• الرئيسية
  • مقالات

  • هجمات البوليساريو على السمارة .. التصعيد في لحظة تفاوض حول الصحراء المغربية

هجمات البوليساريو على السمارة .. التصعيد في لحظة تفاوض حول الصحراء المغربية


هجمات البوليساريو على السمارة.. التصعيد في لحظة تفاوض حول الصحراء المغربية
كتبت د. آمال جبور
جاءت هجمات البوليساريو التي استهدفت مدينة السمارة في 5 أيار، في لحظة سياسية غير عادية يشهدها ملف الصحراء المغربية، الذي يعرف خلال الأشهر الأخيرة حراكاً دبلوماسياً متسارعاً برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.
وترافق ذلك مع مؤشرات متزايدة على انتقال الدعم الدولي للمقاربة المغربية من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى الانخراط الدبلوماسي والأمني والاقتصادي داخل الأقاليم الجنوبية. وفي هذا السياق، تعمل الأمم المتحدة على تحريك مسار تفاوضي جديد بين أطراف النزاع، بدعم أمريكي مباشر، عبر ما يوصف بـ”الدبلوماسية الصامتة” القائمة على مشاورات غير مباشرة بعيداً عن الإعلام.
ويهدف هذا المسار إلى تهيئة أرضية لتسوية سياسية قابلة للتطبيق، على قاعدة الحكم الذاتي المغربية، ضمن سياق إقليمي ودولي أكثر حساسية وتشابكاً. كما يستند الحراك الحالي إلى القرار الأممي 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي أعاد تثبيت مبادرة الحكم الذاتي المغربية كخيار “واقعي وعملي وذي مصداقية”، وفتح الباب أمام إعادة تنظيم النقاش الدولي حول مستقبل الإقليم بعد سنوات من الجمود.
في هذا السياق، جاء التصعيد الميداني عبر استهداف محيط مدينة السمارة بمقذوفات انطلقت من شرق الجدار الأمني، في لحظة يقترب فيها الملف من مسار تفاوضي أكثر جدية. وتقع السمارة في الأقاليم الجنوبية للمغرب، قرب المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني، وتُعد من المدن الرئيسية في الصحراء المغربية.
وكانت جبهة البوليساريو قد أعلنت منذ نهاية عام 2020 تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع المغرب برعاية الأمم المتحدة سنة 1991، بعد عقود من الهدوء النسبي. ومنذ ذلك الحين، تتحدث الجبهة عن هجمات متفرقة شرق الجدار الأمني، بينما يعتبر المغرب أن هذه التحركات لا تغيّر من الوضع الميداني أو القانوني القائم.
ويُنظر إلى استهداف محيط السمارة باعتباره من أبرز حوادث التصعيد الأخيرة، لأنه طال منطقة مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط التماس التقليدية، كما جاء في توقيت حساس يتزامن مع حراك أممي ودولي لإعادة إحياء المسار التفاوضي.
خلال الساعات الأولى من الهجوم، توالت إدانات دولية من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، معتبرةً أن التصعيد يهدد مسار التسوية السياسية وجهود الأمم المتحدة في ملف الصحراء. كما أدانت بريطانيا الهجوم، واعتبرته تقويضاً لجهود السلام، فيما وصفت الإمارات العملية بأنها “إرهابية” وأعربت السعودية وقطر عن تضامنهما مع المغرب ودعم أمنه واستقراره، فيما أدانت المنظمة الاسلامية إيسيسكو الهجوم واعتبرته تهديداً للاستقرار الإقليمي.
هذه الردود لم تُقرأ باعتبارها مجرد إدانات تقليدية، بل عكست تحولاً تدريجياً في مقاربة الملف، من نزاع سياسي إلى قضية ترتبط بأمن واستقرار المنطقة.
وفي الخلفية، يتصاعد داخل واشنطن نقاش حول الطبيعة الأمنية للنزاع. فقد طُرح داخل مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع لدراسة إمكانية تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية لعام 2026، بهدف إطلاق إجراءات للنظر في إدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO) وقائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص (SDGT)، استناداً إلى مخاوف تتعلق بارتباطات محتملة مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة في الساحل والصحراء.
ورغم أن هذا الطرح لم يتحول بعد إلى سياسة رسمية، فإنه يعكس اتجاهاً متزايداً نحو مقاربة أمنية للملف، بالتوازي مع البعد السياسي. كما يرتبط ذلك بتغير طبيعة المصالح الدولية في المنطقة، حيث لم يعد الملف يُدار فقط دبلوماسياً، بل أيضاً ضمن معادلات الأمن والاقتصاد والممرات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، برز الحضور الأمريكي المتزايد في الأقاليم الجنوبية، سواء عبر التحركات الدبلوماسية أو الاهتمام بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب الشراكات الاقتصادية والأمنية التي يقودها المغرب في عمقه الإفريقي والأطلسي. كما حملت زيارة السفير الأمريكي إلى الداخلة بعد ايام من الهجمات رسائل سياسية واقتصادية واضحة، تعكس انتقال الدعم الأمريكي إلى مستوى أكثر ميدانية في الاستثمار والتنمية.
في المقابل، تبدو جبهة البوليساريو في وضع دبلوماسي أكثر تعقيداً، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الملف على المستويين الإقليمي والدولي. وتحاول الجبهة منذ أشهر إعادة تنشيط دور الاتحاد الإفريقي، غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع جديد، بعدما أصبح المسار الأممي الإطار الحصري المعترف به دولياً لمعالجة النزاع.
كما يواجه هذا التحرك تحولات داخل القارة الإفريقية نفسها، خاصة بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، وما رافقها من بناء شبكة تحالفات واسعة عززت موقعه داخل القارة. وبات عدد متزايد من الدول الإفريقية يميل إلى دعم المقاربة المغربية بشكل علني، ما يقلص هامش تحرك الجبهة.
في المقابل، تواجه البوليساريو تراجعاً واضحاً في الدعم الدولي لخيار الانفصال، مقابل اتساع التأييد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. وخلال السنوات الأخيرة، دعمت أكثر من 120 دولة الطرح المغربي، فيما برز خلال عام 2026 دعم من دول وازنة مثل اليابان وكندا وسويسرا والسويد، مقابل تراجع مواقف داعمة للانفصال، من بينها الهندوراس وبوليفيا ومالي.
ويترافق هذا التحول مع حراك أممي مستمر ورعاية أمريكية متزايدة لدفع المسار السياسي، ما يعزز قناعة دولية متنامية بأن مقترح الحكم الذاتي بات الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
ما بعد هجمات السمارة لا يشبه ما قبلها. فملف الصحراء بات يُقرأ من زاويتين: الحكم الذاتي كخيار سياسي، والأمن والاستقرار كأولوية إقليمية.
وبينما تدفع الدبلوماسية الدولية نحو تثبيت مقاربة الحكم الذاتي وفق القرار 2797، يبرز البعد الأمني بقوة في المشهد.
وفي هذا السياق، تتقاطع التحركات بين مسار سياسي يسعى للحل، واعتبارات أمنية لضبط الاستقرار.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :