وجوه الصغار في "قبضة" الـAI .. صور بريئة قابلة للتزييف والاستغلال
عمانيات - بين صورة وأخرى، ولحظات لا تنسى من الفرح والبهجة، تتزايد الرغبة لدى الكثيرين بمشاركتها في فضاء العالم الرقمي، ولكن في المقابل تصاعدت في الفترة الأخيرة تحذيرات من المخاطر المرتبطة بنشر صور الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي.
أصبح الوصول إلى هذه الصور وحفظها وإعادة استخدامها بطرق لا يمكن للأهل السيطرة عليها، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على التلاعب بالصور وتوليد محتوى مزيف قد يستغل لأغراض غير أخلاقية.
وفي وقت أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من الحياة اليومية، ومكانا يتجه إليه الكثيرون للاستفسار والحصول على المعلومات وتوليد الصور التي تجسد أفكارهم وخيالهم، تظهر في المقابل مخاوف متزايدة من الوجه الآخر لهذه التقنية، وما يمكن أن تتيحه من فرص لسوء استخدام الصور والمحتوى المنشور على الإنترنت.
لتتحول بذلك الصورة التي ينشرها الأهل بدافع الحب والفرح ومشاركة لحظات أطفالهم إلى "مادة رقمية" قد تخرج عن نطاقها الأصلي، الأمر الذي يجعل هذه التحذيرات بمثابة "جرس إنذار" للأهالي، ويدفعهم إلى إعادة التفكير في طبيعة المحتوى الذي يتم نشره عن الأطفال، ومدى الحاجة إلى حماية خصوصيتهم الرقمية منذ سنواتهم الأولى.
كيف يمكن توعية الأهالي بالمخاطر؟
ورصدت مؤسسة مراقبة الإنترنت البريطانية (IWF)، التي تعمل على كشف محتوى الاعتداء على الإنترنت، 6,310 صور غير قانونية مولدة بالذكاء الاصطناعي بين كانون الثاني (يناير) وحزيران (يونيو). أما العام الماضي، فبلغ العدد أكثر قليلا من 4,500 صورة، ما يعني زيادة بنسبة 40 %، ومعظم الصور كانت لفتيات، غالبيتهن من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاما، بحسب موقع "ديجيتال تريندز".
وفي ظل هذا الواقع، لا تقتصر المسؤولية على التحذير من استخدامات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى رفع وعي الأهل بكيفية التعامل مع صور أطفالهم على الإنترنت، وما الذي يمكن مشاركته وما الذي يجب الاحتفاظ به بعيدا عن الفضاء الرقمي.
وهنا يبقى السؤال: كيف يمكن توعية الأهالي بهذه المخاطر؟ وما الخطوات التي يمكن للأسرة اتخاذها لبناء جسر حماية يحافظ على خصوصية الأطفال ويحد من احتمالات استغلال صورهم في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي؟
ويرى محمد خواجا، مدير مركز الابتكار في "جامعة الحسين التقنية"، أن الخطر الأكبر اليوم هو أن الصورة لم تعد مجرد صورة، موضحا أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على أخذ صورة عادية لطفل وتحويلها إلى محتوى مزيف لا علاقة له بالواقع، أو استخدام ملامح وجهه في تدريب أنظمة التعرف على الوجوه من دون علم أحد.
صور وفيديوهات مزيفة
لكن تبدو حقيقية
وإلى جانب ذلك، يوضح خواجا أن كثيرا من الصور تكشف معلومات لا ينتبه لها الأهل، مثل اسم المدرسة على الزي أو موقع البيت أو الروتين اليومي للطفل، وهذا جميعه يبقى على الإنترنت لسنوات، فيكبر الطفل ليجد بصمة رقمية لم يخترها.
وفي إجابته عن سؤال "إلى أي مدى يمكن استخدام صور الأطفال المنشورة على الإنترنت في إنشاء صور أو محتوى مزيف؟"، يشير خواجا إلى أنه إلى حد كبير للأسف، مبينا أنه اليوم يكفي عدد قليل من الصور الواضحة للوجه لصناعة صور أو فيديوهات مزيفة تبدو حقيقية، ولم يعد ذلك يحتاج إلى خبرة تقنية.
ويذكر خواجا أن ما يجعل الصور أكثر عرضة للاستغلال هو أن تكون الحسابات عامة، والصور واضحة ومن زوايا مختلفة، ومنشورة بكثرة على مدى سنوات ومرفقة باسم الطفل أو عمره أو مكانه، فكلما زادت الصور المتاحة، زادت المادة التي يمكن إساءة استخدامها.
ويذكر خواجا أن الخطوات التقنية لحماية صور الأطفال وخصوصيتهم الرقمية تبدأ بقاعدة بسيطة: "انشر أقل، وانشر لمن تعرفهم فقط، واجعل حسابك خاصا، أو استخدم خاصية الأصدقاء المقربين، أو شارك الصور في مجموعات العائلة بدل المنصات العامة".
مراجعة إعدادات الخصوصية
من وقت لآخر
وينصح خواجا بتجنب الصور التي يظهر فيها وجه الطفل بوضوح كامل، مشددا على ضرورة عدم نشر صور الطفل بملابس السباحة أو أثناء الاستحمام مهما بدت بريئة.
إلى جانب إيقاف تحديد الموقع في إعدادات الكاميرا، والانتباه لما يظهر في الخلفية من شعار مدرسة أو عنوان، ومراجعة إعدادات الخصوصية من وقت لآخر لأن المنصات تغيرها باستمرار. والأهم، بحسب خواجا، أنه حين يكبر الطفل قليلا، يجب سؤاله قبل أن ننشر صورته، فهي صورته هو قبل أن تكون ذكرى لنا.
المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية د. سعاد غيث، بينت أن نشر صور الأطفال باستمرار يؤثر في خصوصيتهم وشعورهم بالأمان وثقتهم بأنفسهم، ويبدأ الأثر بأن الأهل يبنون للطفل حضورا ووجودا رقميا قبل أن يستطيع أن يختار بنفسه ما يريد أن يعرفه الآخرون عنه.
وتوضح غيث أنه مع تكرار النشر، قد تكشف الصور والتعليقات تفاصيل عنه؛ مدرسته، أماكن وجوده، وحياته الخاصة، كما يمكن أن تحفظ هذه الصور ويعاد تداولها، أو حتى استخدامها في سياقات أخرى.
وتشير غيث إلى أنه اليوم هناك تحذيرات من نشر صور الأطفال، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتلاعب بها، ووفقا لذلك قد تخرج الصور عن الجمهور المطلوب الوصول إليه وعن السياق الذي اختاره الأهل للطفل.
حماية الخصوصية
من مخاطر العالم الرقمي
ومن منظور الإرشاد الأسري، يمكن أن يشعر الطفل مع تقدمه في العمر بالحاجة إلى السيطرة على صورته أمام الآخرين، خاصة إذا تضمنت المنشورات لحظات بكائه، خوفه، إجاباته الغريبة ومواقف محرجة، لأن هذا عادة ما يتم نشره.
وتذكر غيث أنه إذا اعترض الطفل واستمر الأهل في النشر، فقد يفهم أن رغبته وحدوده الشخصية لا تؤخذ بجدية، وهذا يمكن أن يؤثر في ثقته بأهله وشعوره بالأمان معهم، منوهة إلى أنه يمكن أن تصبح بعض الصور مصدرا للسخرية والتنمر عليه، وهذا قد يؤثر في نظرته إلى نفسه.
وتبين غيث أن هذه جميعها آثار محتملة وليست مؤكدة، ولكنها أيضا لا تعني بالضرورة أن كل طفل يتم نشر صوره سيتضرر نفسيا، لأن هناك الكثير من العوامل الوسيطة التي تؤثر في النتيجة، وما إذا كان سيتضرر أم لا.
ومنها طبيعة المحتوى، وطريقة تعامل الأهل مع رأيه، إضافة إلى ما إذا كان الطفل سيتعرض للتنمر أم لا، وهل كان الطفل نفسه سعيدا بالنشر أم كان منزعجا منه.
وبالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، تبين غيث أنه أضاف إمكانية استخدام الصور العادية في صناعة محتوى مزيف ومسيء، ووفقا لذلك يمكن أن نفهم أن الصورة قد تكون مفبركة، لكن إحراجه وخوفه يكونان حقيقيين.
وتشير غيث إلى أنه يمكن للأهل تحقيق التوازن بين مشاركة لحظات أطفالهم بدافع الفرح، وبين حماية خصوصيتهم من مخاطر العالم الرقمي، عندما تصبح مصلحة الطفل هي المعيار الأول للنشر.
وتبين غيث أنه قبل مشاركة أي صورة، من المفترض أن يسأل الأهل أنفسهم الأسئلة الآتية: "ما المعلومات التي تكشفها هذه الصورة؟ وما الذي يمكن أن يحدث لها مستقبلا؟"، لأن ما ينشر عبر الإنترنت يبقى موجودا، وحتى لو تمكنت من حذفه، فقد يحتفظ به الآخرون ويعيدون تداوله.
ينبغي عدم مشاركة
أي معلومات خاصة بالطفل
وتذكر غيث أن الاحتفاظ بالذكرى ليس بالضرورة أن يكون عبر نشرها على حساب عام، ولا ينبغي أن يكون الهدف هو الحصول على الإعجابات والمشاركات والشهرة.
والأفضل، بحسب غيث، هو تقليل النشر العلني، وأن تكون المشاركة محدودة مع أشخاص معروفين وموثوقين، مثل الأصدقاء المقربين والأهل.
وتشدد غيث على أهمية الانتباه لعدم إظهار معلومات تتعلق بخصوصية الطفل، مثل اسم المدرسة، عنوان المنزل، موقع الطفل الحالي، وروتينه اليومي.
كما تؤكد غيث ضرورة عدم نشر صور يظهر فيها الطفل أثناء الاستحمام، أو في لحظات محرجة، أو التي تتضمن تفاصيل صحية وشخصية وأي محتوى من هذا النوع.
وتبين غيث أنه يجب إشراك الطفل في القرار: "هل تحب أن ننشر هذه الصورة أم لا؟"، لكن إشراكه يكون بحسب عمره، لأن الطفل في بعض المراحل العمرية لا يكون قادرا على تقدير تبعات النشر، أما الأطفال الأكبر سنا فيمكن استشارتهم وأخذ رأيهم، بينما الأصغر سنا يجب أن نراعي مصلحتهم.
إلى جانب ذلك، يمكن أن تكون هذه فرصة لتعليم الطفل أننا نحترم خصوصيته، بحسب غيث، فعندما يقول لنا "أنا أرفض، أنا لا أريد"، فمن المفترض ألا ننشر الصورة، وأن نحترم رفضه ورأيه.
أما الأطفال الأصغر سنا، فهم لا يستطيعون تقدير تبعات النشر، ولذلك تقع مسؤولية الأهل أولا وأخيرا في اختيار صور لائقة تحفظ كرامة الطفل وخصوصيته الآن ومستقبلا، وحتى موافقة الطفل الأكبر سنا لا تعفي الأهل من تقدير المخاطر، وفقا لغيث.
مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي
أما بالنسبة إلى التوصيات التي يقدمها الاختصاصيون للأهل، فتبين غيث أن الوالدية الرقمية توصي بأنه قبل رفع صور الأطفال إلى أدوات توليد الصور وتعديلها بالذكاء الاصطناعي، يجب توخي الحذر ومراجعة سياسات حفظ الصور وإعادة استخدامها.
وقد تكون هناك إعدادات تسمح بعدم مشاركة هذه البيانات أو عدم إعادة استخدامها لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتوضح غيث أن الذكاء الاصطناعي هو نموذج تعلم، ولذلك يجب مراجعة السياسات وإعدادات الخصوصية وضبطها بما يحمي البيانات والصور، منوهة إلى أن هناك مدارس تنشر الصور، لذلك إذا كانت لدينا تحفظات، فيجب أن نتحدث عنها، خاصة إذا كانت الصور عامة أو تتعلق بأنشطة عامة ومشتركة.
أما بالنسبة إلى الصور الخاصة بالطفل، فتذكر غيث أنه يمكن الاتفاق مع المدرسة والأقارب على حدود فيما يتعلق بالتصوير والأنشطة، فالحماية ليست مسؤولية الأبوين فقط، وإنما هي أيضا مسؤولية كل من يحيط بالطفل.
وتشير غيث إلى أنه، وبحسب ملاحظتها، لا يوجد وعي رقمي كاف فيما يتعلق بكيفية تصرف الآباء بحكمة.
وتوضح غيث أن الآباء يجهلون الكثير من الأمور، ولذلك لا بد من القيام بهذه التوعية، ولا بد من هذا التعريف من خلال أن يتعلم الآباء كيفية إدارة العالم الرقمي واتصال الأطفال بالشاشات. وهذا ما نسميه الوالدية الرقمية، بحسب غيث، والتي تتضمن الكثير من التفاصيل وهناك الكثير من الأمور التي يصعب على الشخص الإحاطة بها جميعا.
طلب المساعدة عند التعرض لموقف مسيء
وتقترح غيث أن تقوم التوعية على بناء القدرة على التصرف، وأن يرتبط كل تحذير بخطوة عملية. فمثلا، عندما نشرح أن الصورة قد تصل إلى أشخاص لم نقصد وصولها إليهم، يتم اتباع ذلك بتعليم الأسرة كيفية اختيار الجمهور، ومراجعة إعدادات الخصوصية وتقليل المعلومات المنشورة. وتؤكد أن الحوار والممارسة المشتركة يساعداننا على تحويل القلق إلى قرارات يمكن تنفيذها.
وبالنسبة إلى الأطفال الصغار، توضح غيث أن نبدأ بقواعد بسيطة، فنقول لهم: "صورتك ومعلوماتك تخصك"، ونبين لهم أنهم يستطيعون رفض التصوير أو النشر، وأن يستأذنوا الآخرين قبل مشاركة صورهم.
أما الأطفال الأكبر سنا، فنوضح لهم أن بعض الصور يمكن أن تنتشر رقميا، وأن ما يبدو حقيقيا على الشاشة قد يكون مزيفا، وأنهم قد لا يستطيعون التمييز بسهولة بين الصورة الحقيقية والصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن نعرض عليهم محتوى صادما أو نهول الأمور.
والأهم، من وجهة نظر غيث، أن يكون الأهل هم القدوة الأولى، فعندما يطلبون الإذن ويحترمون إجابة الطفل، فإنهم بذلك يقدمون نموذجا عمليا لاحترام الخصوصية.
ومن الناحية الأسرية، بينت غيث أن أهم ما نريد أن يسمعه الطفل هو أنه يستطيع إخبارنا إذا حدث أمر يزعجه، وأنه يستطيع طلب المساعدة إذا تعرض لأي موقف، وأنه لن تتم مقابلته باللوم أو الإهانة.
وتؤكد غيث أهمية أن نطمئن الطفل إذا وقع عليه أي نوع من الاستغلال، ونخبره أن المسؤولية تقع على المسيء سواء كان الشخص الذي استخدم الصورة أو الذي قام بتقليدها أو التلاعب بها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى إبلاغ الجهات المختصة إذا تطلب الأمر ذلك، مع الاحتفاظ بالحسابات والمنشورات وبيانات التهديد من دون إعادة تداول الصور المسيئة أو تنزيل المحتوى وإعادة نشره.
وتشدد غيث على أنه يجب أن يكون هناك أيضا وعي وحساسية تجاه الطفل في التغطية الإعلامية وفي المنصات الإعلامية، فلا توجد حاجة إلى العناوين والصور التي تثير الهلع أو تعيد كشف هوية الأطفال المتضررين.
وتختم غيث حديثها مؤكدة أننا نريد أن يتم تعليم الآباء خطوات حماية الطفل من هذه المخاطر، والأسرة بالتأكيد تحتاج إلى مساندة المدارس والجهات المعنية والجهات الإعلامية والمؤسسات الوطنية، فلا نحمل الأهل وحدهم مسؤولية مواجهة تقنية تتغير بهذه السرعة.
الغد
أصبح الوصول إلى هذه الصور وحفظها وإعادة استخدامها بطرق لا يمكن للأهل السيطرة عليها، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على التلاعب بالصور وتوليد محتوى مزيف قد يستغل لأغراض غير أخلاقية.
وفي وقت أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من الحياة اليومية، ومكانا يتجه إليه الكثيرون للاستفسار والحصول على المعلومات وتوليد الصور التي تجسد أفكارهم وخيالهم، تظهر في المقابل مخاوف متزايدة من الوجه الآخر لهذه التقنية، وما يمكن أن تتيحه من فرص لسوء استخدام الصور والمحتوى المنشور على الإنترنت.
لتتحول بذلك الصورة التي ينشرها الأهل بدافع الحب والفرح ومشاركة لحظات أطفالهم إلى "مادة رقمية" قد تخرج عن نطاقها الأصلي، الأمر الذي يجعل هذه التحذيرات بمثابة "جرس إنذار" للأهالي، ويدفعهم إلى إعادة التفكير في طبيعة المحتوى الذي يتم نشره عن الأطفال، ومدى الحاجة إلى حماية خصوصيتهم الرقمية منذ سنواتهم الأولى.
كيف يمكن توعية الأهالي بالمخاطر؟
ورصدت مؤسسة مراقبة الإنترنت البريطانية (IWF)، التي تعمل على كشف محتوى الاعتداء على الإنترنت، 6,310 صور غير قانونية مولدة بالذكاء الاصطناعي بين كانون الثاني (يناير) وحزيران (يونيو). أما العام الماضي، فبلغ العدد أكثر قليلا من 4,500 صورة، ما يعني زيادة بنسبة 40 %، ومعظم الصور كانت لفتيات، غالبيتهن من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاما، بحسب موقع "ديجيتال تريندز".
وفي ظل هذا الواقع، لا تقتصر المسؤولية على التحذير من استخدامات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى رفع وعي الأهل بكيفية التعامل مع صور أطفالهم على الإنترنت، وما الذي يمكن مشاركته وما الذي يجب الاحتفاظ به بعيدا عن الفضاء الرقمي.
وهنا يبقى السؤال: كيف يمكن توعية الأهالي بهذه المخاطر؟ وما الخطوات التي يمكن للأسرة اتخاذها لبناء جسر حماية يحافظ على خصوصية الأطفال ويحد من احتمالات استغلال صورهم في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي؟
ويرى محمد خواجا، مدير مركز الابتكار في "جامعة الحسين التقنية"، أن الخطر الأكبر اليوم هو أن الصورة لم تعد مجرد صورة، موضحا أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على أخذ صورة عادية لطفل وتحويلها إلى محتوى مزيف لا علاقة له بالواقع، أو استخدام ملامح وجهه في تدريب أنظمة التعرف على الوجوه من دون علم أحد.
صور وفيديوهات مزيفة
لكن تبدو حقيقية
وإلى جانب ذلك، يوضح خواجا أن كثيرا من الصور تكشف معلومات لا ينتبه لها الأهل، مثل اسم المدرسة على الزي أو موقع البيت أو الروتين اليومي للطفل، وهذا جميعه يبقى على الإنترنت لسنوات، فيكبر الطفل ليجد بصمة رقمية لم يخترها.
وفي إجابته عن سؤال "إلى أي مدى يمكن استخدام صور الأطفال المنشورة على الإنترنت في إنشاء صور أو محتوى مزيف؟"، يشير خواجا إلى أنه إلى حد كبير للأسف، مبينا أنه اليوم يكفي عدد قليل من الصور الواضحة للوجه لصناعة صور أو فيديوهات مزيفة تبدو حقيقية، ولم يعد ذلك يحتاج إلى خبرة تقنية.
ويذكر خواجا أن ما يجعل الصور أكثر عرضة للاستغلال هو أن تكون الحسابات عامة، والصور واضحة ومن زوايا مختلفة، ومنشورة بكثرة على مدى سنوات ومرفقة باسم الطفل أو عمره أو مكانه، فكلما زادت الصور المتاحة، زادت المادة التي يمكن إساءة استخدامها.
ويذكر خواجا أن الخطوات التقنية لحماية صور الأطفال وخصوصيتهم الرقمية تبدأ بقاعدة بسيطة: "انشر أقل، وانشر لمن تعرفهم فقط، واجعل حسابك خاصا، أو استخدم خاصية الأصدقاء المقربين، أو شارك الصور في مجموعات العائلة بدل المنصات العامة".
مراجعة إعدادات الخصوصية
من وقت لآخر
وينصح خواجا بتجنب الصور التي يظهر فيها وجه الطفل بوضوح كامل، مشددا على ضرورة عدم نشر صور الطفل بملابس السباحة أو أثناء الاستحمام مهما بدت بريئة.
إلى جانب إيقاف تحديد الموقع في إعدادات الكاميرا، والانتباه لما يظهر في الخلفية من شعار مدرسة أو عنوان، ومراجعة إعدادات الخصوصية من وقت لآخر لأن المنصات تغيرها باستمرار. والأهم، بحسب خواجا، أنه حين يكبر الطفل قليلا، يجب سؤاله قبل أن ننشر صورته، فهي صورته هو قبل أن تكون ذكرى لنا.
المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية د. سعاد غيث، بينت أن نشر صور الأطفال باستمرار يؤثر في خصوصيتهم وشعورهم بالأمان وثقتهم بأنفسهم، ويبدأ الأثر بأن الأهل يبنون للطفل حضورا ووجودا رقميا قبل أن يستطيع أن يختار بنفسه ما يريد أن يعرفه الآخرون عنه.
وتوضح غيث أنه مع تكرار النشر، قد تكشف الصور والتعليقات تفاصيل عنه؛ مدرسته، أماكن وجوده، وحياته الخاصة، كما يمكن أن تحفظ هذه الصور ويعاد تداولها، أو حتى استخدامها في سياقات أخرى.
وتشير غيث إلى أنه اليوم هناك تحذيرات من نشر صور الأطفال، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتلاعب بها، ووفقا لذلك قد تخرج الصور عن الجمهور المطلوب الوصول إليه وعن السياق الذي اختاره الأهل للطفل.
حماية الخصوصية
من مخاطر العالم الرقمي
ومن منظور الإرشاد الأسري، يمكن أن يشعر الطفل مع تقدمه في العمر بالحاجة إلى السيطرة على صورته أمام الآخرين، خاصة إذا تضمنت المنشورات لحظات بكائه، خوفه، إجاباته الغريبة ومواقف محرجة، لأن هذا عادة ما يتم نشره.
وتذكر غيث أنه إذا اعترض الطفل واستمر الأهل في النشر، فقد يفهم أن رغبته وحدوده الشخصية لا تؤخذ بجدية، وهذا يمكن أن يؤثر في ثقته بأهله وشعوره بالأمان معهم، منوهة إلى أنه يمكن أن تصبح بعض الصور مصدرا للسخرية والتنمر عليه، وهذا قد يؤثر في نظرته إلى نفسه.
وتبين غيث أن هذه جميعها آثار محتملة وليست مؤكدة، ولكنها أيضا لا تعني بالضرورة أن كل طفل يتم نشر صوره سيتضرر نفسيا، لأن هناك الكثير من العوامل الوسيطة التي تؤثر في النتيجة، وما إذا كان سيتضرر أم لا.
ومنها طبيعة المحتوى، وطريقة تعامل الأهل مع رأيه، إضافة إلى ما إذا كان الطفل سيتعرض للتنمر أم لا، وهل كان الطفل نفسه سعيدا بالنشر أم كان منزعجا منه.
وبالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، تبين غيث أنه أضاف إمكانية استخدام الصور العادية في صناعة محتوى مزيف ومسيء، ووفقا لذلك يمكن أن نفهم أن الصورة قد تكون مفبركة، لكن إحراجه وخوفه يكونان حقيقيين.
وتشير غيث إلى أنه يمكن للأهل تحقيق التوازن بين مشاركة لحظات أطفالهم بدافع الفرح، وبين حماية خصوصيتهم من مخاطر العالم الرقمي، عندما تصبح مصلحة الطفل هي المعيار الأول للنشر.
وتبين غيث أنه قبل مشاركة أي صورة، من المفترض أن يسأل الأهل أنفسهم الأسئلة الآتية: "ما المعلومات التي تكشفها هذه الصورة؟ وما الذي يمكن أن يحدث لها مستقبلا؟"، لأن ما ينشر عبر الإنترنت يبقى موجودا، وحتى لو تمكنت من حذفه، فقد يحتفظ به الآخرون ويعيدون تداوله.
ينبغي عدم مشاركة
أي معلومات خاصة بالطفل
وتذكر غيث أن الاحتفاظ بالذكرى ليس بالضرورة أن يكون عبر نشرها على حساب عام، ولا ينبغي أن يكون الهدف هو الحصول على الإعجابات والمشاركات والشهرة.
والأفضل، بحسب غيث، هو تقليل النشر العلني، وأن تكون المشاركة محدودة مع أشخاص معروفين وموثوقين، مثل الأصدقاء المقربين والأهل.
وتشدد غيث على أهمية الانتباه لعدم إظهار معلومات تتعلق بخصوصية الطفل، مثل اسم المدرسة، عنوان المنزل، موقع الطفل الحالي، وروتينه اليومي.
كما تؤكد غيث ضرورة عدم نشر صور يظهر فيها الطفل أثناء الاستحمام، أو في لحظات محرجة، أو التي تتضمن تفاصيل صحية وشخصية وأي محتوى من هذا النوع.
وتبين غيث أنه يجب إشراك الطفل في القرار: "هل تحب أن ننشر هذه الصورة أم لا؟"، لكن إشراكه يكون بحسب عمره، لأن الطفل في بعض المراحل العمرية لا يكون قادرا على تقدير تبعات النشر، أما الأطفال الأكبر سنا فيمكن استشارتهم وأخذ رأيهم، بينما الأصغر سنا يجب أن نراعي مصلحتهم.
إلى جانب ذلك، يمكن أن تكون هذه فرصة لتعليم الطفل أننا نحترم خصوصيته، بحسب غيث، فعندما يقول لنا "أنا أرفض، أنا لا أريد"، فمن المفترض ألا ننشر الصورة، وأن نحترم رفضه ورأيه.
أما الأطفال الأصغر سنا، فهم لا يستطيعون تقدير تبعات النشر، ولذلك تقع مسؤولية الأهل أولا وأخيرا في اختيار صور لائقة تحفظ كرامة الطفل وخصوصيته الآن ومستقبلا، وحتى موافقة الطفل الأكبر سنا لا تعفي الأهل من تقدير المخاطر، وفقا لغيث.
مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي
أما بالنسبة إلى التوصيات التي يقدمها الاختصاصيون للأهل، فتبين غيث أن الوالدية الرقمية توصي بأنه قبل رفع صور الأطفال إلى أدوات توليد الصور وتعديلها بالذكاء الاصطناعي، يجب توخي الحذر ومراجعة سياسات حفظ الصور وإعادة استخدامها.
وقد تكون هناك إعدادات تسمح بعدم مشاركة هذه البيانات أو عدم إعادة استخدامها لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتوضح غيث أن الذكاء الاصطناعي هو نموذج تعلم، ولذلك يجب مراجعة السياسات وإعدادات الخصوصية وضبطها بما يحمي البيانات والصور، منوهة إلى أن هناك مدارس تنشر الصور، لذلك إذا كانت لدينا تحفظات، فيجب أن نتحدث عنها، خاصة إذا كانت الصور عامة أو تتعلق بأنشطة عامة ومشتركة.
أما بالنسبة إلى الصور الخاصة بالطفل، فتذكر غيث أنه يمكن الاتفاق مع المدرسة والأقارب على حدود فيما يتعلق بالتصوير والأنشطة، فالحماية ليست مسؤولية الأبوين فقط، وإنما هي أيضا مسؤولية كل من يحيط بالطفل.
وتشير غيث إلى أنه، وبحسب ملاحظتها، لا يوجد وعي رقمي كاف فيما يتعلق بكيفية تصرف الآباء بحكمة.
وتوضح غيث أن الآباء يجهلون الكثير من الأمور، ولذلك لا بد من القيام بهذه التوعية، ولا بد من هذا التعريف من خلال أن يتعلم الآباء كيفية إدارة العالم الرقمي واتصال الأطفال بالشاشات. وهذا ما نسميه الوالدية الرقمية، بحسب غيث، والتي تتضمن الكثير من التفاصيل وهناك الكثير من الأمور التي يصعب على الشخص الإحاطة بها جميعا.
طلب المساعدة عند التعرض لموقف مسيء
وتقترح غيث أن تقوم التوعية على بناء القدرة على التصرف، وأن يرتبط كل تحذير بخطوة عملية. فمثلا، عندما نشرح أن الصورة قد تصل إلى أشخاص لم نقصد وصولها إليهم، يتم اتباع ذلك بتعليم الأسرة كيفية اختيار الجمهور، ومراجعة إعدادات الخصوصية وتقليل المعلومات المنشورة. وتؤكد أن الحوار والممارسة المشتركة يساعداننا على تحويل القلق إلى قرارات يمكن تنفيذها.
وبالنسبة إلى الأطفال الصغار، توضح غيث أن نبدأ بقواعد بسيطة، فنقول لهم: "صورتك ومعلوماتك تخصك"، ونبين لهم أنهم يستطيعون رفض التصوير أو النشر، وأن يستأذنوا الآخرين قبل مشاركة صورهم.
أما الأطفال الأكبر سنا، فنوضح لهم أن بعض الصور يمكن أن تنتشر رقميا، وأن ما يبدو حقيقيا على الشاشة قد يكون مزيفا، وأنهم قد لا يستطيعون التمييز بسهولة بين الصورة الحقيقية والصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن نعرض عليهم محتوى صادما أو نهول الأمور.
والأهم، من وجهة نظر غيث، أن يكون الأهل هم القدوة الأولى، فعندما يطلبون الإذن ويحترمون إجابة الطفل، فإنهم بذلك يقدمون نموذجا عمليا لاحترام الخصوصية.
ومن الناحية الأسرية، بينت غيث أن أهم ما نريد أن يسمعه الطفل هو أنه يستطيع إخبارنا إذا حدث أمر يزعجه، وأنه يستطيع طلب المساعدة إذا تعرض لأي موقف، وأنه لن تتم مقابلته باللوم أو الإهانة.
وتؤكد غيث أهمية أن نطمئن الطفل إذا وقع عليه أي نوع من الاستغلال، ونخبره أن المسؤولية تقع على المسيء سواء كان الشخص الذي استخدم الصورة أو الذي قام بتقليدها أو التلاعب بها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى إبلاغ الجهات المختصة إذا تطلب الأمر ذلك، مع الاحتفاظ بالحسابات والمنشورات وبيانات التهديد من دون إعادة تداول الصور المسيئة أو تنزيل المحتوى وإعادة نشره.
وتشدد غيث على أنه يجب أن يكون هناك أيضا وعي وحساسية تجاه الطفل في التغطية الإعلامية وفي المنصات الإعلامية، فلا توجد حاجة إلى العناوين والصور التي تثير الهلع أو تعيد كشف هوية الأطفال المتضررين.
وتختم غيث حديثها مؤكدة أننا نريد أن يتم تعليم الآباء خطوات حماية الطفل من هذه المخاطر، والأسرة بالتأكيد تحتاج إلى مساندة المدارس والجهات المعنية والجهات الإعلامية والمؤسسات الوطنية، فلا نحمل الأهل وحدهم مسؤولية مواجهة تقنية تتغير بهذه السرعة.
الغد
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...