• الرئيسية
  • مقالات

  • عودة العرب إلى طاولة التوازن الإقليمي من خلال قطر بقلم الدكتور علي فواز العدوان

عودة العرب إلى طاولة التوازن الإقليمي من خلال قطر بقلم الدكتور علي فواز العدوان


تبدو عودة الوساطة العربية بين واشنطن وطهران عبر البوابة القطرية، أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي عابر؛ إنها إعادة تموضع استراتيجي للنظام العربي في قلب معادلة الأمن الإقليمي، بعد سنوات طويلة تحولت فيها المنطقة إلى ساحة إدارة صراعات بالوكالة، تُدار من خارج الجغرافيا العربية أكثر مما تُدار من داخلها.
التسريب الذي تحدثت عنه وكالة رويتر بشأن وصول فريق تفاوض قطري إلى طهران بتنسيق أمريكي، لمحاولة تأمين اتفاق يوقف الحرب مع إيران ويعالج الملفات العالقة، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى التي تعصف بالإقليم منذ اندلاع المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، وما تبعها من إعادة رسم لقواعد الردع، والطاقة، والممرات البحرية، وتحالفات ما بعد الحرب.
الأهمية الحقيقية هنا لا تكمن فقط في الدور القطري، بل في عودة العرب أنفسهم إلى إدارة التوازن مع إيران، بعد مرحلة طويلة كانت فيها العواصم العربية مجرد متلقية لنتائج الصراع الأمريكي ـ الإيراني، لا شريكاً في هندسة مخرجاته.
قطر اليوم لا تتحرك باعتبارها وسيطاً تقليدياً فحسب، بل باعتبارها ممراً سياسياً مقبولاً لدى واشنطن وطهران معاً، وقادرة على مخاطبة الطرفين بلغة المصالح لا بلغة الشعارات. وهذه نقطة جوهرية لأن المنطقة انتقلت من مرحلة محاور الأيديولوجيا إلى مرحلة هندسة البقاء الجيوسياسي.
فإيران، رغم خطابها الثوري، تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يعني استنزافاً استراتيجياً قد يهدد بنية الدولة الاقتصادية والعسكرية معاً، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بأسواق النفط، والعقوبات، والتوترات البحرية في الخليج ومضيق هرمز.
وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن الحرب الشاملة مع إيران لن تكون نسخة مكررة من حروب العراق أو أفغانستان، بل مواجهة قد تُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد والتحالفات الدولية.
هنا تحديداً يظهر الدور العربي الجديد.
فالعرب، وخاصة دول الخليج، باتوا أكثر وعياً بأن ترك إدارة الصراع للقوى الدولية وحدها، يعني تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم. لذلك نشهد اليوم صعود مفهوم “الأمن الإقليمي التفاوضي”، أي إدارة الخلافات الكبرى عبر أدوات الاحتواء السياسي، لا الانفجار العسكري.
اللافت أيضاً أن قطر تتحرك بعد فترة من التوتر المباشر مع إيران، عقب تعرضها ومحيطها لتهديدات وصواريخ خلال التصعيد الأخير، ما يعني أن الدوحة لا تتحرك من موقع الحليف، بل من موقع الدولة التي تسعى لإعادة ضبط قواعد الاشتباك الإقليمي بما يحمي استقرار الخليج ككل.
وهنا يمكن فهم التحرك القطري باعتباره جزءاً من تحول عربي أوسع، بدأ مع المصالحات الإقليمية الأخيرة، وعودة العلاقات السعودية ـ الإيرانية، والانفتاح العربي الحذر على ملفات كانت حتى وقت قريب تُدار بمنطق القطيعة المطلقة.
لكن الأهم من ذلك كله، أن العرب باتوا يدركون أن أي حرب كبرى مع إيران لن تبقى داخل حدود إيران، بل ستنعكس مباشرة على:
أمن الطاقة العالمي.
الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
أسعار النفط والغاز.
مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي.
مستقبل العملات والتجارة الدولية.
فالمنطقة اليوم ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل مركز ثقل اقتصادي عالمي. وأي انفجار شامل فيها يعني إعادة تسعير العالم بأسره.
من هنا، فإن الوساطة القطرية لا تمثل فقط محاولة لوقف حرب، بل محاولة لإعادة إنتاج “العقلانية الإقليمية” في مواجهة اندفاعات القوة العسكرية.
والسؤال الأهم: هل تستطيع الدوحة فعلاً إنتاج اختراق حقيقي؟
الإجابة مرتبطة بعاملين:
أولاً، مدى استعداد واشنطن للانتقال من سياسة كسر الإرادة الإيرانية إلى سياسة إدارة التوازن معها.
وثانياً، مدى قدرة طهران على تقديم تنازلات تكتيكية تحفظ للنظام هيبته الداخلية دون الانزلاق إلى مواجهة استنزاف مفتوحة.
في كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم يؤكد حقيقة استراتيجية كبرى: الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لإدارة النفوذ، بل باتت الدبلوماسية الإقليمية العربية نفسها جزءاً من منظومة الردع وإعادة تشكيل التوازنات.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات، يعود العرب ليس كأطراف هامشية في الصراع، بل كمهندسين لمسارات احتوائه.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :