الكرملين أمام معادلة ردع جديدة بقلم:الدكتور علي فواز العدوان
استهداف العمق الاقتصادي الروسي لم يعد حدثاً عسكرياً منفصلاً، بل جزءاً من معركة إعادة تشكيل ميزان الردع بين موسكو والغرب.
وإعادة تعريف الردع الروسي بعد استهداف مصفاة موسكو كيف ينبغي للكرملين أن يرد لم تعد
الحرب الروسية–الأوكرانية تُقاس بعدد الكيلومترات التي تتقدمها القوات على خطوط الجبهة، بل أصبحت تُقاس بقدرة كل طرف على ضرب مراكز الثقل الاستراتيجية للطرف الآخر. وفي هذا السياق، فإن الضربة الأوكرانية التي استهدفت إحدى أهم مصافي التكرير في العاصمة موسكو، بالتزامن مع انعقاد قمة آسيان ومناورات العقيدة النووية الروسية، لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف هيبة الدولة الروسية قبل أن تستهدف بنيتها الاقتصادية.
لقد اختارت كييف توقيتاً بالغ الحساسية، في لحظة كان الرئيس فلاديمير بوتين يسعى خلالها إلى تقديم روسيا باعتبارها قوة مستقرة قادرة على قيادة شراكات آسيوية واسعة رغم العقوبات الغربية. ومن هنا، فإن الرسالة الأوكرانية لم تكن موجهة إلى الداخل الروسي فقط، بل إلى المجتمع الدولي أيضاً، ومفادها أن الحرب أصبحت قادرة على الوصول إلى قلب العاصمة الروسية مهما بلغت إجراءات الحماية.
لكن الأهمية الأكبر لهذه الضربة تكمن في أنها استهدفت أحد أعمدة القوة الروسية، وهو الاقتصاد النفطي الذي يمثل المحرك الرئيس لقدرة موسكو على تمويل حرب طويلة الأمد. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق العسكري، وإنما بقدرة الدول على الحفاظ على منظومات الطاقة والإنتاج وسلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف المصافي النفطية يمثل محاولة لإضعاف القدرة الروسية على الاستمرار في حرب الاستنزاف.
رغم الضجة التي صاحبت الهجوم، فإن احتمالات الرد النووي تبقى محدودة للغاية. فالعقيدة النووية الروسية، حتى بعد تعديلها، تربط استخدام السلاح النووي بوجود تهديد وجودي للدولة الروسية أو تعرضها لهجوم يهدد بقاءها، وهو ما لا ينطبق على الضربات الحالية مهما كانت مؤلمة.
لذلك، فإن الرد الروسي المرجح سيبقى ضمن إطار التصعيد التقليدي عالي الكثافة، مع توسيع بنك الأهداف داخل أوكرانيا، واستهداف البنية التحتية للطاقة والنقل ومراكز القيادة العسكرية، إضافة إلى تكثيف الضربات بعيدة المدى باستخدام الصواريخ والمسيرات.
إذا أرادت روسيا استعادة قوة الردع، فإن الرد العسكري وحده لن يكون كافياً. المطلوب هو استراتيجية متعددة المستويات تقوم على خمسة محاور رئيسة:
أولاً: فرض معادلة ردع اقتصادي مضاد عبر استهداف البنية اللوجستية التي تعتمد عليها أوكرانيا في استقبال الدعم الغربي، بما يشمل شبكات النقل ومستودعات الوقود ومراكز الصيانة العسكرية.
ثانياً: تعزيز الدفاع الجوي حول موسكو والمنشآت النفطية والعسكرية، لأن تكرار اختراق العمق الروسي يمنح أوكرانيا مكاسب نفسية وسياسية تتجاوز قيمة الأضرار المادية.
ثالثاً: توسيع الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية ضد مراكز القيادة والاتصالات وشبكات الطاقة الأوكرانية، باعتبارها أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيراً في إرباك الخصم.
رابعاً: استثمار الحادثة دبلوماسياً لإقناع شركاء روسيا بأن استمرار تسليح أوكرانيا يدفع الصراع نحو مستويات أكثر خطورة، بما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
خامساً: الحفاظ على الردع النووي كخيار سياسي واستراتيجي دون الانجرار إلى استخدامه، لأن مجرد بقاء هذا الخيار قائماً يحقق لروسيا مكاسب ردعية أكبر من اللجوء إليه عملياً.
تكشف هذه الضربة أن الحرب الروسية–الأوكرانية دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها خطوط المواجهة هي العامل الحاسم، بل أصبحت مراكز الطاقة، وشبكات الاقتصاد، والبنية التحتية، والحرب النفسية، أدوات رئيسة لإدارة الصراع.
لقد انتقلت كييف من الدفاع عن أراضيها إلى محاولة إعادة تشكيل معادلة الردع داخل العمق الروسي، بينما تجد موسكو نفسها مطالبة بإثبات أن قوتها لا تقاس فقط بترسانتها النووية، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية اقتصادها واستقرارها الداخلي.
وفي تقديري، فإن الأشهر المقبلة ستشهد انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث ستكون معركة الطاقة والاقتصاد والعمق الاستراتيجي أكثر حسماً من معارك الجبهات التقليدية. وستسعى روسيا إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بطريقة تجعل أي استهداف لمنشآتها الحيوية يقابله ثمن استراتيجي مرتفع، بما يعيد تثبيت ميزان الردع ويمنع تحول الحرب إلى استنزاف مفتوح بلا سقف سياسي أو عسكري.
استهداف العمق الاقتصادي الروسي لم يعد حدثاً عسكرياً منفصلاً، بل جزءاً من معركة إعادة تشكيل ميزان الردع بين موسكو والغرب.
وإعادة تعريف الردع الروسي بعد استهداف مصفاة موسكو كيف ينبغي للكرملين أن يرد لم تعد
الحرب الروسية–الأوكرانية تُقاس بعدد الكيلومترات التي تتقدمها القوات على خطوط الجبهة، بل أصبحت تُقاس بقدرة كل طرف على ضرب مراكز الثقل الاستراتيجية للطرف الآخر. وفي هذا السياق، فإن الضربة الأوكرانية التي استهدفت إحدى أهم مصافي التكرير في العاصمة موسكو، بالتزامن مع انعقاد قمة آسيان ومناورات العقيدة النووية الروسية، لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف هيبة الدولة الروسية قبل أن تستهدف بنيتها الاقتصادية.
لقد اختارت كييف توقيتاً بالغ الحساسية، في لحظة كان الرئيس فلاديمير بوتين يسعى خلالها إلى تقديم روسيا باعتبارها قوة مستقرة قادرة على قيادة شراكات آسيوية واسعة رغم العقوبات الغربية. ومن هنا، فإن الرسالة الأوكرانية لم تكن موجهة إلى الداخل الروسي فقط، بل إلى المجتمع الدولي أيضاً، ومفادها أن الحرب أصبحت قادرة على الوصول إلى قلب العاصمة الروسية مهما بلغت إجراءات الحماية.
لكن الأهمية الأكبر لهذه الضربة تكمن في أنها استهدفت أحد أعمدة القوة الروسية، وهو الاقتصاد النفطي الذي يمثل المحرك الرئيس لقدرة موسكو على تمويل حرب طويلة الأمد. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق العسكري، وإنما بقدرة الدول على الحفاظ على منظومات الطاقة والإنتاج وسلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف المصافي النفطية يمثل محاولة لإضعاف القدرة الروسية على الاستمرار في حرب الاستنزاف.
رغم الضجة التي صاحبت الهجوم، فإن احتمالات الرد النووي تبقى محدودة للغاية. فالعقيدة النووية الروسية، حتى بعد تعديلها، تربط استخدام السلاح النووي بوجود تهديد وجودي للدولة الروسية أو تعرضها لهجوم يهدد بقاءها، وهو ما لا ينطبق على الضربات الحالية مهما كانت مؤلمة.
لذلك، فإن الرد الروسي المرجح سيبقى ضمن إطار التصعيد التقليدي عالي الكثافة، مع توسيع بنك الأهداف داخل أوكرانيا، واستهداف البنية التحتية للطاقة والنقل ومراكز القيادة العسكرية، إضافة إلى تكثيف الضربات بعيدة المدى باستخدام الصواريخ والمسيرات.
إذا أرادت روسيا استعادة قوة الردع، فإن الرد العسكري وحده لن يكون كافياً. المطلوب هو استراتيجية متعددة المستويات تقوم على خمسة محاور رئيسة:
أولاً: فرض معادلة ردع اقتصادي مضاد عبر استهداف البنية اللوجستية التي تعتمد عليها أوكرانيا في استقبال الدعم الغربي، بما يشمل شبكات النقل ومستودعات الوقود ومراكز الصيانة العسكرية.
ثانياً: تعزيز الدفاع الجوي حول موسكو والمنشآت النفطية والعسكرية، لأن تكرار اختراق العمق الروسي يمنح أوكرانيا مكاسب نفسية وسياسية تتجاوز قيمة الأضرار المادية.
ثالثاً: توسيع الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية ضد مراكز القيادة والاتصالات وشبكات الطاقة الأوكرانية، باعتبارها أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيراً في إرباك الخصم.
رابعاً: استثمار الحادثة دبلوماسياً لإقناع شركاء روسيا بأن استمرار تسليح أوكرانيا يدفع الصراع نحو مستويات أكثر خطورة، بما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
خامساً: الحفاظ على الردع النووي كخيار سياسي واستراتيجي دون الانجرار إلى استخدامه، لأن مجرد بقاء هذا الخيار قائماً يحقق لروسيا مكاسب ردعية أكبر من اللجوء إليه عملياً.
تكشف هذه الضربة أن الحرب الروسية–الأوكرانية دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها خطوط المواجهة هي العامل الحاسم، بل أصبحت مراكز الطاقة، وشبكات الاقتصاد، والبنية التحتية، والحرب النفسية، أدوات رئيسة لإدارة الصراع.
لقد انتقلت كييف من الدفاع عن أراضيها إلى محاولة إعادة تشكيل معادلة الردع داخل العمق الروسي، بينما تجد موسكو نفسها مطالبة بإثبات أن قوتها لا تقاس فقط بترسانتها النووية، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية اقتصادها واستقرارها الداخلي.
وفي تقديري، فإن الأشهر المقبلة ستشهد انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث ستكون معركة الطاقة والاقتصاد والعمق الاستراتيجي أكثر حسماً من معارك الجبهات التقليدية. وستسعى روسيا إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بطريقة تجعل أي استهداف لمنشآتها الحيوية يقابله ثمن استراتيجي مرتفع، بما يعيد تثبيت ميزان الردع ويمنع تحول الحرب إلى استنزاف مفتوح بلا سقف سياسي أو عسكري.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...