مكعب
وفيما يتعلق بالحد من هدر المياه في القطاع الزراعي، تعمل وزارة المياه والري على الحد من الهدر من خلال مجموعة متكاملة من الإجراءات، تبدأ من تأهيل شبكات ومنشآت الري وتقليل التسرب والفواقد، وتمتد إلى رفع كفاءة أنظمة الري الحديثة على مستوى المزرعة، وتحسين القياس والرقابة والتحكم في كميات المياه المستخدمة، وتعزيز دور جمعيات مستخدمي المياه بإدارة المزارعين أنفسهم.
كما تعمل الوزارة، من خلال سلطة وادي الأردن، مع وزارة الزراعة على تعزيز كفاءة استخدام المياه وتوجيهها نحو الزراعات الأكثر كفاءة وقيمة اقتصادية، إلى جانب التوسع في استخدام المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، بما يخفف الضغط على المياه العذبة والمياه الجوفية.
وفي الوقت نفسه، يتم التعامل بحزم مع الاستخدامات غير المشروعة والاعتداءات على مصادر وشبكات المياه، باعتبار أن حماية كل متر مكعب من المياه لا تقل أهمية عن توفير مصادر جديدة.
ويرى المستشار السابق في قطاع المياه المهندس إبراهيم الحياصات أن شح المياه أصبح عاملاً يفرض على الأردن إعادة النظر في نوعية المحاصيل التي يركز على إنتاجها مستقبلاً، مبيناً أن الأولوية الزراعية لم تعد من الممكن أن تقوم فقط على المحصول الأكثر ربحية للمزارع، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار المياه التي يحتاجها المحصول مقابل العائد الاقتصادي والغذائي الذي يحققه.
ويوضح الحياصات أن كفاءة استخدام المياه تشمل كفاءة الري داخل المزرعة، وهي كمية المياه التي تصل فعلياً إلى النبات مقارنة بالمياه التي يتم ضخها، إلى جانب كفاءة الشبكات والنقل، أي المياه التي تضيع قبل وصولها إلى المزرعة، وكذلك كفاءة توزيع المياه بين المحاصيل والمناطق.
وفي ظل محدودية المياه، لا بد من النظر إلى الاستخدام الذي يحقق أعلى عائد اقتصادي وغذائي واجتماعي، وهو ما يتطلب ربط السياسة المائية بالسياسة الزراعية بصورة أكثر تكاملاً، بدلاً من أن يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، وهو ما تسعى إليه الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040.
الري الذكي.. زيادة الإنتاج دون زيادة المياه
ويؤكد الحياصات أن رفع الإنتاج الزراعي دون زيادة المياه يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الزراعية والمائية، إلا أن ذلك يتطلب الانتقال من زيادة المساحات المزروعة إلى زيادة إنتاجية وحدة المياه، وهو ما يحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل تحديث شبكات الري وتقليل الفاقد، والتوسع في الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الري «الري الذكي».
وبمعنى آخر، فإن المياه الإضافية ليست الطريق الوحيد لزيادة الإنتاج الزراعي، إذ يمكن في بعض الحالات الحصول على إنتاج زراعي أكبر من الكمية نفسها من المياه من خلال تحسين الكفاءة والإنتاجية.
ويمكن للتكنولوجيا أن تحدث فرقاً ملموساً، لكنها ليست حلاً سحرياً لأزمة المياه الزراعية. والمطلوب ليس فقط تركيب شبكات تنقيط أو أجهزة استشعار، وإنما بناء منظومة زراعة ذكية مائياً، من خلال استخدام صور الأقمار الصناعية لتحديد احتياجات المحاصيل، والذكاء الاصطناعي للتنبؤ باحتياجات الري، وتحسين توقيت وكميات المياه المستخدمة بما يتناسب مع احتياجات النبات والظروف المناخية.
المحصول تحت اختبار الماء والمناخ
ويؤكد الحياصات أن الأردن بحاجة إلى الانتقال تدريجياً من مفهوم تعظيم الإنتاج الزراعي إلى مفهوم تعظيم الإنتاج والقيمة لكل متر مكعب من المياه، ما يعني إعطاء أولوية للمحاصيل ذات الاحتياجات المائية الأقل أو التي تحقق قيمة اقتصادية وغذائية مرتفعة، مع التوسع في الأصناف المقاومة للجفاف والحرارة، بما يعزز الأمن الغذائي والتغذية.
ويشير إلى أن هذا التوجه يتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للمياه التي تدعو إلى إعادة هيكلة استخدامات المياه في الزراعة باتجاه المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة اقتصادية.
ويضيف أن رفع الإنتاج الزراعي دون زيادة المياه يتطلب كذلك إعادة النظر في طبيعة المحاصيل والمساحات المزروعة، بحيث لا يكون التوسع الزراعي قائماً فقط على زيادة المساحة، وإنما على رفع إنتاجية وحدة المياه وتحقيق قيمة أكبر من الموارد المتاحة.
كفاءة المياه ترسم الخريطة الزراعية المقبلة
وفيما يتعلق بمستقبل الخريطة الزراعية في الأردن، تشير الاستراتيجية الوطنية للمياه إلى أن تغير المناخ سيؤدي إلى مزيد من الضغط على القطاع الزراعي مع انخفاض الأمطار وزيادة تقلباتها، ما يجعل الخريطة الزراعية الأردنية أكثر ارتباطاً بتوفر المياه والحرارة والملوحة والظروف المناخية.
فالمناطق الزراعية التي تتمتع بموارد مائية أفضل ستبقى أكثر قدرة على إنتاج المحاصيل المروية، بينما ستواجه المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية ضغوطاً متزايدة نتيجة الاستنزاف.
وفي المناطق المرتفعة والمطرية، قد تصبح الحاجة أكبر إلى محاصيل تتحمل انخفاض الأمطار وتقلباتها، مثل بعض أصناف الحبوب والمحاصيل الأقل احتياجاً للمياه.
أما وادي الأردن، فمن المرجح أن يستمر كمركز رئيسي للإنتاج الزراعي عالي القيمة، لكن مع ضغوط أكبر لتحديد أي المحاصيل تعظّم قيمة المياه المتاحة، وتحسين كفاءة الري، والاستفادة من المياه المعالجة وفق الضوابط الصحية والبيئية.
ويحذر الحياصات من أن من أبرز التحديات أن يصبح الأردن أكثر اعتماداً على استيراد الغذاء في وقت تتزايد فيه المخاطر العالمية المتعلقة بالمناخ والأسعار وسلاسل الإمداد. ويمكن لهذا السيناريو، في حال استمر الضغط المائي، أن يؤدي إلى تراجع إنتاج بعض المحاصيل وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وزيادة المنافسة على المياه بين الشرب والزراعة والصناعة.
وهنا تنبع أهمية بناء استراتيجية تعكس الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة، ووضع سياسة للأمن الغذائي لا تعتمد فقط على زيادة الإنتاج المحلي، وإنما على مزيج من العناصر المرتبطة بإدارة الموارد ورفع كفاءة استخدامها واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المائية والمناخية، بما يضمن استدامة الزراعة والأمن الغذائي للأجيال المقبلة.
الرأي
مصادر جديدة.. وضغط متزايد على الموارد
ويقول الناطق الإعلامي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة إن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية الموازنة بين محدودية الموارد المائية وتزايد الطلب على المياه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استدامة القطاع الزراعي ودوره في تحقيق الأمن الغذائي.
ويشير إلى أن من أبرز التحديات استنزاف بعض مصادر المياه الجوفية، وتراجع معدلات الهطول وتذبذبها نتيجة التغير المناخي، إضافة إلى زيادة الطلب على المياه بين الاستخدامات المنزلية والزراعية والصناعية والخدمية.
ولذلك، فإن التعامل مع احتياجات القطاع الزراعي مستقبلاً لن يعتمد فقط على توفير كميات إضافية من المياه، وإنما على رفع كفاءة استخدامها، والتوسع في المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، وحماية الأحواض الجوفية، وتحسين تقنيات الري، وتوجيه المياه نحو الزراعات الأكثر كفاءة وقيمة اقتصادية.
وفي إطار خطط زيادة الاعتماد على المصادر غير التقليدية، تعمل وزارة المياه والري على إعادة تشكيل منظومة المياه الزراعية بحيث لا تبقى معتمدة بصورة أساسية على المصادر التقليدية، وفي مقدمتها المياه الجوفية، وإنما تعتمد بصورة أكبر على المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية.
وتتضمن خطط الوزارة التوسع في إنشاء وتأهيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وزيادة كميات المياه المعالجة وإعادة استخدامها في الزراعة وفق الاشتراطات الصحية والبيئية، إلى جانب تطوير شبكات نقل وتوزيع هذه المياه إلى المناطق الزراعية المناسبة.
كما أن تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه سيعزز منظومة الأمن المائي بصورة شاملة، إذ إن زيادة إمدادات مياه الشرب ستؤدي إلى زيادة كميات مياه الصرف الصحي القابلة للمعالجة وإعادة الاستخدام، الأمر الذي يوفر مصدراً إضافياً ومستداماً للمياه الزراعية ويخفف الضغط على المياه الجوفية.
وبالتوازي، تعمل الوزارة على تعزيز الحصاد المائي، وزيادة التخزين في السدود والحفائر والآبار التجميعية، وخفض الفاقد المائي ورفع كفاءة استخدام المياه، بهدف أن تصبح المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية عنصراً رئيسياً في تلبية احتياجات القطاع الزراعي، بما يحافظ على المياه الجوفية ويعزز الأمن الغذائي ويحقق أفضل استخدام لكل متر مكعب من المياه المتاحة.
إدارة المياه الزراعية.. من زيادة الكميات إلى تعظيم القيمة
ويقول سلامة إن الوزارة تنظر إلى مستقبل المياه الزراعية من منظور مختلف، إذ لا يتمثل التحدي في توفير كميات إضافية من المياه فقط، وإنما في تعظيم الإنتاج والقيمة الاقتصادية لكل متر مكعب.
ويوضح أن الوزارة تعمل على المحافظة على احتياجات القطاع الزراعي، بالتوازي مع زيادة الاعتماد على المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، ورفع كفاءة الري، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في الزراعات ذات القيمة الأعلى والاستهلاك المائي الأقل، بما يحقق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي، انسجاماً مع الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040، التي تعتبر المياه مورداً وطنياً محدوداً يجب إدارته بصورة متكاملة بين المياه والزراعة والغذاء والاقتصاد.
ويشير سلامة إلى أن لدى الوزارة تقديرات مستقبلية وفق الاستراتيجية الوطنية للمياه، حيث من المتوقع أن يرتفع الطلب على مياه الري في حال استمرار الواقع الحالي، وهو تحد يمكن إدارته من خلال تغيير نمط استخدام المياه الزراعية، والتوسع في استخدام المياه المعالجة، ورفع كفاءة الري، وحماية المياه الجوفية، والتوجه نحو محاصيل أكثر كفاءة وقيمة اقتصادية.
كما أن تنفيذ مشاريع المصادر المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها الناقل الوطني، سيسهم بصورة غير مباشرة في دعم الزراعة من خلال زيادة كميات المياه العادمة المعالجة المتاحة لإعادة الاستخدام في الري. وعليه، فإن الوزارة تنفذ خططاً لا تقوم فقط على البحث عن مصادر مياه إضافية للزراعة، وإنما على إدارة الطلب وتعظيم القيمة الاقتصادية والغذائية لكل متر مكعب، بما يحقق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي.
ويؤكد سلامة أن الوزارة لا تتعامل مع حصة القطاع الزراعي باعتبارها رقماً ثابتاً بمعزل عن بقية الاستخدامات، وإنما ضمن منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية وموازنة الطلب مع الموارد المتاحة. وفي الوقت نفسه، تدرك الوزارة الأهمية الاستراتيجية للزراعة ودورها في تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، ولذلك فإن الهدف هو ضمان إمدادات مستدامة للقطاع الزراعي عبر رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في استخدام المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، بحيث يتم تحقيق إنتاج زراعي أكبر وقيمة اقتصادية أعلى لكل متر مكعب من المياه.
وبالتالي، فإن زيادة كفاءة المنظومة ككل، وتوفير مصادر جديدة وغير تقليدية، وتحقيق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي، مع إعطاء الأولوية للاستخدامات الأساسية والحفاظ على استدامة الموارد للأجيال القادمة، هو الهدف الأساسي.
كفاءة الاستخدام.. حماية كل متر مكعب
وفيما يتعلق بالحد من هدر المياه في القطاع الزراعي، تعمل وزارة المياه والري على الحد من الهدر من خلال مجموعة متكاملة من الإجراءات، تبدأ من تأهيل شبكات ومنشآت الري وتقليل التسرب والفواقد، وتمتد إلى رفع كفاءة أنظمة الري الحديثة على مستوى المزرعة، وتحسين القياس والرقابة والتحكم في كميات المياه المستخدمة، وتعزيز دور جمعيات مستخدمي المياه بإدارة المزارعين أنفسهم.
كما تعمل الوزارة، من خلال سلطة وادي الأردن، مع وزارة الزراعة على تعزيز كفاءة استخدام المياه وتوجيهها نحو الزراعات الأكثر كفاءة وقيمة اقتصادية، إلى جانب التوسع في استخدام المياه المعالجة والمصادر غير التقليدية، بما يخفف الضغط على المياه العذبة والمياه الجوفية.
وفي الوقت نفسه، يتم التعامل بحزم مع الاستخدامات غير المشروعة والاعتداءات على مصادر وشبكات المياه، باعتبار أن حماية كل متر مكعب من المياه لا تقل أهمية عن توفير مصادر جديدة.
ويرى المستشار السابق في قطاع المياه المهندس إبراهيم الحياصات أن شح المياه أصبح عاملاً يفرض على الأردن إعادة النظر في نوعية المحاصيل التي يركز على إنتاجها مستقبلاً، مبيناً أن الأولوية الزراعية لم تعد من الممكن أن تقوم فقط على المحصول الأكثر ربحية للمزارع، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار المياه التي يحتاجها المحصول مقابل العائد الاقتصادي والغذائي الذي يحققه.
ويوضح الحياصات أن كفاءة استخدام المياه تشمل كفاءة الري داخل المزرعة، وهي كمية المياه التي تصل فعلياً إلى النبات مقارنة بالمياه التي يتم ضخها، إلى جانب كفاءة الشبكات والنقل، أي المياه التي تضيع قبل وصولها إلى المزرعة، وكذلك كفاءة توزيع المياه بين المحاصيل والمناطق.
وفي ظل محدودية المياه، لا بد من النظر إلى الاستخدام الذي يحقق أعلى عائد اقتصادي وغذائي واجتماعي، وهو ما يتطلب ربط السياسة المائية بالسياسة الزراعية بصورة أكثر تكاملاً، بدلاً من أن يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، وهو ما تسعى إليه الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040.
الري الذكي.. زيادة الإنتاج دون زيادة المياه
ويؤكد الحياصات أن رفع الإنتاج الزراعي دون زيادة المياه يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الزراعية والمائية، إلا أن ذلك يتطلب الانتقال من زيادة المساحات المزروعة إلى زيادة إنتاجية وحدة المياه، وهو ما يحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل تحديث شبكات الري وتقليل الفاقد، والتوسع في الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الري «الري الذكي».
وبمعنى آخر، فإن المياه الإضافية ليست الطريق الوحيد لزيادة الإنتاج الزراعي، إذ يمكن في بعض الحالات الحصول على إنتاج زراعي أكبر من الكمية نفسها من المياه من خلال تحسين الكفاءة والإنتاجية.
ويمكن للتكنولوجيا أن تحدث فرقاً ملموساً، لكنها ليست حلاً سحرياً لأزمة المياه الزراعية. والمطلوب ليس فقط تركيب شبكات تنقيط أو أجهزة استشعار، وإنما بناء منظومة زراعة ذكية مائياً، من خلال استخدام صور الأقمار الصناعية لتحديد احتياجات المحاصيل، والذكاء الاصطناعي للتنبؤ باحتياجات الري، وتحسين توقيت وكميات المياه المستخدمة بما يتناسب مع احتياجات النبات والظروف المناخية.
المحصول تحت اختبار الماء والمناخ
ويؤكد الحياصات أن الأردن بحاجة إلى الانتقال تدريجياً من مفهوم تعظيم الإنتاج الزراعي إلى مفهوم تعظيم الإنتاج والقيمة لكل متر مكعب من المياه، ما يعني إعطاء أولوية للمحاصيل ذات الاحتياجات المائية الأقل أو التي تحقق قيمة اقتصادية وغذائية مرتفعة، مع التوسع في الأصناف المقاومة للجفاف والحرارة، بما يعزز الأمن الغذائي والتغذية.
ويشير إلى أن هذا التوجه يتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للمياه التي تدعو إلى إعادة هيكلة استخدامات المياه في الزراعة باتجاه المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة اقتصادية.
ويضيف أن رفع الإنتاج الزراعي دون زيادة المياه يتطلب كذلك إعادة النظر في طبيعة المحاصيل والمساحات المزروعة، بحيث لا يكون التوسع الزراعي قائماً فقط على زيادة المساحة، وإنما على رفع إنتاجية وحدة المياه وتحقيق قيمة أكبر من الموارد المتاحة.
كفاءة المياه ترسم الخريطة الزراعية المقبلة
وفيما يتعلق بمستقبل الخريطة الزراعية في الأردن، تشير الاستراتيجية الوطنية للمياه إلى أن تغير المناخ سيؤدي إلى مزيد من الضغط على القطاع الزراعي مع انخفاض الأمطار وزيادة تقلباتها، ما يجعل الخريطة الزراعية الأردنية أكثر ارتباطاً بتوفر المياه والحرارة والملوحة والظروف المناخية.
فالمناطق الزراعية التي تتمتع بموارد مائية أفضل ستبقى أكثر قدرة على إنتاج المحاصيل المروية، بينما ستواجه المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية ضغوطاً متزايدة نتيجة الاستنزاف.
وفي المناطق المرتفعة والمطرية، قد تصبح الحاجة أكبر إلى محاصيل تتحمل انخفاض الأمطار وتقلباتها، مثل بعض أصناف الحبوب والمحاصيل الأقل احتياجاً للمياه.
أما وادي الأردن، فمن المرجح أن يستمر كمركز رئيسي للإنتاج الزراعي عالي القيمة، لكن مع ضغوط أكبر لتحديد أي المحاصيل تعظّم قيمة المياه المتاحة، وتحسين كفاءة الري، والاستفادة من المياه المعالجة وفق الضوابط الصحية والبيئية.
ويحذر الحياصات من أن من أبرز التحديات أن يصبح الأردن أكثر اعتماداً على استيراد الغذاء في وقت تتزايد فيه المخاطر العالمية المتعلقة بالمناخ والأسعار وسلاسل الإمداد. ويمكن لهذا السيناريو، في حال استمر الضغط المائي، أن يؤدي إلى تراجع إنتاج بعض المحاصيل وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وزيادة المنافسة على المياه بين الشرب والزراعة والصناعة.
وهنا تنبع أهمية بناء استراتيجية تعكس الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة، ووضع سياسة للأمن الغذائي لا تعتمد فقط على زيادة الإنتاج المحلي، وإنما على مزيج من العناصر المرتبطة بإدارة الموارد ورفع كفاءة استخدامها واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المائية والمناخية، بما يضمن استدامة الزراعة والأمن الغذائي للأجيال المقبلة.
الرأي
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...