• الرئيسية
  • مقالات

  • الوساطة الباكستانية وكيفية إدارة الصراع الدكتور علي فواز العدوان

الوساطة الباكستانية وكيفية إدارة الصراع الدكتور علي فواز العدوان


في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز باكستان كوسيط يحاول إعادة ضبط إيقاع المواجهة، لا إنهاءها. هذه الوساطة، في جوهرها، ليست مشروع سلام بقدر ما هي أداة لإدارة التوتر ضمن سقوف محسوبة تمنع الانفجار الكبير دون أن تعالج جذور الأزمة.
باكستان تتحرك ضمن معادلة دقيقة فهي تدرك أن أي انحياز كامل لأي طرف سيكلفها استراتيجياً علاقتها الأمنية والعسكرية مع واشنطن من جهة، وحدودها الجغرافية وتعقيداتها المذهبية مع طهران من جهة أخرى، تفرض عليها تبني دور “الوسيط الحذر” يضاف إلى ذلك تنسيقها العميق مع الصين، التي ترى في استقرار الإقليم ضرورة لحماية مصالحها الاقتصادية وممراتها الاستراتيجية.
المخرجات الفعلية لهذه الوساطة لا تتجاوز في أحسن الأحوال “تهدئة تكتيكية”. الحديث هنا ليس عن اتفاقيات ملزمة، بل عن تفاهمات هشة، غالباً غير معلنة، تتركز حول تخفيض التصعيد في نقاط الاختناق الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وضبط إيقاع الاشتباك غير المباشر عبر الوكلاء بمعنى أدق، نحن أمام “تنظيم للفوضى” وليس إنهاءً لها.
لكن الإشكالية الأعمق من وجهة نظري تكمن في أن هذه الوساطة تصطدم بواقع استراتيجي معقد؛ فواشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الإقليم، بينما ترى طهران في التصعيد وسيلة لتحسين شروط التفاوض هذا التباين البنيوي يجعل أي مخرجات للوساطة عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني، خاصة في ظل تعدد الفاعلين غير الرسميين الذين لا يخضعون بالضرورة لحسابات الدول.
إقليمياً، تفرض هذه الوساطة حالة من “الاستقرار الهش” فهي تمنح الأسواق فترة لالتقاط الأنفاس، وتخفف الضغط عن سلاسل التوريد، لكنها في الوقت ذاته تؤجل الانفجار ولا تلغيه. دول المنطقة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: التكيف مع التهدئة المؤقتة دون الوقوع في وهم الاستقرار الدائم.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الدور الباكستاني يكشف حدود القوة لدى الوسطاء في النظام الدولي الحالي باكستان لا تملك أدوات فرض الحلول، لكنها تملك ما هو أقل كلفة وأكثر مرونة: قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف وهذا ما يجعلها “ناقل رسائل موثوق” أكثر من كونها “صانع تسويات”.
اعتقد ان الوساطة الباكستانية ليست نهاية للصراع، بل إعادة تدوير له ضمن قواعد اشتباك جديدة هي إدارة ذكية للأزمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الحل. وفي ظل غياب مشروع إقليمي متماسك، ستبقى مثل هذه الوساطات تدور في حلقة مفرغة: تخفيف مؤقت للتوتر، يتبعه تصعيد مؤجل… وربما أكثر خطورة.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :