• الرئيسية
  • مقالات

  • واشنطن والصحراء المغربية: البوليساريو بين الأمن الإقليمي والتحولات الدولية بقلم د. آمال جبور

واشنطن والصحراء المغربية: البوليساريو بين الأمن الإقليمي والتحولات الدولية بقلم د. آمال جبور



في الأسابيع الأخيرة، عاد ملف الصحراء المغربية ليبرز بقوة في النقاش السياسي داخل واشنطن، لكن من زاوية مختلفة هذه المرة. فقد ظهرت دعوات داخل الكونغرس لدراسة إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو، الطرف الرئيسي في نزاع الصحراء، منظمة إرهابية. عشرة أعضاء في الكونغرس انضموا إلى مشروع قانون يطالب الإدارة الأمريكية بالنظر في هذا التصنيف، في خطوة لا ترتبط فقط بتطورات نزاع الصحراء، بل تمتد أبعادها إلى اعتبارات الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
ما يلفت الانتباه أن هذه الدعوات جاءت بالتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهو ما يطرح سؤالًا: لماذا الآن؟ وهل يرتبط نقاش تصنيف البوليساريو بهذه التوترات، أم أنه يظل مرتبطًا أساسًا بالشمال الإفريقي ومنطقة الساحل؟
انتقل هذا النقاش إلى مجلس الشيوخ الأمريكي بعد خطوة مماثلة في مجلس النواب، ما يعكس أن الموضوع بدأ يأخذ طابعًا تشريعيًا داخل واشنطن. فقد قدم ثلاثة من أعضاء المجلس، تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت، مشروع قانون يدعو إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. بالتالي تكتسب هذه الخطوة وزنها من التصريحات المرافقة لها، إذ حذّر كروز من أن إيران قد تسعى إلى تحويل الجبهة إلى ما يشبه “حوثي غرب إفريقيا”، عبر تزويدها بطائرات مسيّرة ودعم لوجستي. هذا يعكس قناعة لدى بعض الساسة الأمريكيين بوجود روابط محتملة بين الجبهة وطهران، ويحذرون من محاولة إيران توسيع نفوذها في شمال إفريقيا والساحل عبر دعم أطراف محلية، إلى جانب قوى أخرى مثل روسيا والصين. بالتالي، تمنح هذه التصريحات بعدًا سياسيًا للنقاش، ليس فقط لارتباطه بنزاع الصحراء، بل أيضًا بمخاوف أمنية وجيوستراتيجية أوسع في الإقليم.
ورغم أن هذه الادعاءات ما تزال جزءًا من الجدل السياسي داخل واشنطن، فإنها يمكن أن تُقرأ من أكثر من زاوية. أولى هذه الزوايا تتعلق بوضع نزاع الصحراء ضمن سياق أمني أوسع، يرتبط بتطورات منطقة الساحل وانتشار الجماعات المسلحة. فمع تصاعد التحديات الأمنية في هذه المنطقة خلال العقد الأخير، بدأت بعض الدوائر السياسية في واشنطن تنظر إلى النزاع في الصحراء ليس فقط كقضية سياسية تدور حول مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة، بل كملف يتقاطع مع معادلات الاستقرار والأمن في شمال إفريقيا والساحل، باعتبارهما جزءًا من منظومة أمن إقليمي أوسع.
هذا التركيز الأمريكي على البعد الأمني للنزاع يفسر تسارع المفاوضات غير المعلنة التي ترعاها واشنطن مؤخرا بين أطراف النزاع لمناقشة تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، إذ لم تعد معالجة الملف مجرد حوار سياسي، بل باتت أداة استراتيجية لضمان الاستقرار واحتواء أي تهديدات تتصل بالأمن الإقليمي.
و إذا كان التركيز الأمريكي على البعد الأمني يفسر تسريع المفاوضات ورعايتها، فإن هذه التحركات لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع للتنافس الدولي في إفريقيا. فالاهتمام الأمريكي بالملف المغربي يندرج ضمن قراءة استراتيجية لمعادلات النفوذ الدولية في القارة ايضا، حيث تسعى قوى إقليمية ودولية متعددة اهمها الصين وروسيا إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري ، تحاول إيران استثمار الفراغات لتعزيز وجودها في بعض المناطق، ما يجعل ملف البوليساريو جزءًا من معادلة نفوذ أكبر تتجاوز حدود شمال إفريقيا والساحل.
ما يجمع كل هذه التحركات في واشنطن هو رؤية جديدة و واضحة للنزاع في الصحراء كقضية أمنية استراتيجية، لا مجرد خلاف سياسي إقليمي. ومن هذا المنظور، يبدو أن تسريع المفاوضات، ورعاية الولايات المتحدة لها، وتحجيم مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) لتقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار، كلها خطوات تهدف إلى ضبط الساحة والضغط على منابع تمويل البوليساريو، في وقت تعزز فيه الطرح المغربي لمبادرة الحكم الذاتي كما أكده القرار الأممي رقم 2797 من جانب اخر.
وهنا يطرح هذا الوضع مجموعة أسئلة مهمة مرتبطة بسياقات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: هل يعكس تصاعد النقاش حول تصنيف البوليساريو قلقًا أمريكيًا من قدرة إيران على توسيع نفوذها، خصوصًا مع سيطرتها على مضيق هرمز وتعطيلها الملاحة البحرية، وتبنيها مليشيات في مناطق استراتيجية مهمة؟ وكيف ينعكس هذا التهديد على الاستقرار في شمال إفريقيا والساحل، وعلى الحسابات الأمريكية في الصحراء المغربية؟ وهل تصبح الموانئ والمنافذ البحرية، مثل ميناء الداخلة الكبير، التي يشيدها المغرب لتكون بوابة للقارة الإفريقية، عاملًا محوريًا في حماية الأمن الإقليمي ومنع أي محاولة لتمدد النفوذ المهدد؟ وهل يعني كل هذا أن مجرد طرح تصنيف البوليساريو ليس نقاشًا سياسيًا عابرًا، بل مؤشرًا على تغيّر أولويات واشنطن وأسلوبها في التعامل مع النزاع؟
في تقديري، المخاوف الأمريكية من إيران لم تعد تقتصر على الصراع العسكري المباشر، بل تتجاوزها لتشمل السيطرة على الممرات والموانئ الحيوية التي تحدد ميزان القوى الإقليمي. قدرة إيران على التحكم في مضيق هرمز التي منحتها الجغرافيا، ومن ثم التأثير على الملاحة البحرية العالمية وعصب الاقتصاد العالمي، تجعل واشنطن تولي أهمية استثنائية لكل النقاط الاستراتيجية في العالم، ومن بينها ميناء الداخلة الكبير، الذي يُعد بوابة محتملة للقارة الإفريقية مستقبلا. في هذا السياق، أي وجود لقوى مليشيات مسلحة بالقرب من هذه النقاط يصبح تهديدًا للأمن الإقليمي والعالمي، وهو ما يفسر توجه واشنطن نحو تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، ودعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي لضمان استقرار الإقليم وتعزيز السيادة المغربية.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فالملفات الدولية اليوم مترابطة بشكل وثيق. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والصراع الروسي-الأوكراني، وتراجع النفوذ الأوروبي، إلى جانب تمدد النفوذ الروسي والصيني في إفريقيا والمنافسة على إدارة هذا الكوكب، كلها عوامل تجعل إدارة واشنطن للأمن الإقليمي مرتبطة بالحسابات الجيوسياسية العالمية. لذلك، تصنيف البوليساريو ودعم المغرب كشريك موثوق ليس مجرد إجراء محلي، بل مؤشر على تحول أوسع في طريقة التفكير في النزاع: من التعامل معه كملف تفاوضي محدود، إلى إدراجه ضمن استراتيجيات لضبط النفوذ، تأمين الممرات البحرية، وحماية استقرار شمال إفريقيا والساحل وحاجتها لموارد إفريقيا المختلفة على المدى الطويل، يشكل مؤشرًا على قواعد اللعبة الجديدة التي ستتحكم بالمنطقة في السنوات القادمة.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :