• الرئيسية
  • مقالات

  • الدرس الإيراني وإعادة قراءة إفريقيا لسياساتها: من مالي إلى ملف الصحراء المغربية كتبت د. آمال جبور

الدرس الإيراني وإعادة قراءة إفريقيا لسياساتها: من مالي إلى ملف الصحراء المغربية كتبت د. آمال جبور



ما يحدث اليوم في مواقف بعض الدول الإفريقية من ملف الصحراء المغربية لا يمكن فصله عما يجري في العالم، خصوصًا في الشرق الأوسط والحرب على إيران. فهذه الحرب أعادت طرح فكرة أساسية: هل المشاريع التي تتجاوز الدولة وتقوم على دعم قوى خارجية، يمكن أن تصنع استقرارًا؟ أم أنها في النهاية تفتح الباب أمام مزيد من التفكك والصراعات؟
التجربة الإيرانية تُستخدم هنا كأقرب مثال. فخلال العقود الماضية، توسع نفوذ إيران عبر دعم أطراف محلية في أكثر من دولة، مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن لكن النتيجة لم تكن استقرارًا، بل العكس تمامًا: صراعات طويلة، دول أُضّعِفت مؤسساتها، ومجتمعات دخلت في حالة هشاشة مزمنة. لهذا بدأت هذه التجربة تُقرأ اليوم كمسار يضعف الدول ويفتتها ويفقدها سيادتها.
هذا النوع من التجارب بدأ ينعكس على طريقة تفكير عدد من الدول الإفريقية.التي لم تعد تنظر إلى دعم أطراف خارج الدولة كخيار غير مكلف، بل بدأت ترى فيه مخاطرة مباشرة على أمنها واستقرارها ومصالحها. بمعنى آخر، فكرة “التحالفات خارج إطار الدولة” لم تعد تبدو مجدية أو محايدة كما كانت من قبل.
ومن هنا يمكن فهم ما بدأ يُسمى بـ“الدرس الإيراني”. إذ صار عدد من الدول الإفريقية في الآونة الأخيرة يعيد النظر في مواقفه من ملفات حساسة تتعلق بالأمن الداخلي والاستقرار، خصوصًا تلك المرتبطة بدعم مشاريع ذات طابع إيديولوجي. وفي هذا السياق، بدأ ملف الصحراء المغربية يُقرأ بشكل مختلف تمامًا، خاصة مع الحديث عن تدخلات إقليمية ومحاولات بعض الأطراف استثمار مناطق التوتر لبناء نفوذ غير مباشر، بما في ذلك ما تشير إليه تقارير دولية من دعم إيراني لجماعات انفصالية في القارة الإفريقية، ومنها جبهة البوليساريو.
وقد دفع هذا التطور بعض الدول الإفريقية إلى التعامل بحذر أكبر، وإعادة ترتيب أولوياتها نحو ما يضمن مصالحها الوطنية، والتركيز على الحلول السياسية الواقعية والعملية التي تعزز استقرار الإقليم.
في هذا الإطار، جاءت سلسلة مواقف إفريقية لافتة خلال الفترة الأخيرة. فقد أعلنت مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، ودعمت مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأقرب إلى الواقع. فيما أكدت مصر دعمها لوحدة المغرب الترابية في إطار رؤية تركز على استقرار الدول. كما واصلت كينيا دعم المقترح المغربي ضمن شراكاتها المتنامية، وجددت ساو تومي وبرينسيب دعمها للمغرب، وأكدت الغابون موقفها الداعم، مع الإشارة إلى الزخم الدولي المتزايد بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797.
ورغم اختلاف هذه المواقف من دولة إلى أخرى، إلا أنها تلتقي عند فكرة واحدة: الدول الإفريقية بدأت تفكر بشكل عملي أكثر، بعيدًا عن المواقف القديمة التي كانت مرتبطة بالإيديولوجيا أو بإرث الحرب الباردة. اليوم، الحسابات أصبحت أقرب إلى الواقع والنهج البراغماتي: ماذا يحقق الاستقرار؟ وماذا يخدم المصلحة المباشرة للدولة؟
وهذا التحول تعكسه لغة الأرقام بوضوح. فعدد الدول المعترفة بجبهة البوليساريو انخفض من 92 دولة سنة 1999 إلى 72 سنة 2011، ثم إلى حوالي 14 دولة فقط في إفريقيا اليوم، إضافة إلى دولتين في أمريكا اللاتينية. هذا التراجع يقرأ في تغيّر طريقة نظر الدول إلى ملف الصحراء نفسه.
في هذا السياق، يبدو القرار التاريخي لمالي مؤخرًا بسحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” خطوة يمكن قراءتها ضمن مسار أوسع من إعادة ترتيب المواقف داخل القارة. ولا يبدو هذا القرار لحظة مفاجئة بقدر ما هو نتيجة تراكم من المراجعات وإعادة الحسابات السياسية. فمن وجهة نظري، لا يمكن فصل هذا التحول عن كون مالي كانت من أوائل الداعمين للطرح الانفصالي لجبهة البوليساريو منذ بداية النزاع، قبل أن تبدأ تدريجيًا بإعادة النظر في مواقفها تحت ضغط واقعها الداخلي والإقليمي، وتغير أولوياتها الأمنية والجيوستراتيجية، إلى جانب التحولات الدولية المتسارعة التي تعيد رسم خرائط التحالفات والمصالح.
ويتعزز هذا الفهم إذا نظرنا إلى طبيعة الوضع البنيوي لمالي نفسها. فهي دولة حبيسة بالدرجة الأولى، تواجه تحديات أمنية واقتصادية معقدة في منطقة الساحل، ما يجعل حاجتها إلى منافذ وفرص جديدة مسألة أساسية. ومن هنا يمكن قراءة المبادرات المغربية، خصوصًا المرتبطة بالانفتاح على الفضاء الأطلسي، كخيار عملي أكثر من كونه موقفًا سياسيًا فقط. كما أن التوترات مع بعض دول الجوار دفعت مالي إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية بطريقة أكثر براغماتية ومرونة.
وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال العامل الداخلي أيضا، حيث تواجه مالي تحديات انفصالية في الشمال، وهو ما يضعها أمام مفارقة واضحة: كيف يمكنها الاستمرار في دعم فكرة الانفصال خارج حدودها، بينما هي تسعى إلى حماية وحدتها الترابية داخليًا؟ لذلك يبدو هذا التحول في موقفها أقرب إلى منطق الدولة وسيادتها، وإلى إعادة تموضع يعكس في جوهره سعيًا لتوحيد الرؤية بين الداخل والخارج.
بهذا المعنى، ما حدث في مالي ليس حالة منفصلة، بل جزء من ما يحدث على المستوى الدولي و الإقليمي: دول بدأت تراجع مواقفها القديمة، وتتحرك أكثر نحو منطق المصالح والاستقرار بدل الشعارات الواهمة.
ومن هنا، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي كجزء من هذا التحول. فهو لم يعد يُطرح فقط كحل تقني للنزاع، بل كفكرة تنسجم مع هذا المزاج الجديد في إفريقيا والعالم، القائم على الحفاظ على وحدة الدول، وربط السيادة بالاستقرار والأمن، خصوصًا في مناطق هشة مثل الساحل.
كما أن الزخم الدولي الأخير، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2797، عزز هذا الاتجاه، وجعل المقترح المغربي حاضرًا بقوة في النقاش حول الحلول الواقعية.
في النهاية، تبدو هذه التحولات مترابطة. فمن الشرق الأوسط إلى إفريقيا، ومن تجارب الدول إلى تغير مواقفها، تتكرر الفكرة نفسها: الدولة تعود إلى المركز، ومعها يعود سؤال السيادة والاستقرار كأولوية حاكمة. وما نشهده اليوم ليس مجرد تبدل في مواقف دول، بل تحول أعمق في طريقة التفكير نفسها، من منطق الإيديولوجيا إلى منطق الدولة، ومن منطق الصراع إلى منطق المصلحة والاستقرار.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :