• الرئيسية
  • مقالات

  • إعادة تعريف الصراع بعد الاتفاق الأمريكي–الإيراني. بقلم: د. علي فواز العدوان

إعادة تعريف الصراع بعد الاتفاق الأمريكي–الإيراني. بقلم: د. علي فواز العدوان


إعادة تعريف الصراع بعد الاتفاق الأمريكي–الإيراني... من إدارة الحرب إلى إدارة التوازنات

بقلم: د. علي فواز العدوان

تعيد التطورات الأخيرة للاتفاق الأمريكي–الإيراني رسم ملامح مرحلة جديدة في إدارة الصراعات الدولية، ليس من زاوية إنهاء المواجهة، وإنما من زاوية إعادة تعريفها وفق ثلاثية الاحتواء، والتوسيع، والحياد، وهي الرؤية التي أشرت إليها في مقال سابق بعنوان "إعادة تعريف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران"، عندما أشرت إلى أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يُدار بمنطق الحرب التقليدية، بل بمنطق إعادة تشكيل مسارات المواجهة وإدارة التوازنات الإقليمية والدولية.
فالتحول الذي قاد إلى إلغاء الضربات العسكرية المقررة، والدخول في تفاهمات إقليمية متعددة الأطراف، لا يعكس انتقالاً إلى حالة سلام، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الاشتباك، حيث لم يعد الهدف تحقيق النصر العسكري، وإنما ضبط إيقاع الصراع ومنع توسعه مع المحافظة على أدوات الردع والضغط السياسي والاقتصادي والعسكري.
ويبرز الاحتواء باعتباره الخيار الاستراتيجي الأول، عبر تجميد المواجهة المباشرة، واستمرار الضغوط الاقتصادية والبحرية، وإعادة رسم مناطق النفوذ دون معالجة الأسباب الحقيقية للصراع، وهو ما يجعل المنطقة أمام حالة استقرار مؤقت أكثر منها تسوية دائمة.
أما التوسيع، فيتمثل في انتقال أدوات المواجهة إلى ساحات جديدة تشمل الوكلاء، والأمن السيبراني، والممرات البحرية، بما يحافظ على الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، فيما يبرز الحياد كسياسة تتبناها دول تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن الاستقطاب الحاد، مع المحافظة على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
وفي تطور غير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية الدولية، جاء توقيع الاتفاق عبر آلية إلكترونية متعددة الأطراف، في سابقة عالمية تؤسس لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الرقمية. ولم يعد توقيع الاتفاقيات الدولية مرتبطاً بقاعات المؤتمرات أو الاجتماعات المغلقة، بل أصبح ممكناً إنجازها عبر منصات إلكترونية مؤمنة، في تحول يعكس انتقال العلاقات الدولية إلى عصر الدبلوماسية الرقمية.
وتزامن إعلان الاتفاق مع حدثين عالميين بارزين؛ الأول احتفال الولايات المتحدة بالذكرى 250 لاستقلالها ضمن فعاليات Freedom 250 التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، والثاني انطلاق بطولة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهو ما منح الاتفاق زخماً سياسياً وإعلامياً غير مسبوق.

كما تزامن الإعلان مع عيد الميلاد الثمانين للرئيس ترامب، في وقت كان يستعد فيه للمغادرة إلى قمة مجموعة السبع (G7)، بينما حالت الاعتبارات الأمنية دون سفره ونائبه في التوقيت نفسه، الأمر الذي جعل التوقيع الإلكتروني الخيار الأسرع لضمان إنجاز الاتفاق، ومنع أي تأخير قد يؤدي إلى انهياره أو انسحاب أحد أطرافه.

وتكشف الصيغة التي أعلنها الرئيس ترامب عبر منصة تروث سوشال عن تحول لافت في هندسة الترتيبات الإقليمية، إذ أشار إلى أن مخرجات الاتفاق تشمل دول الخليج ومصر والأردن، في حين خلا الإعلان من أي إشارة إلى إسرائيل أو لبنان، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية جديدة لطبيعة توزيع الأدوار والتحالفات في المرحلة المقبلة، ويؤشر إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة صياغة لمعادلات الأمن الإقليمي وفق اعتبارات تتجاوز المفاهيم التقليدية للتحالفات.
إن ما تشهده المنطقة اليوم لا يمثل نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة تُدار فيها الحروب بأدوات مختلفة، وتتراجع فيها المواجهة العسكرية المباشرة لصالح إدارة النفوذ والتوازنات والتحالفات.
ولذلك، فإن ما حذّرتُ منه سابقاً بشأن انتقال الصراع من الحرب المباشرة إلى ثلاثية الاحتواء والتوسيع والحياد لم يعد مجرد قراءة استشرافية، بل أصبح واقعاً سياسياً واستراتيجياً يتشكل أمام العالم، ويؤسس لمرحلة جديدة من النظام الإقليمي والدولي، ستكون فيها الدبلوماسية الرقمية، وإدارة التوازنات، والتحالفات المرنة، أدوات القوة الأكثر تأثيراً في رسم مستقبل الشرق الأوسط.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :