• الرئيسية
  • مقالات

  • من اسطنبول إلى مسقط إلى جنيف: مفاوضات بلا أفق وتصاعد احتمالات المواجهة د. علي فواز العدوان

من اسطنبول إلى مسقط إلى جنيف: مفاوضات بلا أفق وتصاعد احتمالات المواجهة د. علي فواز العدوان



لم يعد تنقّل مسار التفاوض الأمريكي–الإيراني بين أسطنبول ومسقط وجنيف تعبيراً عن حيوية دبلوماسية، بل بات مؤشراً على أزمة بنيوية في القدرة على إنتاج تسوية حقيقية. فالمفاوضات التي تتكرر جغرافياً لا تتقدم سياسياً، والانتقال بين العواصم لا يعكس تقدماً في جوهر الخلاف، بل محاولة لإدارة الوقت وتخفيف الضغط دون معالجة جذور الصراع.
في مسقط تُدار قنوات خلفية تحفظ الحد الأدنى من التواصل، كما حدث قبيل توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، غير أن السياق اليوم مختلف تماماً. الثقة التي بُني عليها الاتفاق السابق تآكلت منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب عام 2018، ما أعاد الملف النووي إلى مربع الشك الاستراتيجي، وفتح الباب أمام سباق تصعيد تدريجي.
أما جنيف، حيث تُناقش التفاصيل التقنية، فقد تحوّلت إلى ساحة لإعادة إنتاج الخلاف بلغة قانونية. الحديث عن نسب التخصيب وآليات التفتيش لم يعد قادراً على إخفاء حقيقة أن القرار سياسي بامتياز، وأن التقنية لم تعد سوى غطاء لتباين أعمق يتعلق بالنفوذ الإقليمي وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط.
في المقابل، يظهر حضور أنقرة باعتباره انعكاساً لتشابك المصالح، فتركيا العضو في حلف شمال الأطلسي تدرك أن أي انفجار بين واشنطن وطهران سيعيد تشكيل خرائط التوازن في العراق وسوريا وشرق المتوسط. غير أن هذا الإدراك لا يغيّر من واقع أن التوازنات الإقليمية باتت أكثر هشاشة، وأن مساحة المناورة تضيق مع كل جولة تفاوض غير منتجة.
المسار التفاوضي الراهن يفتقر إلى عنصر الحسم. واشنطن تدير الملف بمنطق احتواء المخاطر لا حلّها، فيما تراهن طهران على عامل الوقت وتراكم أوراق القوة الميدانية. هذا التوازي في الحسابات لا يقود إلى تسوية، بل إلى تثبيت حالة اشتباك منخفض الحدة قابلة للتحول في أي لحظة إلى مواجهة أوسع.
المؤشرات الميدانية في الإقليم، سواء في مسارح النفوذ غير المباشر أو في معادلات الردع البحري وأمن الطاقة، تعكس تصاعداً تدريجياً في احتمالات الاحتكاك. ومع تراجع الثقة وتآكل الاتفاقات السابقة، تصبح المفاوضات إطاراً شكلياً لإدارة أزمة تتجه نحو إعادة تعريف قواعد الاشتباك.
بالنسبة للأردن والمنطقة العربية، فإن استمرار هذا النمط من التفاوض غير المنتج يعني بقاء الإقليم في دائرة القلق الاستراتيجي. استقرار الحدود، وأمن الطاقة، وتوازن المحاور، جميعها عناصر تتأثر مباشرة بأي تحوّل من التصعيد السياسي إلى الاحتكاك العسكري.
إن انتقال المفاوضات بين أنقرة ومسقط وجنيف لا يعكس دينامية حل، بل حركة دائرية في فضاء مغلق. ومع غياب إرادة سياسية قادرة على تقديم تنازلات متبادلة، تتجدد فرص الحرب بوصفها نتيجة تراكمية لمسار تفاوضي استنزف أدواته وفقد قدرته على إنتاج اختراق حقيقي.
د. علي فواز العدوان#




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :