حين كان البحر مصدر الرزق والأغنية .. حكاية التراث الغنائي لأهل الخليج
عمانيات - "يا نوخذهم لا تطوّل عليهم".. أبيات كانت تتردد على ألسنة أطفال الخليج وهم يراقبون آباءهم يهيئون السفن للإبحار، فمع اقتراب موعد الرحيل، يتسلل القلق إلى حناجر الصغار الذين يناجون "النوخذة"، وهو ربان السفينة، أن يقصر الرحلة ويعجل بعودة المبحرين.
وتختزن هذه الأهزوجة شيئا من الخوف الذي كان يسكن قلوب المنتظرين في المنازل؛ فالبحر الذي تجود مياهه بالرزق هو نفسه الذي يأخذ الآباء والأزواج في رحلات طويلة، لا يترك لأسرهم خلالها سوى الانتظار وترقب العودة.
ولم تكن سيرة البحارة على سواحل الخليج وشبه الجزيرة العربية مجرد حكاية عن صيد اللؤلؤ وتصديره إلى الهند وأوروبا، بل تجربة إنسانية نسجتها سواعد واجهت الأمواج، وأشرعة قاومت الرياح، وأجساد غاصت في الأعماق طلبا للرزق، وعيون نساء وأطفال ظلت معلقة بأفق البحر أملا في عودة الغائبين.
ومن رحم هذه الحياة ولدت أغاني وأهازيج الغوص والإبحار، فرافقت البحارة في مختلف أطوار العمل، واختزنت كلماتها مشاعر الفراق والشوق والخوف والحنين، لتصبح جزءا من الذاكرة الشعبية التي وثقت حياة أهل السواحل قبل أن تغير الطفرة النفطية وجه المنطقة.
ولم تقتصر وظيفة هذه الأغاني على الترفيه أو التسلية، بل كانت رفيقة البحارة في كدحهم، تخفف عنهم مشقة العمل، وتنظم إيقاع حركاتهم، وتؤنس لياليهم في عرض البحر، قبل أن تنتقل معهم إلى مجالس السمر، حيث تتحول ذكريات الرحلات ومخاطرها إلى حكايات تروى بالغناء.
إيقاع السفينة.. حين يصبح الغناء جزءا من العمل
كان لمواسم الغوص في الخليج تقويم يحكم حياة أهله، يبدأ بـ"الركبة" إيذانا بانطلاق الرحلة، وينتهي بـ"القفال" مع عودة السفن إلى مراسيها. ومع اقتراب كل موسم، توضع المراكب في الماء لتتشبع به أخشابها، فيما ينشغل البحارة وأهاليهم باستعدادات الرحيل.
وما تزال أسماء سفن مثل "السنبوك" و"الجالبوت" حاضرة في الذاكرة البحرية للمنطقة، إلى جانب "الهيرات"، وهي مغاصات اللؤلؤ التي عرفها أهل البحر وقصدوا مواقعها موسما بعد آخر، بحثا عما تخبئه أعماقها من أصداف قد تمنحهم اللؤلؤ بعد طول عناء.
وعلى متن السفينة، تتوزع الأدوار بين رجال تجمعهم مشقة الرحلة والمصير المشترك؛ إذ يتولى "النوخذة" قيادة المركب، ويهبط "الغيص" إلى أعماق البحر بحثا عن المحار، فيما ينتظر "السيب" على السطح ليسحبه من القاع باستخدام الحبل.
وبين هؤلاء صبية يتعلمون أسرار المهنة، ورجال يتولون ضبط أشرعة السفينة. وفي هذا الحيز المحدود، تغدو سلامة البحار رهينة يقظة الآخرين، ويصبح التعاون شرطا للرزق والنجاة.
ومن طبيعة هذا العمل ولدت الأهازيج التي ترافق دفع السفينة ورفع أشرعتها والتجديف، فتتردد الكلمات على ألسنة البحارة بينما تنتظم معها حركة الأيدي والأجساد في نسق واحد. وعلى وقع الألحان تتآلف السواعد التي أنهكها العمل، وتصبح ساعات الكدح أقل مشقة وأكثر أنسا.
ويتجلى التآلف بين الصوت والحركة في أغاني البحر التي تناقلتها الذاكرة الشعبية في قطر، إذ تتردد العبارة الواحدة في إنشاد فردي يعقبه إنشاد جماعي، يصاحبه إيقاع الطبول أو تصفيق الأكف أو ضرب الأقدام على ظهر السفينة.
ومن بين هذه الأهازيج "هولو"، التي يتعاقب فيها الرجاء وطلب العون من الله، في أداء يعكس طبيعة الحياة على متن السفينة؛ فكما تتعاقب الأصوات في الغناء، تتضافر جهود البحارة في العمل.
وتبرز أهمية هذا التعاون في العلاقة بين "الغيص" و"السيب"، إذ قد تكون شدة واحدة من الحبل فاصلة بين الحياة والموت؛ فانقطاعه أو تأخر السيب في سحب الغواص قد يؤدي إلى فقدانه حياته.
ومن هذه العلاقة التي يمتحنها البحر كل يوم، يكتسب الغناء معناه بوصفه صوتا للتآزر والتكافل في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر.
النهام.. صوت يؤنس البحارة في وحشة البحر
في وحشة البحر، يعلو صوت "النهام"، وهو مغني السفينة الذي يؤنس رفاقه بالغناء، ويختار لكل وقت أهزوجته؛ فيبعث العزيمة في النفوس أثناء العمل، ويؤنس البحارة في أوقات الراحة، ويخفف عنهم الحنين إلى الأهل كلما اشتد وطأة البعد عن الديار.
وتعرف أغاني النهام باسم "النهمة"، وقد حفظت الذاكرة الشعبية ألوانا منها، مثل "اليامال" و"الخطفة" و"الحدادي".
ويبين عبد الحكيم الزبيدي في كتابه "الأهازيج الشعبية في الخليج والجزيرة العربية" أن أغاني "النهمة" تتنوع بحسب الأعمال التي ترافقها؛ فـ"الخطفة" مثلا هي أغنية رفع الأشرعة، فيما تعد "الحدادي" أغنية أوقات الراحة.
وفي كثير من هذه الأغاني والأهازيج يتردد ذكر الله، إذ يستمد البحارة من الدعاء والغناء العون في مواجهة مشقة البحر ومخاطره، وسط شعور دائم بقلة حيلة الإنسان أمام اتساعه.
كما اختزنت بعض كلمات "النهمة" قلق البحارة على أرواحهم كلما ابتعدوا عن اليابسة، فارتبطت الأشعار بالدعاء واستحضار هشاشة الإنسان أمام البحر. ومن بينها أبيات أوردها الزبيدي لشاعر شعبي كويتي يصور فيها حال الغواصين.
وتكشف هذه الأشعار خشونة تجربة الغوص؛ فالمحار الذي ينمو في القاع يحتاج إلى سواعد لانتزاعه، وقد يعود الغواص محملا بما جناه، وقد لا يجد من اللؤلؤ ما يكافئ عناءه. وبين رجاء الرزق والخشية من المجهول، تعكس كلمات الأهازيج حياة رجال غامروا بأرواحهم، وعلقوا آمالهم على ما تخبئه الأصداف.
ولم تقتصر مضامين أغاني "النهمة" على العمل ومخاطره، بل حملت أيضا جانبا من معرفة البحارة بدروب الماء وأسرار الملاحة؛ إذ تكررت في الأغنيات أسماء الموانئ والجزر، وامتزجت وجهات السفر بإيقاع الكلمات، حتى أصبح الغناء ذاكرة للرحلات ووسيلة لنقل معرفة البحر من جيل إلى آخر.
غناء اليابسة.. حكايات الانتظار وفرحة العودة
لم تكن أغاني البحر حكرا على من يخوضون غماره، فقد كان لأهل اليابسة غناؤهم أيضا، يرافقون به رحيل أحبتهم ويستودعونهم الدعاء والرجاء بالعودة.
وكان الصبية والفتيات يرددون أهازيج "الخطفة" كلما أوغلت سفن آبائهم في البحر، وفي كلماتها تتجاور لوعة الفراق مع التضرع إلى الله أن يحفظ الغائبين ويعيدهم سالمين.
وحين تنقضي شهور الغياب وتلوح السفن عائدة في الأفق، تخرج النساء والأطفال لاستقبال البحارة، ويعلو الغناء ابتهاجا بسلامة العائدين؛ فتطوي ألحانه شيئا من وحشة الانتظار، وتبدد خوفا لا يزول إلا برؤية الأحبة.
ومن أغاني الاستقبال التي يوردها الزبيدي في كتابه أهزوجة يمنية تحتفي بعودة البحارة، وتستقبلهم بكلمات الترحيب والإشادة بشجاعتهم.
وللغزل أيضا حضور في أغاني البحر؛ إذ كان البحارة في قطر يجتمعون على اليابسة قبيل إنزال السفينة إلى الماء، ويرددون أغاني "الخماري" حتى يكتمل عدد الرجال اللازم لدفعها.
وتحفل كلمات هذا اللون من الغناء بأوصاف المحبوبة ومحاسنها، وما يتركه البعد عنها من لوعة وحنين، فيختلط الغزل بمشقة الاستعداد للإبحار، ويجد البحار في استحضار الحبيبة ما يؤنس قلبه قبل أن تتهيأ سواعده لمواجهة عناء الرحلة.
الفجري.. حين يستعيد البحارة البحر في مجالس السمر
بعيدا عن قسوة الإبحار ومشقة الغوص، كان أهل الخليج يستعيدون البحر في مجالس السمر من خلال لون آخر من الغناء هو فن "الفجري"، الذي ينتشر من الكويت إلى سلطنة عمان.
ويصف الموسيقي البحريني مجيد مرهون في كتابه "الموسيقى الشعبية في الخليج" هذا الفن بأنه شديد الارتباط بحياة البحارة وعملهم، إذ يستحضرون من خلاله على اليابسة حركات أجسادهم أثناء العمل في البحر.
وفي وصفه لسهرات "الفجري"، يرسم مرهون صورة للبحارة وقد اجتمعوا في مجالس السمر، يستعيدون حياة البحر بعد أن سكنت المجاديف وطويت الأشرعة؛ فيعلو صوت "النهام" منفردا، وتجيبه أصوات الحاضرين بالتصفيق، فيما تتداخل الكلمات مع إيقاعات الطبول وآلات أخرى، من بينها الجرار الفخارية المعروفة باسم "الجحال"، التي يقرع عليها الرجال خلال الغناء.
ويروي مرهون أن أجساد البحارة خلال سهرات "الفجري" ترقص وتتمايل بحركات تستحضر اهتزاز السفينة فوق الموج، وما ألفته سواعد الرجال من شد وجذب خلال مواسم الغوص، فتتحول الحركات التي فرضتها مشقة الرحلة إلى مادة فنية تستعيد تفاصيلها بعد انقضائها.
وفي هذا الانتقال من مشقة العمل إلى متعة الغناء، تتجلى خصوصية هذا الفن؛ فالأهازيج التي كانت تضبط حركة البحارة أثناء الرحلة تجد في مجالس السمر فضاء آخر لاستعادة الحكاية وتناقلها.
وقد تجاوز فن "الفجري" حدود المجالس التي نشأ فيها، وأدرج عام 2021 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، بوصفه أداء يوثق تاريخ الغوص بحثا عن اللؤلؤ في منطقة البحرين.
أغاني البحر.. ذاكرة تختزن حكايات الغياب والعودة
تحمل أغاني البحر، من سواحل الخليج العربي إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية، حكايات تتنوع بتنوع المرافئ واللهجات، غير أن اختلاف الألحان والكلمات لم يحجب ما يجمع أصحابها من شوق إلى الغائبين، وخوف على الراحلين، وطلب للعون خلال الرحلات، وأمل في العثور على أصداف تختزن أحلامهم بالرزق.
ولعل أهزوجة "يا نوخذهم لا تطوّل عليهم" تختصر جانبا من حكاية هذه الأغاني، التي لم تكن مجرد ألحان ترافق العمل أو تسلي البحارة في أوقات الراحة، بل سجلت مشاعر مجتمعات كاملة عاش أهلها على إيقاع البحر، وانتظروا عودة رجالهم من رحلات لا يعرفون متى تنتهي.
وهكذا، بقيت تلك الأهازيج شاهدا على زمن كان البحر فيه مصدر الرزق والمشقة معا؛ يمنح أهل السواحل أسباب عيشهم، لكنه يأخذ من أعمارهم سنوات، ويترك خلفه ذاكرة لا تزال أصداؤها حاضرة في الأغاني والحكايات المتوارثة.
وكالات
وتختزن هذه الأهزوجة شيئا من الخوف الذي كان يسكن قلوب المنتظرين في المنازل؛ فالبحر الذي تجود مياهه بالرزق هو نفسه الذي يأخذ الآباء والأزواج في رحلات طويلة، لا يترك لأسرهم خلالها سوى الانتظار وترقب العودة.
ولم تكن سيرة البحارة على سواحل الخليج وشبه الجزيرة العربية مجرد حكاية عن صيد اللؤلؤ وتصديره إلى الهند وأوروبا، بل تجربة إنسانية نسجتها سواعد واجهت الأمواج، وأشرعة قاومت الرياح، وأجساد غاصت في الأعماق طلبا للرزق، وعيون نساء وأطفال ظلت معلقة بأفق البحر أملا في عودة الغائبين.
ومن رحم هذه الحياة ولدت أغاني وأهازيج الغوص والإبحار، فرافقت البحارة في مختلف أطوار العمل، واختزنت كلماتها مشاعر الفراق والشوق والخوف والحنين، لتصبح جزءا من الذاكرة الشعبية التي وثقت حياة أهل السواحل قبل أن تغير الطفرة النفطية وجه المنطقة.
ولم تقتصر وظيفة هذه الأغاني على الترفيه أو التسلية، بل كانت رفيقة البحارة في كدحهم، تخفف عنهم مشقة العمل، وتنظم إيقاع حركاتهم، وتؤنس لياليهم في عرض البحر، قبل أن تنتقل معهم إلى مجالس السمر، حيث تتحول ذكريات الرحلات ومخاطرها إلى حكايات تروى بالغناء.
إيقاع السفينة.. حين يصبح الغناء جزءا من العمل
كان لمواسم الغوص في الخليج تقويم يحكم حياة أهله، يبدأ بـ"الركبة" إيذانا بانطلاق الرحلة، وينتهي بـ"القفال" مع عودة السفن إلى مراسيها. ومع اقتراب كل موسم، توضع المراكب في الماء لتتشبع به أخشابها، فيما ينشغل البحارة وأهاليهم باستعدادات الرحيل.
وما تزال أسماء سفن مثل "السنبوك" و"الجالبوت" حاضرة في الذاكرة البحرية للمنطقة، إلى جانب "الهيرات"، وهي مغاصات اللؤلؤ التي عرفها أهل البحر وقصدوا مواقعها موسما بعد آخر، بحثا عما تخبئه أعماقها من أصداف قد تمنحهم اللؤلؤ بعد طول عناء.
وعلى متن السفينة، تتوزع الأدوار بين رجال تجمعهم مشقة الرحلة والمصير المشترك؛ إذ يتولى "النوخذة" قيادة المركب، ويهبط "الغيص" إلى أعماق البحر بحثا عن المحار، فيما ينتظر "السيب" على السطح ليسحبه من القاع باستخدام الحبل.
وبين هؤلاء صبية يتعلمون أسرار المهنة، ورجال يتولون ضبط أشرعة السفينة. وفي هذا الحيز المحدود، تغدو سلامة البحار رهينة يقظة الآخرين، ويصبح التعاون شرطا للرزق والنجاة.
ومن طبيعة هذا العمل ولدت الأهازيج التي ترافق دفع السفينة ورفع أشرعتها والتجديف، فتتردد الكلمات على ألسنة البحارة بينما تنتظم معها حركة الأيدي والأجساد في نسق واحد. وعلى وقع الألحان تتآلف السواعد التي أنهكها العمل، وتصبح ساعات الكدح أقل مشقة وأكثر أنسا.
ويتجلى التآلف بين الصوت والحركة في أغاني البحر التي تناقلتها الذاكرة الشعبية في قطر، إذ تتردد العبارة الواحدة في إنشاد فردي يعقبه إنشاد جماعي، يصاحبه إيقاع الطبول أو تصفيق الأكف أو ضرب الأقدام على ظهر السفينة.
ومن بين هذه الأهازيج "هولو"، التي يتعاقب فيها الرجاء وطلب العون من الله، في أداء يعكس طبيعة الحياة على متن السفينة؛ فكما تتعاقب الأصوات في الغناء، تتضافر جهود البحارة في العمل.
وتبرز أهمية هذا التعاون في العلاقة بين "الغيص" و"السيب"، إذ قد تكون شدة واحدة من الحبل فاصلة بين الحياة والموت؛ فانقطاعه أو تأخر السيب في سحب الغواص قد يؤدي إلى فقدانه حياته.
ومن هذه العلاقة التي يمتحنها البحر كل يوم، يكتسب الغناء معناه بوصفه صوتا للتآزر والتكافل في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر.
النهام.. صوت يؤنس البحارة في وحشة البحر
في وحشة البحر، يعلو صوت "النهام"، وهو مغني السفينة الذي يؤنس رفاقه بالغناء، ويختار لكل وقت أهزوجته؛ فيبعث العزيمة في النفوس أثناء العمل، ويؤنس البحارة في أوقات الراحة، ويخفف عنهم الحنين إلى الأهل كلما اشتد وطأة البعد عن الديار.
وتعرف أغاني النهام باسم "النهمة"، وقد حفظت الذاكرة الشعبية ألوانا منها، مثل "اليامال" و"الخطفة" و"الحدادي".
ويبين عبد الحكيم الزبيدي في كتابه "الأهازيج الشعبية في الخليج والجزيرة العربية" أن أغاني "النهمة" تتنوع بحسب الأعمال التي ترافقها؛ فـ"الخطفة" مثلا هي أغنية رفع الأشرعة، فيما تعد "الحدادي" أغنية أوقات الراحة.
وفي كثير من هذه الأغاني والأهازيج يتردد ذكر الله، إذ يستمد البحارة من الدعاء والغناء العون في مواجهة مشقة البحر ومخاطره، وسط شعور دائم بقلة حيلة الإنسان أمام اتساعه.
كما اختزنت بعض كلمات "النهمة" قلق البحارة على أرواحهم كلما ابتعدوا عن اليابسة، فارتبطت الأشعار بالدعاء واستحضار هشاشة الإنسان أمام البحر. ومن بينها أبيات أوردها الزبيدي لشاعر شعبي كويتي يصور فيها حال الغواصين.
وتكشف هذه الأشعار خشونة تجربة الغوص؛ فالمحار الذي ينمو في القاع يحتاج إلى سواعد لانتزاعه، وقد يعود الغواص محملا بما جناه، وقد لا يجد من اللؤلؤ ما يكافئ عناءه. وبين رجاء الرزق والخشية من المجهول، تعكس كلمات الأهازيج حياة رجال غامروا بأرواحهم، وعلقوا آمالهم على ما تخبئه الأصداف.
ولم تقتصر مضامين أغاني "النهمة" على العمل ومخاطره، بل حملت أيضا جانبا من معرفة البحارة بدروب الماء وأسرار الملاحة؛ إذ تكررت في الأغنيات أسماء الموانئ والجزر، وامتزجت وجهات السفر بإيقاع الكلمات، حتى أصبح الغناء ذاكرة للرحلات ووسيلة لنقل معرفة البحر من جيل إلى آخر.
غناء اليابسة.. حكايات الانتظار وفرحة العودة
لم تكن أغاني البحر حكرا على من يخوضون غماره، فقد كان لأهل اليابسة غناؤهم أيضا، يرافقون به رحيل أحبتهم ويستودعونهم الدعاء والرجاء بالعودة.
وكان الصبية والفتيات يرددون أهازيج "الخطفة" كلما أوغلت سفن آبائهم في البحر، وفي كلماتها تتجاور لوعة الفراق مع التضرع إلى الله أن يحفظ الغائبين ويعيدهم سالمين.
وحين تنقضي شهور الغياب وتلوح السفن عائدة في الأفق، تخرج النساء والأطفال لاستقبال البحارة، ويعلو الغناء ابتهاجا بسلامة العائدين؛ فتطوي ألحانه شيئا من وحشة الانتظار، وتبدد خوفا لا يزول إلا برؤية الأحبة.
ومن أغاني الاستقبال التي يوردها الزبيدي في كتابه أهزوجة يمنية تحتفي بعودة البحارة، وتستقبلهم بكلمات الترحيب والإشادة بشجاعتهم.
وللغزل أيضا حضور في أغاني البحر؛ إذ كان البحارة في قطر يجتمعون على اليابسة قبيل إنزال السفينة إلى الماء، ويرددون أغاني "الخماري" حتى يكتمل عدد الرجال اللازم لدفعها.
وتحفل كلمات هذا اللون من الغناء بأوصاف المحبوبة ومحاسنها، وما يتركه البعد عنها من لوعة وحنين، فيختلط الغزل بمشقة الاستعداد للإبحار، ويجد البحار في استحضار الحبيبة ما يؤنس قلبه قبل أن تتهيأ سواعده لمواجهة عناء الرحلة.
الفجري.. حين يستعيد البحارة البحر في مجالس السمر
بعيدا عن قسوة الإبحار ومشقة الغوص، كان أهل الخليج يستعيدون البحر في مجالس السمر من خلال لون آخر من الغناء هو فن "الفجري"، الذي ينتشر من الكويت إلى سلطنة عمان.
ويصف الموسيقي البحريني مجيد مرهون في كتابه "الموسيقى الشعبية في الخليج" هذا الفن بأنه شديد الارتباط بحياة البحارة وعملهم، إذ يستحضرون من خلاله على اليابسة حركات أجسادهم أثناء العمل في البحر.
وفي وصفه لسهرات "الفجري"، يرسم مرهون صورة للبحارة وقد اجتمعوا في مجالس السمر، يستعيدون حياة البحر بعد أن سكنت المجاديف وطويت الأشرعة؛ فيعلو صوت "النهام" منفردا، وتجيبه أصوات الحاضرين بالتصفيق، فيما تتداخل الكلمات مع إيقاعات الطبول وآلات أخرى، من بينها الجرار الفخارية المعروفة باسم "الجحال"، التي يقرع عليها الرجال خلال الغناء.
ويروي مرهون أن أجساد البحارة خلال سهرات "الفجري" ترقص وتتمايل بحركات تستحضر اهتزاز السفينة فوق الموج، وما ألفته سواعد الرجال من شد وجذب خلال مواسم الغوص، فتتحول الحركات التي فرضتها مشقة الرحلة إلى مادة فنية تستعيد تفاصيلها بعد انقضائها.
وفي هذا الانتقال من مشقة العمل إلى متعة الغناء، تتجلى خصوصية هذا الفن؛ فالأهازيج التي كانت تضبط حركة البحارة أثناء الرحلة تجد في مجالس السمر فضاء آخر لاستعادة الحكاية وتناقلها.
وقد تجاوز فن "الفجري" حدود المجالس التي نشأ فيها، وأدرج عام 2021 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، بوصفه أداء يوثق تاريخ الغوص بحثا عن اللؤلؤ في منطقة البحرين.
أغاني البحر.. ذاكرة تختزن حكايات الغياب والعودة
تحمل أغاني البحر، من سواحل الخليج العربي إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية، حكايات تتنوع بتنوع المرافئ واللهجات، غير أن اختلاف الألحان والكلمات لم يحجب ما يجمع أصحابها من شوق إلى الغائبين، وخوف على الراحلين، وطلب للعون خلال الرحلات، وأمل في العثور على أصداف تختزن أحلامهم بالرزق.
ولعل أهزوجة "يا نوخذهم لا تطوّل عليهم" تختصر جانبا من حكاية هذه الأغاني، التي لم تكن مجرد ألحان ترافق العمل أو تسلي البحارة في أوقات الراحة، بل سجلت مشاعر مجتمعات كاملة عاش أهلها على إيقاع البحر، وانتظروا عودة رجالهم من رحلات لا يعرفون متى تنتهي.
وهكذا، بقيت تلك الأهازيج شاهدا على زمن كان البحر فيه مصدر الرزق والمشقة معا؛ يمنح أهل السواحل أسباب عيشهم، لكنه يأخذ من أعمارهم سنوات، ويترك خلفه ذاكرة لا تزال أصداؤها حاضرة في الأغاني والحكايات المتوارثة.
وكالات
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق 
الرجاء الانتظار ...