• الرئيسية
  • مقالات

  • من أروقة معرض الكتاب بالرباط… الصحراء تُكتب كملف يقترب من نهايته كتبت د. آمال جبور-

من أروقة معرض الكتاب بالرباط… الصحراء تُكتب كملف يقترب من نهايته كتبت د. آمال جبور-



في معارض الكتب، لا تُعرض الأفكار فقط، بل تُلتقط أيضاً إشارات التحول في السياسة نفسها. بعض الإصدارات لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تكشف اتجاهات تتشكل بصمت في عمق الملفات الكبرى. هذا ما يفعله كتاب “الدبلوماسية الملكية وقضية الصحراء المغربية” الذي قُدِّم في معرض الرباط قبل أيام، لا يروي تاريخ نزاعٍ طويل، بل يقرأ اللحظة التي بدأ فيها هذا النزاع يفقد تدريجياً عناصر استمراره التقليدية، تحت ضغط التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
الكتاب لا يكتفي بالطرح العام، بل يقدّم خريطة تحليلية متكاملة لمسار القضية، من جذورها التاريخية وروابطها الداخلية، مروراً بتعقيدات الجوار الإقليمي ومواقف دوله، وصولاً إلى دور الدبلوماسية الملكية خلال العقود الأخيرة في إعادة صياغة موقع الملف دولياً. كما يتوقف عند تفاعل المغرب مع المنظمات الدولية، وتحولات القانون الدولي، ليخلص إلى فكرة مركزية: أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد مجرد مقترح، بل أصبحت تُقدَّم كحل واقعي لإنهاء نزاع طال أمده، خاصة في ظل ما يعيشه الصحراويون في مخيمات تندوف.
الكتاب وهو عمل انجزه مجموعة من الباحثين، يقارب الموضوع من زاوية مختلفة، تركز على تطور الأداء الدبلوماسي الملكي المغربي في تفاعل مباشر مع التحولات الدولية المتسارعة، ومع مسار القرارات الأممية، وصولاً إلى ما أفرزه القرار قرار مجلس الأمن 2797 من دلالات جديدة في لغة التسوية.
الكتاب، في جوهره، ليس مجرد قراءة أكاديمية، بل محاولة لفهم كيف تحوّل ملف الصحراء من قضية عالقة منذ عقود إلى مسار سياسي يتجه تدريجياً نحو الحسم. الفكرة الأساسية التي يطرحها واضحة: الدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بإدارة النزاع، بل انتقلت إلى إدارة نهايته.
منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، ظل الملف يدور في حلقة مفرغة، إلى أن جاءت مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 لتكسر هذا الجمود. لكن التحول الحقيقي، برأيي، لم يكن في طرح المبادرة فقط، بل في القدرة على تحويلها إلى مرجعية دولية معترف بها. وهنا يظهر أثر التراكم: قرارات أممية تتغير لغتها، مواقف دولية تعيد تموضعها، واعترافات تتسارع.
أبرز مثال على هذا التحول هو قرار مجلس الأمن 2797، الذي لم يعد يضع كل الأطراف على نفس المسافة كما في السابق، بل يكرّس فكرة الحل السياسي الواقعي ويمنح مبادرة الحكم الذاتي وزناً واضحاً. هذا التحول في الخطاب الأممي ليس تفصيلاً تقنياً، بل إعلان غير مباشر بأن زمن “اللا حل” يقترب من نهايته.
ما يعززه أيضاً هو السياق الدولي: اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، توسع شبكة القنصليات في الأقاليم الجنوبية، مقابل تراجع أو عزلة تدريجية للأطروحة الانفصالية. نحن أمام مشهد إقليمي ودولي يعاد تشكيله، والمغرب يبدو أنه قرأ هذا التحول مبكراً واستثمر فيه بذكاء.
الكتاب يلمّح إلى نقطة مهمة أوافقه فيها: قوة الدبلوماسية المغربية لم تكن في الاصطفاف الحاد، بل في التوازن. الحفاظ على علاقات مع قوى كبرى مختلفة، والانفتاح على إفريقيا، وتجنب التورط في صراعات دولية معقدة، كلها عناصر منحت الرباط مساحة حركة أوسع في ملف معقد مثل الصحراء.
لكن رغم هذا التقدم، لا يمكن القول إن النهاية حُسمت بالكامل. ما يحدث هو أقرب إلى “تفكيك تدريجي” للنزاع، حيث يتم سحب عناصره القديمة واحدة تلو الأخرى: من خطاب تقرير المصير بصيغته التقليدية، إلى تضييق هامش الطرح الانفصالي، وصولاً إلى فرض الحل السياسي كخيار شبه وحيد.
في رأيي، الرسالة الأهم التي يقدّمها هذا الكتاب هي أن الصحراء لم تعد مجرد قضية حدود، بل نموذج لكيف يمكن للدبلوماسية أن تعيد تشكيل الواقع. لم يعد السؤال: من يملك القوة على الأرض؟ بل من يملك القدرة على إقناع العالم.
ومن أروقة معرض الكتاب في الرباط، تبدو الإجابة أكثر وضوحًا: المعركة اليوم تُحسم عبر مسارات الحوار الثنائي، المبنية على اتفاقيات حسن الجوار والشراكة المتبادلة، وعبر بناء التحالفات، بدل الانجرار إلى لغة التصعيد التي تغلق الأبواب وتبدد الفرص. وحتى الآن، يبدو أن المغرب يدير هذه اللعبة بصبر وفعالية




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :