• الرئيسية
  • مقالات

  • البحر الميت بين كارثة الانحسار وتحديات الإنقاذ البيئي بقلم الدكتور علي فواز العدوان

البحر الميت بين كارثة الانحسار وتحديات الإنقاذ البيئي بقلم الدكتور علي فواز العدوان


قراءة في تقرير CNN حول أخطر أزمة بيئية تهدد أخفض بقعة على سطح الأرض
يشكّل البحر الميت واحدًا من أبرز المعالم الطبيعية والجيولوجية في العالم، ليس فقط لكونه أخفض نقطة على سطح الأرض، بل لارتباطه العميق بالإرث الحضاري والبيئي والديني لمنطقة الشرق الأوسط. إلا أن هذا المعلم الفريد يواجه اليوم أزمة وجودية حقيقية تهدد مستقبله، بعدما تسارعت وتيرة انحساره خلال العقود الأخيرة بصورة غير مسبوقة، في ظل تداخل العوامل البيئية والسياسية والاقتصادية.
وفي تقرير موسّع نشرته شبكة CNN، جرى تسليط الضوء على الكارثة البيئية المتفاقمة في البحر الميت، والتي باتت تعيد تشكيل جغرافيته الطبيعية، وتهدد النظام البيئي والسياحي والاقتصادي المحيط به، وسط غياب توافق إقليمي فعّال حول آليات الإنقاذ.
ويشير التقرير إلى أن منسوب البحر الميت ينخفض سنويًا بما يقارب أربعة أقدام، فيما فقد نحو ثلث مساحته خلال الخمسين عامًا الماضية، الأمر الذي أدى إلى ظهور آلاف الحفر الانهدامية الخطرة، وتراجع الشواطئ بشكل متسارع، وتحول مناطق سياحية كاملة إلى أماكن مهجورة غير آمنة.
الأسباب الحقيقية لانحسار البحر الميت
تكشف المعطيات الواردة في التقرير أن الأزمة الحالية ليست نتاج عوامل طبيعية فقط، بل هي نتيجة مباشرة للتدخل البشري المكثف في الموارد المائية الإقليمية. فقد تراجعت كميات المياه التي تصل إلى البحر الميت عبر نهر الأردن بشكل حاد، نتيجة مشاريع السدود وتحويل مجاري المياه في دول الإقليم، إضافة إلى الاستنزاف الكبير للمياه لأغراض الزراعة والاستخدامات السكانية.
وفي الوقت ذاته، تلعب الصناعات الاستخراجية دورًا رئيسيًا في تسريع عملية التراجع، إذ تقوم شركات البوتاس والمعادن في الجانبين الأردني والإسرائيلي بضخ كميات ضخمة من مياه البحر الميت إلى أحواض التبخير لاستخراج المعادن والأملاح، وهو ما يؤدي إلى فقدان كميات هائلة من المياه سنويًا.
كما أن التغير المناخي يزيد المشهد تعقيدًا، من خلال ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الهطول المطري، وتكرار موجات الجفاف، ما يفاقم من معدلات التبخر ويقلل من قدرة النظام البيئي على التعافي الطبيعي.
الحفر الانهدامية.. الخطر الصامت
واحدة من أخطر الظواهر التي رصدها التقرير تتمثل في الحفر الانهدامية، التي أصبحت تهدد البنية التحتية والمنشآت السياحية والسكان المحليين. وقد تجاوز عدد هذه الحفر ستة آلاف حفرة على امتداد الشواطئ، نتيجة تسرب المياه العذبة إلى الطبقات الملحية تحت الأرض، ما يؤدي إلى إذابة الأملاح وانهيار التربة بشكل مفاجئ.
هذه الظاهرة أجبرت العديد من المنتجعات والمرافق السياحية على الإغلاق، كما حدث في منطقة عين جدي، التي تحولت من مقصد سياحي شهير إلى منطقة مهجورة تملؤها التشققات والانهيارات الأرضية، في مشهد يعكس حجم الكارثة البيئية المتسارعة.
مشاريع الإنقاذ بين الطموح والتعقيد السياسي
رغم تعدد المبادرات المطروحة لإنقاذ البحر الميت، إلا أن معظمها لا يزال يراوح مكانه بسبب التعقيدات السياسية والكلفة الاقتصادية الضخمة.
ومن أبرز المشاريع التي نوقشت خلال السنوات الماضية مشروع ناقل البحرين، الذي يقوم على نقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت عبر مشروع تحلية وممر مائي إقليمي. ورغم توقيع تفاهمات أولية بين الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية حول المشروع، إلا أن التنفيذ تعثر بسبب الخلافات السياسية والتمويلية، إضافة إلى مخاوف بيئية من التأثير على التركيبة الكيميائية الفريدة للبحر الميت.
في المقابل، يطالب خبراء بيئيون بإعادة إحياء نهر الأردن وزيادة كميات المياه المتدفقة إليه، إلى جانب فرض قيود أكثر صرامة على الصناعات الاستخراجية، وإلزام الشركات بالمساهمة في تمويل خطط الاستدامة البيئية.
الأردن والتحدي الاستراتيجي
بالنسبة للأردن، لا تمثل أزمة البحر الميت قضية بيئية فحسب، بل ترتبط أيضًا بالأمن المائي والاقتصادي والسياحي الوطني. فالبحر الميت يشكل أحد أهم المقاصد العلاجية والسياحية في المملكة، كما أن استمرار تراجعه يهدد مشاريع التنمية والاستثمار في الأغوار الجنوبية.
وفي ظل محدودية الموارد المائية التي يعاني منها الأردن أصلًا، تصبح الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات إقليمية قائمة على العدالة المائية والتعاون البيئي المشترك، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
نحو رؤية إنقاذ شاملة
إن إنقاذ البحر الميت لم يعد ترفًا بيئيًا، بل ضرورة استراتيجية وإنسانية تتطلب تحركًا عاجلًا على المستويين الإقليمي والدولي. فاستمرار الانحسار يعني خسارة واحدة من أهم الظواهر الطبيعية في العالم، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية وبيئية وجيولوجية خطيرة.
وتؤكد الأزمة الحالية أن التحديات البيئية العابرة للحدود لا يمكن معالجتها إلا من خلال شراكات حقيقية تقوم على الإدارة المستدامة للموارد المائية، والالتزام بالمعايير البيئية، وربط التنمية الاقتصادية بحماية الطبيعة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تنجح دول المنطقة في تجاوز خلافاتها لإنقاذ البحر الميت قبل فوات الأوان، أم أن العالم سيشهد اختفاء تدريجيًا لأحد أبرز كنوزه الطبيعية والتاريخية؟




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :