التقنيات الحديثة .. تخفيض كلفة الغذاء بالمملكة


عمانيات - لم تعد قضية أسعار الغذاء مرتبطة فقط بتكلفة الإنتاج الزراعي أو أسعار الأسواق العالمية، فخلف كل كيلوغرام من الخضار أو الفاكهة أو الحبوب توجد كلفة للمياه والطاقة والأرض والنقل والتبريد والتخزين.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من التعامل مع المياه والغذاء والطاقة كقطاعات منفصلة إلى إدارتها باعتبارها منظومة واحدة مترابطة، بما يمكن أن يسهم ليس فقط في حماية الموارد، وإنما أيضا في خفض تكلفة الغذاء وتعزيز الأمن الغذائي.

الخبير في الأمن الغذائي، د. فاضل الزعبي، بيّن أنه في الأردن، تكتسب هذه المعادلة أهمية استثنائية؛ فالمياه مورد نادر، والزراعة من أهم مستخدمي المياه، بينما تحتاج عملية استخراج المياه ونقلها وضخها ومعالجتها إلى الطاقة، وفي المقابل، تحتاج الزراعة إلى الطاقة للري والتبريد والتخزين والتصنيع والنقل. وبالتالي، فإن ارتفاع تكلفة أي عنصر من هذه المنظومة ينتقل في النهاية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تكلفة الغذاء.

وأضاف أن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل ندير هذه القطاعات فعلا باعتبارها منظومة واحدة، أم ما زلنا نتعامل معها عبر خطط ومؤسسات وقرارات منفصلة؟ فالمسؤولية عن هذه الملفات موزعة بصورة كبيرة بين وزارات ومؤسسات مختلفة؛ فوزارة المياه والري معنية بإدارة المورد المائي، ووزارة الزراعة بالإنتاج الزراعي، ووزارة الطاقة والثروة المعدنية بالطاقة. وهذا التوزيع الإداري مفهوم، لكن هل يرافقه، بالقدر الكافي، تنسيق حكومي مؤسسي قادر على إدارة الروابط بين هذه القطاعات؟ وهل يتم، عند اتخاذ قرار زراعي أو مائي أو متعلق بالطاقة، احتساب تأثيره على القطاعين الآخرين بصورة منهجية؟

وتساءل: هل تستطيع الوزارات الثلاث أن تنظر إلى المتر المكعب من المياه والكيلوواط من الطاقة ليس فقط كمدخل مستقل، وإنما كجزء من تكلفة إنتاج كيلوغرام الغذاء؟ وإذا كانت الإجابة لا تزال جزئية، فربما آن الأوان لتطوير آلية تنسيق أكثر قوة، تضع كلفة المياه والطاقة والإنتاج الزراعي في نموذج اقتصادي واحد.

وأشار إلى أنه لا يتعلق الأمر بتحميل وزارة بعينها مسؤولية المشكلة، وإنما بمراجعة طريقة العمل الحكومية نفسها. فهل تكفي الخطط القطاعية المنفصلة لتحقيق أهداف مشتركة في الأمن الغذائي؟ وهل نحتاج إلى إطار وطني واضح لربط قرارات وزارات المياه والزراعة والطاقة، مع مؤشرات مشتركة لقياس النتائج؟ ومن المسؤول، في نهاية المطاف، عن تعظيم كمية الغذاء والقيمة الاقتصادية التي نحصل عليها من كل متر مكعب من المياه وكل وحدة من الطاقة؟
وزاد أن هناك فرصا حقيقية لتحويل هذا الترابط إلى أداة لخفض تكلفة الغذاء؛ فاستخدام الطاقة الشمسية في ضخ مياه الري يمكن أن يخفف كلفة الطاقة، بينما تساعد أنظمة الري الحديثة على تقليل استهلاك المياه، ويمكن كذلك التوسع المدروس في الزراعة المحمية والزراعة المائية وإعادة استخدام المياه المعالجة، واختيار المحاصيل وفقا لكفاءتها الاقتصادية والمائية، بحيث لا يكون الهدف فقط زيادة الإنتاج، وإنما إنتاج المزيد من الغذاء باستخدام موارد أقل.

من جهته، بيّن الدكتور في كلية الزراعة بالجامعة الأردنية، الخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي، د. نائل الظاهر، أن الذكاء الاصطناعي في هذه العملية يضيف بعدا جديدا لهذه المعادلة؛ فمن خلال بيانات الطقس والتربة وصور الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار والأسعار، يمكن تطوير أنظمة تساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية للري، والتنبؤ بالإنتاج، واكتشاف الإجهاد المائي للنبات، وتحسين توقيت الزراعة والحصاد، وربط قرارات الإنتاج بالتغيرات المتوقعة في الأسواق.
وبيّن أن التكنولوجيا وحدها لن تحل المشكلة، فالتحدي الحقيقي قد يكون في الحوكمة والتنسيق وتبادل البيانات. فإذا بقيت بيانات المياه لدى جهة، وبيانات الإنتاج الزراعي لدى جهة أخرى، وبيانات الطاقة لدى جهة ثالثة، فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم لصانع القرار صورة متكاملة؟

وزاد أن إدارة ترابط المياه والغذاء والطاقة ليست قضية بيئية أو فنية فحسب؛ إنها يمكن أن تكون سياسة اقتصادية مباشرة لخفض كلفة الغذاء وتعزيز القدرة التنافسية للزراعة الأردنية، مبينا أن السؤال الذي يستحق أن نضعه أمام صانع القرار اليوم هو: هل نستطيع أن ننتقل من إدارة ثلاثة قطاعات مترابطة إلى إدارة منظومة وطنية واحدة، يكون معيار نجاحها النهائي هو الحصول على غذاء أكثر، بكلفة أقل؟

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :