• الرئيسية
  • مقالات

  • ترامب والصين تصعيد انتخابي أم تحول استراتيجي بقلم: الدكتور علي فواز العدوان

ترامب والصين تصعيد انتخابي أم تحول استراتيجي بقلم: الدكتور علي فواز العدوان




لا تُقاس التصريحات الاخيره للرئيس الأميركي دونالد ترامب بحجم الكلمات، بل بما تتركه من آثار على توازنات القوى والأسواق العالمية فإعادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحياء الاتهامات المتعلقة بتدخل الصين في انتخابات عام 2020 لا يمكن قراءتها باعتبارها سجالاً سياسياً داخلياً فحسب، بل باعتبارها مؤشراً على عودة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الدولي إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

فالتنافس الأميركي الصيني لم يعد يقتصر على الرسوم الجمركية أو سباق التكنولوجيا، بل أصبح يمتد إلى ملفات الأمن القومي، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وسلاسل التوريد، والسيطرة على الممرات التجارية العالمية. وتتحول التصريحات السياسية إلى مؤشرات تقرؤها البورصات والمؤسسات المالية والمستثمرون حول العالم.
أن أي تصعيد بين واشنطن وبكين ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية، فالصين تمثل أكبر دولة مصدرة في العالم، بينما تعد الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكية، وأي اضطراب في العلاقة بينهما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة رسم سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار المواد الخام والطاقة والمعادن الاستراتيجية، إضافة إلى تراجع ثقة المستثمرين في الأسواق الدولية.
ولن تقتصر التداعيات على الاقتصادين الأميركي والصيني، بل ستمتد إلى الاقتصادات الإقليمية التي تعتمد على التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية. فالشرق الأوسط، الذي يشهد تحولاً متسارعاً ليصبح مركزاً لوجستياً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، قد يجد نفسه أمام تحديات جديدة إذا تصاعدت المنافسة بين القوتين، خاصة فيما يتعلق بحركة الشحن البحري، والاستثمارات في البنية التحتية، والطاقة، والمشروعات المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.
أما بالنسبة للأردن، فإن انعكاسات أي تصعيد ستكون غير مباشرة لكنها مؤثرة، فالمملكة تعتمد على اقتصاد منفتح يرتبط بشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية، وفي الوقت ذاته تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها الصناعية والتكنولوجية من الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين.
فإن أي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وزيادة أسعار السلع والمواد الأولية، وتأخير وصول المعدات الصناعية والتكنولوجية، وهو ما قد ينعكس على مستويات التضخم وكلف الإنتاج المحلي. كما أن ارتفاع أجور الشحن البحري وأسعار التأمين سيضيف أعباءً جديدة على القطاعين الصناعي والتجاري.

وفي المقابل، قد تتيح التحولات الجيوسياسية فرصاً للأردن إذا أحسن استثمار موقعه الجغرافي واستقراره السياسي. فمع سعي الشركات العالمية إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مراكز إنتاج محددة، يمكن للمملكة أن تعزز مكانتها كمركز لوجستي واستثماري يخدم أسواق المنطقة، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة، والبنية التحتية المتطورة في ميناء العقبة، والمناطق الصناعية المؤهلة.
إن ما نشهده اليوم ليس خلافاً سياسياً عابراً، بل إعادة تشكيل لموازين الاقتصاد العالمي. فالصراع بين واشنطن وبكين أصبح يدور حول من يملك التكنولوجيا، ومن يسيطر على البيانات، ومن يقود التجارة العالمية خلال العقود المقبلة. وهذا يعني أن الدول المتوسطة والصغيرة، ومنها الأردن، مطالبة بانتهاج سياسات اقتصادية أكثر مرونة، وتنويع شركائها التجاريين، وتعزيز أمنها الغذائي والصناعي والطاقة، لتقليل تأثرها بالصدمات الخارجية.

إن العلاقات الأميركية الصينية ستظل محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين المنافسة والتعاون فلا واشنطن قادرة على الاستغناء عن الاقتصاد الصيني، ولا بكين تستطيع تجاهل السوق الأميركية. لكن استمرار التصعيد السياسي قد يدفع العالم نحو مرحلة جديدة من "الحرب الباردة الاقتصادية"، حيث تصبح التجارة والاستثمار والتكنولوجيا أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها جسوراً للتعاون.
من وجهة نظري ان على دول المنطقة وفي مقدمتها الأردن، إعادة صياغة أولوياتها الاقتصادية والتجارية بما يضمن حماية مصالحها الوطنية وتعزيز قدرتها على التكيف مع عالم سريع التغير.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :