• الرئيسية
  • منوعات

  • حين تتسارع الحياة وتثقل أعباؤها .. رحلات قصيرة تعيد للإنسان هدوءه

حين تتسارع الحياة وتثقل أعباؤها .. رحلات قصيرة تعيد للإنسان هدوءه


عمانيات - بعيدا عن صخب الحياة، تتواجد هناك بداية أخرى، ربما قصيرة، لكنها تفي بالغرض. بداية لا تحتاج إلى كثير من الوقت، بقدر ما تحتاج إلى مكان مختلف، ووقت يخرج الإنسان فيه قليلا من حياته المعتادة.

فهل تكفي رحلة قصيرة، ليوم أو يومين، لأن نبتعد قليلا عن ضغط الحياة ونعود بطاقة مختلفة؟

رحلة قصيرة.. وراحة مؤقتة
تعيش ديما وهي طالبة توجيهي، ضغطا دراسيا كبيرا، ما دفعها مع عائلتها إلى القيام برحلة قصيرة بهدف الترفيه والتخفيف من الضغط. ورغم أن الرحلة لم تتجاوز يومين، تقول ديما إنها شعرت وكأنها انتقلت من حياة إلى أخرى، بعد أن ابتعدت مؤقتا عن روتينها. وتوضح أن الرحلة منحتها طاقة أكبر وشغفا للعودة إلى الدراسة، وتشبّه أثرها بإعادة شحن البطارية.

أما محمد وهو موظف بإحدى الشركات، فيجد صعوبة في القيام برحلات خارجية طويلة بسبب طبيعة عمله، لذلك يتجه غالبا إلى الرحلات القصيرة خلال عطلة يومي الجمعة والسبت.

ويقول إن هذه الرحلات تمنحه فرصة للابتعاد مؤقتًا عن ضغط العمل، خصوصا مع تنوع فعالياتها وما توفره من أجواء يغلب عليها المزاح والضحك بعيدا عن جدية العمل، مشيرا إلى أن قضاء يومين خارج الروتين يساعده، ولو لفترة قصيرة، على تغيير حالته واستعادة شيء من الراحة.

أما إيمان، فأصبحت الرحلات القصيرة جزءا من روتينها، وتحرص على تكرارها بشكل أسبوعي، لما تمنحه إياها من فرصة للتعرف إلى أشخاص جدد، واكتساب تجارب وثقافات مختلفة، وقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء.

وترى إيمان أن الرحلات الداخلية تساعدها على كسر روتين الحياة وتخفيف ضغوطها واستعادة طاقتها الإيجابية، مشيرة إلى أن تكلفتها المناسبة تجعلها خيارا متاحا لقضاء وقت ممتع دون الحاجة إلى سفر طويل.

حين يصبح الابتعاد حاجة ضرورية
وترى الأخصائية النفسية والتربوية حنين البطوش أن شعور الإنسان بالحاجة إلى الابتعاد عن روتينه اليومي يرتبط أحيانا بتراكم المسؤوليات وضيق المساحة المتاحة لاحتياجاته الشخصية، موضحة أن الضغط لا ينتج عن كثرة العمل أو الدراسة وحدها، وإنما عن الانشغال المستمر وتكرار المطالب والشعور بضرورة الاستجابة لها دون وقت كاف للتعافي.

وتوضح أن الرغبة في أخذ استراحة قصيرة يمكن فهمها بوصفها حاجة إلى استعادة التوازن، وإيجاد مساحة للإنسان خارج أدواره المهنية والأسرية، لافتة إلى أن الروتين يمنح الاستقرار، لكنه يحتاج أيضا إلى المرونة والتجدد حتى يظل داعما للحياة.

وتشير البطوش إلى أن الرحلات القصيرة يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط وتحسين الشعور بالحيوية، خصوصا عندما تتيح انفصالا ذهنيا عن الالتزامات ونوما كافيا وحركة، وأنشطة يختارها الشخص بحرية.

وترى أن تغيير المكان قد يقلل من التذكيرات اليومية بالمهام، ويمنح الإنسان فرصة للنظر إلى ما يشغله من زاوية أوسع، مؤكدة أن جودة الاستراحة أهم من بعد الوجهة أو كلفة السفر.

البحث عن فرصة للتعافي
وعلى المستوى الأسري، ترى أن الرحلة تمنح أفراد الأسرة فرصة للتواصل والمرح وصناعة خبرات مشتركة، شرط مراعاة اختلاف احتياجاتهم وتوزيع مسؤوليات التخطيط ورعاية الأطفال، لأن الراحة لا تتحقق للجميع إذا تحمل أحد أفراد الأسرة وحده عبء تنظيمها.

كما يمكن للأطفال أن يتعلموا من هذه التجربة أن الراحة جزء من الحياة المتوازنة، وأن الاستمتاع لا يتطلب برنامجا مزدحما أو إنفاقا يفوق قدرة الأسرة.

أما الأشخاص الذين يعيشون تحت ضغط مستمر في العمل أو الدراسة، فتوضح البطوش أنهم قد يكونون أشد حاجة إلى الاستراحة، لكنهم في الوقت نفسه قد يجدون صعوبة أكبر في الاستفادة منها؛ إذ قد يسافر الإنسان جسديا بينما يبقى ذهنه منشغلا بالمهام أو بالقلق مما ينتظره عند العودة.

لذلك تنصح بترتيب الالتزامات مسبقا، ووضع حدود للتواصل مع العمل، واختيار برنامج يتناسب مع مستوى التعب، مؤكدة أن أياما قليلة لا تستطيع معالجة استنزاف تراكم خلال أشهر، وإنما تمنح فرصة للتعافي، فيما يحتاج استمرار التحسن إلى مراجعة حجم الأعباء ومصادر الضغط والدعم المتاح.

عادات صحية تعزز الصحة النفسية
وينطبق الأمر ذاته على الطلاب، بحسب البطوش، إذ تصبح الراحة أكثر فائدة عندما تكون جزءا من خطة دراسية واقعية، ويقابلها تفهم أسري بدل إشعار الطالب بالذنب لأنه يحتاج إلى التوقف.

وتفرق البطوش بين الاستراحة الصحية والهروب من المشكلات من خلال أثر الابتعاد على قدرة الإنسان على التعامل مع حياته؛ فالاستراحة تمنحه وقتا ليهدأ ويرتب أفكاره، ثم يعود إلى مسؤولياته ومشكلاته بخطوات أوضح.

أما إذا أصبحت الرحلات وسيلة متكررة لتأجيل الحوارات والقرارات الضرورية، مع تراكم الالتزامات والخلافات، فمن المهم مراجعة هذا النمط.

وفي المقابل، تشير إلى أن الابتعاد عن بيئة مؤذية أو غير آمنة قد يكون ضرورة للحماية، ما يجعل فهم الظروف المحيطة بالإنسان ضروريا قبل الحكم على دوافع ابتعاده.

وتؤكد البطوش أن أثر الرحلة قد يمتد بعد العودة، لكنه يختلف بحسب ظروف الشخص وما يستقبله من مطالب، مشيرة إلى أن تعزيز فائدتها يتطلب تحويل ما منحه الشعور بالراحة خلالها إلى عادات صغيرة قابلة للاستمرار، مثل المشي، وتنظيم النوم، وتخصيص وقت للأسرة، وتقليل الانشغال بالعمل خارج أوقاته.
الراحة حق إنساني ومسؤولية مشتركة كما ترى أن الرحلة قد تكشف للإنسان احتياجا كان غائبا عن يومه، لكن استمرار أثرها يتطلب إعطاء هذا الاحتياج مكانا في الحياة المعتادة.

وفي حال استمر القلق أو اضطراب النوم أو انخفاض المزاج وأثر ذلك في الأداء والعلاقات، ترى أن طلب التقييم والدعم النفسي يصبح خطوة مناسبة، بدل الاعتماد على السفر وحده.

وتضيف البطوش أن أجمل ما يمكن أن تمنحه الرحلة للإنسان هو أن يعود أكثر وعيا بنفسه، وأكثر إنصاتا لمن يحب، وأكثر قدرة على اختيار ما يستحق وقته وطاقته، مؤكدة أن الراحة حق إنساني ومسؤولية مشتركة داخل الأسرة، وتستحق أن يكون لها مكان منتظم في الحياة. وتدعو إلى أن يحمل الإنسان معه بعد كل استراحة سؤالًا بسيطا: "ما الذي منحني الطمأنينة هنا، وكيف أفسح له مكانا في يومي؟"

الرحلات القصيرة.. خيار يتوسع
وتقول منسقة ومنظمة الرحلات السياحية الداخلية دانا مقدادي إن الرحلات القصيرة داخل الأردن تشهد إقبالا من العائلات والشباب، باعتبارها وسيلة للترفيه وتغيير الأجواء واكتشاف مناطق سياحية داخل المملكة. وترى أن هذا الإقبال يرتبط بعدة عوامل، أبرزها توافق مدة الرحلة مع الإجازات المتاحة.

وتتيح للمشاركين قضاء يوم أو يومين خارج الروتين دون الحاجة إلى أخذ إجازات طويلة من العمل، إلى جانب قِصر المسافات وسهولة الوصول والعودة في اليوم نفسه في كثير من الحالات.

وتشير مقدادي إلى أن العائلات والسيدات من أكثر الفئات إقبالا على الرحلات المنظمة، موضحة أن تنوع الوجهات والبرامج، إلى جانب الأسعار المناسبة، يجعلها خيارا ملائما لمن يرغب في الترفيه وقضاء وقت مع العائلة والأصدقاء دون الحاجة إلى تكاليف أو ترتيبات سفر كبيرة.

وتضيف أن الرغبة في الابتعاد مؤقتا عن ضغوط العمل والحياة اليومية تمثل أحد دوافع اختيار هذه الرحلات، إلى جانب سهولة الحجز والتنظيم وتنوع التجارب بين الطبيعة والمواقع الأثرية والترفيه والاستجمام.

التوجه نحو الرحلات القصيرة
وترى أن الرحلات التي تجمع أكثر من تجربة في برنامج واحد تحظى باهتمام أكبر، خصوصا عندما تكون مناسبة من حيث الوقت والتكلفة.

وبحسب مقدادي، يتجه المشاركون إلى وجهات مختلفة في شمال ووسط وجنوب المملكة، ويختلف اختيارها بحسب طبيعة البرنامج واهتمامات المشاركين، إلا أن عاملي قصر مدة الرحلة وتنوع التجربة يظلان من أبرز ما يجذبهم إلى هذا النوع من السياحة.

ويرى رئيس جمعية مكاتب وشركات السياحة والسفر الأردنية محمود خصاونة أن التوترات الإقليمية وعدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة، إلى جانب ما يرتبط بحركة الطيران والرحلات الجوية، أسهمت خلال الفترة الماضية في توجه بعض الأردنيين نحو الرحلات القصيرة والسياحة الداخلية، تجنبًا لأي عوائق قد تؤثر في قدرتهم على السفر أو العودة.

ويشير إلى أن هذا التوجه ينعكس بشكل مباشر على السياحة الداخلية، مؤكدا أن "المواطن الأردني هو رأس مال السياحة المحلية"، وأن القطاع يراهن على إقبال الأردنيين على الوجهات المحلية، خصوصًا خلال فترات التوترات والأزمات التي تشهدها المنطقة. ويلفت إلى أن السياحة الداخلية شكلت عاملا مهما في استمرارية عمل مكاتب وشركات السياحة والسفر الأردنية خلال فترات وظروف مختلفة مرت بها المنطقة، مشددا على أن استمرار توجه الأردنيين نحو الرحلات القصيرة والوجهات المحلية يسهم في دعم القطاع وتعزيز قدرته على الاستمرار.

وتبقى الحياة أقصر مما يتخيل الإنسان، فلماذا يترك نفسه لهذا القدر من التعب؟ ربما حان الوقت لرحلة قصيرة، يغير فيها الأجواء، ويلتقط أنفاسه، ويعود بشيء من الطاقة التي أخذتها منه الأيام.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :