• الرئيسية
  • إقتصاد

  • تثبيت المحروقات والرفع المحدد يحملان الخزينة قرابة ربع مليار دينار

تثبيت المحروقات والرفع المحدد يحملان الخزينة قرابة ربع مليار دينار


عمانيات - رأى خبراء اقتصاديون أن سياسة التدرج التي تتبعها الحكومة في عكس ارتفاعات أسعار المشتقات النفطية العالمية على السوق المحلية، ساهمت في امتصاص جزء من الصدمة السعرية العالمية والحد من انتقالها بصورة مباشرة وسريعة إلى المواطنين والقطاعات الاقتصادية، ولا سيما النقل والصناعة والزراعة والخدمات، إلا أن استمرار تحمل الخزينة لفروقات الأسعار لفترات طويلة يحول هذه السياسة إلى كلفة مالية متراكمة تشكل تحديا للموازنة العامة.


وبحسب بيانات لجنة تسعير المشتقات النفطية، بلغت الفروقات السعرية التراكمية التي تحملتها الخزينة نتيجة عدم عكس الأسعار الفعلية كاملة على التسعيرة المحلية، منذ بداية الأزمة وحتى نهاية شهر آب (أغسطس)، نحو 224 مليون دينار، شاملة دعم أسطوانات الغاز المنزلي. وتأتي هذه الكلفة في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية تقلبات حادة انعكست على كلفة استيراد الطاقة والشحن والتأمين، فيما يواصل الأردن، باعتباره مستورداً صافياً للطاقة، تحمل جزء من هذه الصدمات للحفاظ على استقرار نسبي في أسعار المشتقات النفطية محلياً.

"التدرج" يمتص الصدمة.. لكن الفاتورة تنتقل إلى الخزينة
الخبير في شؤون النفط هاشم عقل، قال: "إن الكلفة التراكمية لتحمل الحكومة فروقات أسعار المحروقات تأتي في إطار سياسة "التدرج" التي تتبعها الحكومة منذ بداية التوترات الإقليمية، والمرتبطة بالارتفاعات العالمية الحادة في أسعار النفط والمشتقات النفطية".

وأوضح عقل أن الهدف من هذه السياسة يتمثل في الحد من انتقال الصدمة السعرية كاملة إلى المواطنين والقطاعات الإنتاجية، بما فيها النقل والصناعة والخدمات، وبالتالي تخفيف الضغوط التي كان يمكن أن تنشأ لو جرى عكس كامل الارتفاعات العالمية على الأسعار المحلية بصورة فورية.

وأشار إلى أن حجم الفروقات يختلف من مادة نفطية إلى أخرى، مبيناً أنه، وفق أمثلة من بيانات شهر آب (أغسطس) الماضي تقريباً، تبلغ كلفة بنزين أوكتان 90 الفعلية أعلى بنحو 75 فلساً للتر مقارنة بسعر البيع المحلي، فيما يبلغ فرق سعر الديزل نحو 270 فلساً للتر، بينما يصل الفرق في الكاز إلى نحو 45 فلساً للتر.

وأضاف أن الكلفة الفعلية لأسطوانة الغاز المنزلي، بوزن 12.5 كيلوغرام، تبلغ نحو 12.3 إلى 12.5 دينار، مقابل بيعها للمستهلك بسعر 7 دنانير، ما يعني أن قيمة الدعم تتجاوز 5 دنانير للأسطوانة الواحدة، فيما يبلغ الفرق في سعر بنزين أوكتان 95، نحو 30 فلساً للشهر الحالي.

الفروقات لا تختفي.. بل تتحول إلى كلفة على المالية العامة
وبين عقل أن الحكومة لا تعكس كامل نسب الزيادات التي تطرأ على الأسعار العالمية في السوق المحلية، موضحاً أنه في بعض الأشهر ارتفع سعر الديزل بنحو 35 %، مع وجود فارق سعري كبير بين الكلفة الفعلية وسعر البيع المحلي.
وأشار إلى أن الضريبة أصبحت، وفق هذا الواقع، أقل من صفر على الديزل والكاز والغاز، بينما تتحمل الحكومة باقي الفروقات. وبين أن ذلك يشمل أيضاً تأثيرات على كلف الكهرباء في فترات سابقة نتيجة استخدام وقود أغلى.

وفيما يتعلق بامتصاص هذه الفروقات داخل الخزينة العامة والموازنة، قال عقل: "إن الفروقات تسجل أعباء على المالية العامة، ما يضغط على العجز أو يحد من إمكانية توجيه الموارد إلى أولويات أخرى، مثل التنمية والخدمات".

وتبرز هنا إحدى أهم النتائج المالية لسياسة عدم عكس كامل الأسعار العالمية على السوق المحلية، إذ إن الكلفة التي لا يتحملها المستهلك بصورة مباشرة لا تختفي من الحساب الاقتصادي، وإنما تنتقل إلى الخزينة التي تتحمل الفرق بين كلفة الاستيراد أو الكلفة الفعلية للمشتقات، وبين السعر الذي يتم بيعها به محلياً.

وبالتالي فإن استمرار هذه الفجوة لفترات طويلة يعني تراكم التزامات مالية على الحكومة، ويحد من قدرتها على استخدام الموارد العامة في مجالات أخرى، خصوصاً في ظل وجود التزامات قائمة تتعلق بخدمة الدين، والإنفاق العام، والقطاعات الأساسية.

وأوضح عقل أن الحكومة تتبع سياسة التدرج والتعويض التدريجي، موضحاً أنها تعلن أنها ستعوض الفروقات تدريجياً مع استقرار الأسعار العالمية، وذلك عبر عكس الزيادات جزئياً في الأشهر اللاحقة عندما تسمح الظروف، بدلاً من نقل الصدمة الكاملة إلى المستهلك دفعة واحدة.

وأضاف أن هناك إجراءات مرافقة لهذه السياسة، من بينها تثبيت بند فرق أسعار الوقود في فواتير الكهرباء عند صفر في فترات عديدة، إلى جانب تقديم دعم مستهدف للقطاع الصناعي، فضلاً عن ترشيد محتمل في الإنفاق أو الاعتماد على الاحتياطيات أو التمويل الخارجي إذا لزم الأمر.

ولفت إلى أن الحكومة، في فترات سابقة، ولا سيما في بداية الأزمة، تحملت كلفاً إضافية على الكهرباء نتيجة استخدام الديزل والوقود الثقيل، من دون عكس هذه الزيادة فورياً على المستهلكين.

وأكد عقل أن هذه السياسة تواجه قيوداً وتحديات، مبيناً أن الاستمرار الطويل في تحمل هذه الفروقات يزيد الضغط على الموازنة، خصوصاً أن الأردن مستورد صاف للطاقة، في حين تغطي مصفاة الزرقاء جزءاً محدوداً فقط من احتياجات المملكة.

وأشار إلى أن هذه السياسة تحقق استقراراً نسبياً في الأسعار المحلية وتحمي القدرة الشرائية والقطاعات الإنتاجية على المدى القصير، لكنها في المقابل تحمل الخزينة أعباء تراكمية تتم إدارتها عبر الموازنة العامة، والإيرادات الضريبية، والتمويل العام، مع وجود نية للتعويض التدريجي عند تحسن الظروف العالمية.

فاتورة النفط تتجاوز 2.5 مليار دينار.. والعجز أمام ضغوط إضافية
وقال الخبير الاقتصادي منير دية: "إن تحمل الحكومة لفروقات أسعار الطاقة يشكل عبئاً على الحكومة، وسيزيد العجز المالي، خصوصاً في ظل ما أظهرت البيانات من ارتفاع فاتورة النفط بنحو 54 %، خلال النصف الأول من العام الحالي، لتتجاوز 2.5 مليار دينار".

وأوضح دية أن هذه الزيادة الكبيرة في فاتورة الطاقة، الناتجة عن الارتفاعات العالمية، ستزيد الأعباء على الحكومة وترفع العجز المالي، كما ستترتب عليها أعباء مالية في ظل الواقع الحالي واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، مبيناً أن الحكومة تتحمل هذه الفروقات حتى لا ترتفع الأسعار على المواطن بشكل كبير، وبالتالي فإن هناك ارتفاعاً واضحاً في الكلف التي تتحملها.

وأشار إلى أن استمرار الواقع الحالي واستمرار أزمة الطاقة العالمية، في ظل الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز والإغلاق الجزئي أيضاً لمضيق باب المندب، إلى جانب التهديدات المستمرة، رفعت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، كما رفعت أسعار الشحن البحري والتأمين البحري، وقللت قدرة بعض المصافي وخطوط نقل النفط في دول الخليج، ما أدى إلى تأثر تدفقات الطاقة بشكل كبير، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء.

ارتفاع كلفة الطاقة يضغط على الموازنة والميزان التجاري
ولفت إلى أن ذلك سيسبب أعباء إضافية، في ظل محدودية قدرة الحكومة على إيجاد البدائل لتعويض هذه الفروقات الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الأوضاع الإقليمية والجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية.

وأوضح أن المشكلة لا تتوقف عند قيمة الدعم أو الفروقات التي تتحملها الحكومة، إذ إن ارتفاع فاتورة استيراد النفط والطاقة ينعكس أيضاً على الحسابات الخارجية للمملكة. وشدد دية على أنه وحتى لا تستمر هذه الكلف لفترات طويلة، يجب توزيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، ومنها الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والصخر الزيتي، والغاز الطبيعي، وبالتالي تنويع مصادر الطاقة بشكل أكبر محلياً، والإسراع في إنتاجها واستثمارها واستخدامها في إنتاج الطاقة محلياً بصورة أكبر.

وبين أن ذلك من شأنه خفض كلف التحمل التي تتحملها الحكومة نتيجة أسعار الطاقة بصورة أكبر، وحتى لا يستمر هذا العجز، خصوصاً إذا ظلت الأزمة لفترات طويلة.

من جهته، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان، أن قرار الحكومة عدم عكس كامل ارتفاعات أسعار المشتقات النفطية العالمية على السوق المحلية، أدى عملياً إلى امتصاص جزء من الصدمة عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية، لكنه في المقابل خلق كلفة مالية حقيقية على الخزينة.

وأوضح السرحان أن الأثر الاقتصادي للقرار لا يقتصر على فاتورة الوقود التي يدفعها المواطن، لأن المحروقات تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كلفة النقل، والتوزيع، والصناعة، والزراعة والخدمات. ولذلك فإن نقل الارتفاع العالمي دفعة واحدة إلى السوق المحلية، كان سيصل تدريجياً إلى أسعار عدد كبير من السلع والخدمات، من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج، والنقل، والتوزيع والخدمات، وهو ما كان يمكن أن يخلق موجة أوسع من انتقال التضخم إلى الاقتصاد المحلي.
وأشار إلى أن سياسة التدرج لها أيضاً بعد يتعلق باستقرار الأسعار، فالتضخم في الأردن بلغ نحو 2.2 % خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، رغم التقلبات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة في فترات مختلفة.

التسعير يمكن أن يتحول إلى أداة لامتصاص الصدمات
ويرى السرحان، أن المسار الأكثر توازناً في تعويض الكلفة هو الاستمرار في التعويض التدريجي عندما تستقر الأسعار العالمية أو تتراجع، حيث لا يتم تمرير كل انخفاض عالمي فوراً وبالكامل إلى السعر المحلي إذا كانت هناك فروقات متراكمة، وإنما يستخدم جزء من الانخفاض لتقليص الرصيد المتراكم.

وأضاف أن من المهم في هذه الحالة، الإعلان بوضوح وبصورة شهرية عن حجم الفروقات التي تمت استعادتها والمتبقي منها، حيث يكون المواطن والقطاعات الاقتصادية، على اطلاع على كيفية إدارة الفروقات المتراكمة.

وقال: "إن ذلك من شأنه تحويل التسعير إلى أداة لامتصاص التقلبات في الاتجاهين، بدلاً من أن تكون الخزينة هي الطرف الذي يتحمل الارتفاع دائماً، حيث يمكن الاستفادة من فترات انخفاض الأسعار العالمية، في تقليص الفروقات التي تراكمت خلال فترات ارتفاع الأسعار".

خفض فاتورة الطاقة يبدأ من تقليل الاعتماد على الخارج
ولفت السرحان، إلى أن الحل الأبعد مدى لا يكمن في طريقة توزيع فاتورة المحروقات فقط، بل في خفض حجم الفاتورة التي يتعرض لها الاقتصاد أصلاً.
وأوضح أن ذلك يتطلب تسريع مشاريع الغاز المحلي في الريشة، وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة والتخزين، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة في الصناعة، والنقل والمباني، وتطوير النقل العام.

وأكد أن كل لتر وقود يمكن الاستغناء عن استيراده، أو كل وحدة طاقة يمكن إنتاجها محلياً تقلل تعرض الأردن للصدمات الخارجية، وتخفف في الوقت ذاته الضغط على المالية العامة والميزان التجاري.

وكانت لجنة تسعير المشتقات النفطية، قررت تثبيت أسعار المشتقات النفطية الرئيسية للشهر الحالي عند المستويات نفسها المعتمدة في تسعيرة شهر آب (أغسطس) الماضي، إذ أبقت سعر بنزين أوكتان 90 عند 1000 فلس للتر، وبنزين أوكتان 95 عند 1310 فلسات للتر، والديزل عند 850 فلساً للتر، والكاز عند 550 فلساً للتر.

كما قررت اللجنة تثبيت سعر أسطوانة الغاز المنزلي، بوزن 12.5 كيلوغرام، عند 7 دنانير، مع الاستمرار في دعم الغاز البترولي المسال المخصص للقطاع الصناعي، بقيمة دعم تصل إلى 1.6 مليون دينار لشهر أيلول (سبتمبر) الحالي.

وأكدت اللجنة أن التسعير المحلي للمشتقات النفطية، يعتمد على المتوسط الشهري للأسعار العالمية خلال الثلاثين يوماً التي تسبق يوم التسعير، غير أن الحكومة، وفي إطار سياسة التدرج التي تنتهجها منذ بداية الأزمة، تواصل تحمل جزء كبير من ارتفاع كلف المشتقات النفطية عالمياً، وعدم عكس كامل هذه الارتفاعات على الأسعار المحلية، بهدف الحد من أثرها على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

وأشارت إلى أن قرار تثبيت الأسعار للشهر الحالي، يعكس حرص الحكومة على الحد من التقلبات في أسعار المحروقات محلياً، وتوفير قدر أكبر من الاستقرار للمواطنين والقطاعات الاقتصادية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تشهدها الأسواق العالمية نتيجة الظروف الجيوسياسية المؤثرة عليها.

وتضع سياسة التدرج، الحكومة أمام معادلة مالية واقتصادية دقيقة، إذ إن عدم تمرير الارتفاعات العالمية كاملة إلى السوق المحلية يخفف الضغط المباشر عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية، لكنه في الوقت ذاته ينقل جزءاً من كلفة الصدمة إلى الخزينة.

وفي المقابل، فإن عكس كامل الارتفاعات العالمية بصورة فورية على السوق المحلية كان سيعني انتقال الصدمة مباشرة إلى فاتورة الوقود، ثم إلى كلف النقل، والإنتاج، والتوزيع والخدمات، ما قد ينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية والقطاعات الاقتصادية.

وفي الأجل الطويل، تبدو معالجة أصل المشكلة مرتبطة بتقليل تعرض الاقتصاد الأردني لتقلبات أسواق الطاقة العالمية، من خلال زيادة الإنتاج المحلي من مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة والغاز، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتطوير النقل العام، بالتوازي مع تطوير آلية تسعير واضحة وشفافة، تستطيع امتصاص الصدمات السعرية صعوداً وهبوطاً من دون أن تتحول الخزينة إلى الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من الكلفة بصورة مستمرة.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :