تحت غطاء الشطارة .. سلوكيات تنتهك حقوق الآخرين


عمانيات - وقف «أبو معن»، اسم مستعار، بسيارته عرضًا في منتصف مسرب تجاري حيوي، وأدار ضوء الانتظار الرباعي بهدوء تام لا تشوبه أي عجلة أو ارتباك.

تصاعدت أصوات منبهات المركبات خلفه في احتجاج جماعي متواصل، وأخذت صفوف السيارات تتكدس سريعًا خلفه لتعيق حركة الدخول إلى الشارع الفرعي، بينما اكتفى هو بإنزال زجاج نافذته قليلًا ليرمي على السائق المعترض خلفه ابتسامة باردة قائلًا: «دقيقتين يا غالي.. الشارع للجميع!».

ترجل «أبو معن» من مركبته بخطوات متمهلة، ومشى نحو واجهة محل الحلويات ليأخذ طلبه الشخصي، تاركًا وراءه طابورًا طويلًا من العائلات والعاملين يتعطل تحت أشعة الشمس في ذروة الزحام، بلا التفات إلى أن هذا التصرف الفردي البسيط اقتطع من أوقات عشرات العابرين وتسبب في تعطيل مصالحهم لمجرد توفير بضع خطوات مشي على قدميه.

وفي مناسبة اجتماعية أخرى، تقدم موكب احتفالي صاخب يقوده، «خليل» اسم مستعار، ومجموعة من رفاقه في طريق رئيسي؛ حيث تعمدت المركبات المشاركة إبطاء سرعتها تدريجيًا حتى توقفت تمامًا بالعرض، لتغلق حركة المرور بصورة كلية، وتطلق المنبهات الهوائية بإيقاعات متواصلة تخترق صمت الأحياء المجاورة.

ترجل بعض الشبان وسط الطريق العام لتحية صاحب الحفل وأداء رقصات سريعة أمام الكاميرات الموجهة من الهواتف الذكية، متجاهلين تمامًا وجود سيارات إسعاف تحاول المرور أو أصحاب أعذار قاهرة تتقطع بهم السبل خلف هذا الحاجز المصطنع.

وفي سهرة المساء، تحدث خليل أمام الحضور بزهو لافت وهو يستعرض مقاطع الفيديو المسجلة للمشهد، معتبرًا أن الفرح الذي لا يترك أثرًا مدويًا ولا يفرض حضوره على المحيط العام يفتقر للبهجة الحقيقية والصدى اللائق، فقوبل حديثه بابتسامات الرضا وعبارات المجاملة التي رأت في هذا الصنيع دليلًا على الحماس وقوة الروابط بين الأصدقاء.

ظاهرة متكررة

لا تحتاج هذه الظاهرة إلى رأي خبراء، لأنها سلوك مكشوف يمارس علنًا أمام الأعين ولا يفتقر إلى تشخيص؛ فاستدعاء باحث اجتماعي ليفسر لماذا يضع بعض الأفراد عوائق حديدية وإسمنتية لمنع جيرانهم من الوقوف في الفضاء المفتوح أمام المنازل، أو استحضار دراسات سلوكية معقدة لشرح أسباب التجاوز المتعمد في الطوابير ومنافذ الخدمة، يعد ضربًا من التزيّد الذي يمنح التصرفات الخاطئة غطاءً معرفيًا غير مبرر.

الصورة واضحة بملامحها الميدانية المجردة، والمشهد يتكرر يوميًا في الشوارع والأسواق دون لبس، وبعض السلوكيات التي تخل بالذوق العام لم تعد ممارسات عابرة يعتذر عنها صاحبها عند التنبيه، بل أضحت في بعض البيئات مادة للتفاخر في المجالس العامة باعتبارها نوعًا من سرعة البديهة والقدرة الفائقة على تحصيل المصالح وتأكيد الحضور الذاتي.

مفاهيم مقلوبة

تسللت إلى بعض الأوساط مفاهيم مشوهة لقواعد العيش المشترك وأسس استخدام المرافق العامة، حتى تحول التعامل مع الفضاء المشترك إلى ما يشبه ساحة لإثبات الأسبقية والتفوق الشخصي على حساب راحة الجماعة.

وتراجعت في نظر شريحة معينة قيمة مراعاة الآخرين، وبات التنازل الطوعي عن الدور أو احترام القواعد يُقرأ خطأ في بعض الأوساط بوصفه ضعفًا أو قلة حيلة.

الشخص الذي يقف بهدوء في طابور المخبز أو مركز التسوق، ملتزمًا بالترتيب الزمني ومنتظرًا وصول دوره بصمت وتهذيب، قد يجد نفسه موضع شفقة من بعض المتفرجين، في حين ينال ذلك الذي يتجاوز الواقفين بحركة التفافية رشيقة، ملقيًا تحية حارة أو متعللًا بعذر مستعجل، استحسانًا ضمنيًا على مهارته وتدبيره وحيويته، وكأن احترام النظام بات عيبًا يتعين التخلص منه لإثبات الحضور.

استباحة الراحة والأرصفة باسم المناسبات

تتجسد ملامح هذا النمط السلوكي في شواهد متعددة داخل الأحياء السكنية التي يفترض أن تكون ملاذًا للسكينة والراحة؛ إذ يعمد بعض القاطنين إلى التعامل مع الأرصفة وجوانب الطرق المحاذية لمنازلهم بوصفها ملكية خاصة مطلقة ورثوها دون غيرهم، فيضعون السلاسل الحديدية والبراميل والحجارة لمنع أي عابر أو جار من استغلال المكان ولو لفترة وجيزة، مما يحرم السكان والزوار من مساحات الوقوف المتاحة ويضيق حركة السير داخل الحارات الضيقة.

ولا يقتصر هذا السلوك على مواقف السيارات، بل يمتد إلى إقامة الاحتفالات في الهواء الطلق ومكبرات الصوت تصدح بأقصى طاقتها حتى ساعات الصباح الأولى، في بيئات سكنية تضم مرضى يحتاجون إلى الراحة، وأطفالًا رضعًا، وكبار سن يعانون من الإجهاد، وعمالًا ينتظرهم شقاء الصباح الباكر. وحين يحاول أحد المتضررين لفت الانتباه إلى خطورة ذلك بلطف، يأتيه الرد الجاهز والمتعالي بأن الفرح مناسبة نادرة ولا يحق لأحد أن يعكر صفوها، وكأن البهجة لا تكتمل إلا على حساب سكينة الآخرين وحقوقهم في النوم الهادئ.

التعدي على المشاع كمعيار للمكانة.

اتسع نطاق هذا التعدي السلوكي ليشمل تفاصيل إضافية في الفضاءات المفتوحة والحدائق العامة وأماكن الترفيه؛ حيث تترك بعض العائلات مخلفات الجلسات من الأطعمة والعبوات الفارغة في مكانها دون أدنى اكتراث بمن سيأتي بعدهم، تحت تبرير غير لائق بأن هنالك عمالًا مكلفين بجمع النفايات، مما يعكس غيابًا للشعور بالمسؤولية الجمعية تجاه نظافة البيئة المشتركة.

كما تتكرر المظاهر ذاتها في الأماكن المغلقة، كالمصاعد والممرات العامة، من خلال استخدام الهواتف بصوت مرتفع عبر مكبرات الصوت، أو التدخين في الأماكن المخصصة للجميع وتجاهل إشارات الامتناع، مع النظر إلى أي ملاحظة توجه إليهم على أنها تدخل غير مقبول في الحرية الفردية، رغم أن الحرية الفردية تنتهي تمامًا عند حدود الإضرار بحريات الآخرين وصحتهم.

أثر التساهل الجمعي والمجاملة الزائدة

العامل الحاسم في تغذية هذه السلوكيات واستمرارها في المجتمع لا يرتبط بالجهل بالقواعد، بل يكمن في التساهل الجمعي وثقافة المجاملة الزائدة التي تقابل بها هذه التجاوزات؛ إذ غالبًا ما يُقابل السلوك المعتدي بالصمت تجنبًا لإثارة الخلافات، أو يقابل بضحكات الإعجاب والمؤازرة في الجلسات العائلية وأحاديث المقاهي باعتباره دليلًا على خفة الظل والقدرة على تجاوز القيود.

هذا الصمت المجتمعي يبعث برسائل خاطئة تمامًا للأجيال الناشئة، مفادها أن الاستحواذ على حقوق الغير في المساحة العامة مهارة شائعة، وأن الصوت المرتفع والجسارة في خرق التقاليد هما السبيل الأضمن لفرض الذات، في حين تتراجع قيمة التواضع ومراعاة حقوق الجار والعابر بوصفها قيمًا غير ذات جدوى في واقع الحياة اليومية.

استعادة ثقافة الاحترام والذوق المشترك

التقاليد الاجتماعية الأصيلة ومبادئ المروءة المتوارثة لم تكن يومًا قائمة على تضييق الطرق على أصحاب الحاجات، أو حرمان الجار من السكينة، أو فرض الخيارات الفردية على الفضاءات المشتركة بقوة الأمر الواقع.

الشهامة الحقيقية لطالما تجلت في إيثار الآخرين، وحفظ حق الطريق، وخفض الجناح لأصحاب الأعذار وكبار السن، وصون حرمة البيوت والأحياء من كل ما يخدش هدوءها ووقارها.

ولا يتوقف تصحيح هذا المسار المتراجع على الإجراءات الرسمية وحدها، بل يحتاج في المقام الأول إلى وعي ذاتي وموقف مجتمعي حازم، يبدأ برفع الغطاء المعنوي عن هذه الممارسات، والتوقف التام عن التصفيق للمتجاوزين، والتحلي بالشجاعة الأدبية في استنكار التعدي على المشاع بأسلوب حضاري ورصين، لتعود مراعاة مشاعر الناس وحفظ حقوقهم المعيار الأول للوجاهة وحسن التربية.

الدستور




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :