تعليمات ذوي الإعاقة في السفر .. تعزيز الاستقلالية وحماية الحقوق


عمانيات - تدخل منظومة النقل الجوي في المملكة مرحلة تنظيمية جديدة مع صدور تعليمات حماية حقوق ومساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي القدرة المحدودة على الحركة في السفر الجوي (JCAR-Part 211) لعام 2026، التي تستهدف تعزيز حق هذه الفئة في السفر باستقلالية وكرامة، وتضع التزامات محددة على شركات الطيران ومشغلي المطارات، بما يكرّس مجانية خدمات المساعدة والتسهيلات المرتبطة بالسفر.

وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه تنظيمي لتعزيز حماية حقوق المسافرين ذوي الإعاقة، والانتقال بخدماتهم من الترتيبات المرتبطة بالممارسات التشغيلية إلى التزامات قانونية وإجرائية واضحة، تضمن الحد من التمييز، وتوفر متطلبات الوصول والمساعدة خلال مختلف مراحل الرحلة الجوية، بدءاً من الوصول إلى المطار وحتى الصعود إلى الطائرة والوصول إلى الوجهة النهائية.

وأعلنت هيئة تنظيم الطيران المدني بدء التطبيق الإلزامي للتعليمات اعتباراً من الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2026، متضمنة مجموعة من الحقوق والالتزامات، في مقدمتها حظر رفض الحجز أو صعود الطائرة بسبب الإعاقة، وتقديم خدمات المساعدة والتسهيلات دون رسوم إضافية، وعدم فرض رسوم على الأجهزة الطبية والمعدات المساعدة، فضلاً عن إعفاء المسافرين من الأشخاص ذوي الإعاقة ومرافقيهم من رسوم حجز المقاعد واختيارها مسبقاً.

كما تلزم التعليمات شركات الطيران بنقل ما يصل إلى قطعتين من الأجهزة والمعدات المساعدة أو الكراسي المتحركة مجاناً لكل مسافر، إضافة إلى المعدات الطبية، فيما تتيح اصطحاب كلاب الخدمة المعتمدة داخل مقصورة الطائرة مجاناً، وفقاً للضوابط المعتمدة.

وتتجاوز أهمية هذه الالتزامات الجانب الخدمي المباشر، إذ تضع إطاراً تنظيمياً يحدد مسؤوليات الجهات المعنية بتوفير المساعدة، ويعزّز قدرة المسافر ذي الإعاقة على التخطيط لرحلته والاستفادة من خدمات النقل الجوي دون عوائق مالية أو إجرائية تحول دون تمتعه بحقه في السفر.

إطار الحقوق الملزمة
وقال الناطق الإعلامي باسم المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، رأفت الزيتاوي، إن أهمية التعليمات تكمن في نقل خدمات المسافرين ذوي الإعاقة من المفهوم الرعائي أو الإحساني إلى إطار الحقوق الملزمة القائم على احترام الكرامة والاستقلالية، وتحديد مسؤوليات قانونية وإجرائية واضحة على أطراف منظومة الطيران لمنع التمييز على أساس الإعاقة.

وأوضح أن المجلس شارك في مراحل صياغة التعليمات، بدءاً من وضع الرؤية والأطر العامة ومراجعة المسودات، وصولاً إلى اعتماد النص النهائي، ضمن شراكة مع هيئة تنظيم الطيران المدني والاتحاد الأوروبي، بما ينسجم مع قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 والمواثيق الدولية ذات الصلة.

وأضاف الزيتاوي أن تطوير الإطار التنظيمي جاء لمعالجة عدد من التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء السفر الجوي، من خلال توضيح الحقوق والالتزامات، وتحديد الأدوار المناطة بمشغلي المطارات وشركات الطيران، وتعزيز مستوى الحماية المقدمة للمسافر في مختلف مراحل الرحلة.

وبحسب الزيتاوي، باشر المجلس تنفيذ برنامج تدريبي متخصص للعاملين في هيئة تنظيم الطيران المدني ومطار الملكة علياء الدولي، يتناول المفهوم الحقوقي وآليات التواصل الفعّال ومتطلبات إمكانية الوصول والترتيبات التيسيرية الواجب توفيرها في المطارات.

وأشار إلى أن التعليمات تستهدف معالجة مجموعة من التحديات التي تواجه المسافرين ذوي الإعاقة، من بينها الفجوة المعرفية والسلوكية لدى بعض الكوادر الميدانية، وذلك من خلال إلزام مشغلي المطارات والناقلات بتدريب العاملين وتطبيق معايير جودة للخدمات، إلى جانب حظر رفض الحجز أو الصعود بسبب الإعاقة، وإلغاء الرسوم على نقل الأجهزة والمعدات الطبية والمساعدة.

وبيّن أن توفير الخدمات بصورة فعّالة لا يرتبط بالبنية التحتية وحدها، وإنما يشمل أيضاً طريقة تعامل العاملين مع المسافرين، ومدى فهمهم لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة، وقدرتهم على تقديم المساعدة بما يحفظ خصوصية المسافر واستقلاليته وكرامته.

تطوير الخدمات
وفي الجانب التنفيذي، قالت إدارة مجموعة المطار الدولي، في ردها على أسئلة لـ"الغد"، إنها تعمل على مجموعة من الترتيبات التي تستهدف تعزيز إمكانية الوصول داخل مطار الملكة علياء الدولي، تشمل تخصيص مواقف للأشخاص ذوي الإعاقة ومناطق لإنزال الركاب بما يتوافق مع متطلبات كودة البناء الأردنية، وتوفير منحدرات مهيأة تربط المواقف بمداخل المباني، وفقاً لمتطلبات سهولة الوصول المعمول بها في المملكة.

وتأتي هذه الترتيبات في سياق تطوير البيئة المكانية للمطار، بما يتيح للمسافرين ذوي الإعاقة التنقل والاستفادة من المرافق والخدمات بصورة أكثر سهولة، ويحد من العوائق التي قد تواجههم عند الوصول إلى مباني المطار أو الانتقال بين مرافقه المختلفة.
وتشمل الترتيبات أيضاً تركيب مؤشرات أرضية لمسية قبل السلالم والمصاعد والأبواب ونقاط عبور المشاة، لمساعدة المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية، وتزويد المصاعد بأنظمة صوتية وكتابات بطريقة برايل، مع ضمان توافق ارتفاع لوحات الأزرار، إلى جانب تخصيص دورات مياه ومساحات مهيأة للكراسي المتحركة، ومسارات وكاونترات مخصصة في مناطق مراقبة جوازات السفر وإصدار التأشيرات
.
وتسهم هذه التجهيزات في توفير بيئة أكثر ملاءمة لمتطلبات إمكانية الوصول، من خلال الجمع بين التهيئة الهندسية للمرافق والحلول التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية والحركية على استخدام الخدمات الأساسية داخل المطار. كما يوفر المطار خدمة مجانية للترجمة الفورية والمباشرة بلغة الإشارة، يمكن الوصول إليها عبر رمز الاستجابة السريعة (QR)، إضافة إلى موقع إلكتروني مهيأ ونقاط لطلب الخدمة أمام مبنى المغادرين، تستخدم شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسهيل التواصل وتقديم طلبات الخدمة.

وتعكس هذه الحلول توجهاً نحو توظيف الأدوات الرقمية في دعم إمكانية الوصول، وتوفير قنوات إضافية للتواصل مع المسافرين، ولا سيما في الحالات التي تتطلب استخدام لغة الإشارة أو تقديم طلبات المساعدة قبل الدخول إلى مبنى المغادرين.

حلول تقنية مساندة
بدورها، أكدت شركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية لـ"الغد" مواصلة التزامها بدعم وتمكين المسافرين ذوي الإعاقة، وتوفير خدمات سفر دامجة وآمنة، من خلال تطوير الخدمات وتبني حلول تقنية مساندة تسهّل رحلة المسافر في مراحلها المختلفة، وتعزّز إمكانية الوصول إلى خدمات النقل الجوي، بما يضمن مواءمة الإجراءات والتعليمات المعمول بها محلياً مع أفضل المعايير والممارسات الدولية في مجال الطيران المدني.
ويشمل هذا التوجه تطوير الخدمات المرتبطة بتجربة المسافر، بما يتيح التعامل مع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن مراحل الرحلة المختلفة، ويعزّز التنسيق بين الجهات العاملة في قطاع النقل الجوي، بما يتوافق مع المتطلبات التنظيمية ذات الصلة.
وتلزم التعليمات مقدمي الخدمة بتوفير المساعدة والعناية بالمسافرين دون رسوم إضافية، وتمرير معلومات طلب المساعدة إلى مشغلي المطارات في الوقت المحدد، وإعطاء الأولوية في إجراءات السفر، والتعامل بعناية مع المعدات المساعدة عند تحميلها وتفريغها.
وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة في ظل ارتباط جودة تجربة المسافر ذي الإعاقة بمدى انتظام إجراءات المساعدة وتكاملها بين شركة الطيران ومشغل المطار، إذ إن أي تأخير في نقل المعلومات أو التعامل مع المعدات المساعدة قد ينعكس على قدرة المسافر على إتمام رحلته بسهولة واستقلالية.
وفي حال تأخر الكرسي المتحرك الخاص بالمسافر أو تعرضه للتلف، تلزم التعليمات بتوفير كرسي بديل بصورة فورية ومؤقتة، إلى جانب التعويض عن الأضرار وفقاً للأحكام المنظمة لذلك.
تحويل الأحكام إلى ممارسة يومية
وترى الدكتورة عبير مصلح، الأكاديمية والمحامية المتخصصة في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أن صدور التعليمات يمثل "نقلة نوعية" ومحطة تنظيمية مهمة في قطاع النقل الجوي، إذ ينقل إمكانية الوصول من ترتيبات قد تكون اختيارية إلى التزامات قانونية ومؤسّسية، مشيرة إلى أن الخطوة تنسجم مع المبادئ التي كرستها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) في مجالي إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى وسائل النقل والمرافق والخدمات العامة، والمساواة وعدم التمييز.
وأكدت أن مجانية خدمات المساعدة وإلغاء بعض الرسوم، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لضمان السفر باستقلالية وكرامة، معتبرة أن نجاح التعليمات يرتبط بقدرة الجهات المعنية على تحويل أحكامها إلى ممارسة يومية داخل المطارات وعلى متن الطائرات.
وأوضحت مصلح أن الإطار التنظيمي الجديد يوفر أساساً قانونياً لتطوير الخدمات، إلا أن تحقيق أهدافه يتطلب توافر منظومة متكاملة تشمل الموارد البشرية المؤهلة، والبنية التحتية المهيأة، والإجراءات الواضحة، والرقابة المستمرة على مستوى الالتزام.
وبحسب مصلح، يشكل تدريب العاملين أحد أهم متطلبات التطبيق، بدءاً من موظفي الخدمات الأرضية وخدمة المسافرين، مروراً بالعاملين في المناولة الذين يتعاملون مع الكراسي المتحركة والمعدات الطبية، وصولاً إلى أطقم الطائرات، بما يضمن التعامل مع أنواع الإعاقة المختلفة بمهنية ويحافظ على استقلالية المسافر وخصوصيته.
وشددت على أن التدريب ينبغي ألا يقتصر على الجوانب الإجرائية المرتبطة بتقديم المساعدة، بل يجب أن يشمل المفاهيم الحقوقية وآليات التواصل المناسبة، وفهم الاحتياجات المتنوعة للأشخاص ذوي الإعاقة، بما يحد من الممارسات التي قد تؤثر على كرامة المسافر أو قدرته على اتخاذ قراراته بصورة مستقلة.
وأكدت أن التطبيق الفعلي يحتاج كذلك إلى بنية تحتية رقمية ومكانية مهيأة، وآليات رقابة ومحاسبة ترصد التزام المطارات وشركات الطيران، إضافة إلى إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات الممثلة لهم في تقييم مستوى الخدمات وفاعلية التعليمات والتعامل مع الشكاوى بجدية.
وبيّنت أن إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في تقييم الخدمات يوفر فرصة للتعرف إلى التحديات العملية التي قد لا تظهر عند تصميم الإجراءات من منظور تشغيلي فقط، ويساعد في تطوير حلول تستجيب للاحتياجات الفعلية للمسافرين خلال مختلف مراحل الرحلة

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :