بترا في عامها السابع والخمسين. بقلم: الدكتور علي فواز العدوان
بترا في عامها السابع والخمسين: تؤسس لمرحلة جديدة من الإعلام الرقمي المتكامل وتطلق معرض صور للحياة السياسية
بقلم: الدكتور علي فواز العدوان
في زمن تتدفق فيه المعلومة وتختلط فيه الرواية بالشائعة، وتتعدد منابر التأثير، تظل المؤسسات الإعلامية الوطنية محكومة بمسؤولية أخلاقية وتاريخية تتجاوز النقل الآني للخبر، إلى التوثيق الأمين، وصون الذاكرة، وبناء جسور الثقة مع الجمهور. ومن هذا المنطلق، تأتي اجراءات التحديث التي أعلنت عنها وكالة الأنباء الأردنية "بترا" بمناسبة ذكرى تأسيسها السابعة والخمسين، لتشكل نقلة نوعية تليق بمكانة الوكالة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الإعلام الرقمي المتكامل، مع إطلاق معرض نوعي يوثق مسيرة الحياة السياسية في الأردن.
أولاً: "ذاكرة بترا" ومعرض الحياة السياسية – حين يصبح التاريخ مرآة للأمة
لم يعد التوثيق الفوتوغرافي ترفاً صحفياً أو مجرد توثيق بصري عابر، بل أصبح في زمننا الرقمي ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، ومصدراً بالغ الأهمية للباحثين والمؤرخين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة التي صنعتها "بترا" في عامها السابع والخمسين، حيث جمعت بين استعادة الماضي عبر أرشيفها الرقمي "ذاكرة بترا"، وبين تقديم هذا الماضي في قالب معاصر من خلال معرض الصور المخصص للحياة السياسية.
فهذا المعرض ليس مجرد جداريات تعرض صوراً لزعماء وقادة، بل هو سردية بصرية متكاملة، ترصد تطور المشهد السياسي الأردني عبر عقود، من مرحلة التأسيس والاستقلال، إلى مسيرة البناء والتحديث، وصولاً إلى العهد الهاشمي الزاهر بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين. إنه يروي، بلغة الضوء والظل، حكاية صنع القرار، ومسيرة الإصلاح، ووجوه السياسيين والبرلمانيين الذين أسهموا في بناء الدولة الحديثة، مما يجعله مادة بحثية ثرية، ومرجعاً بصرياً لا غنى عنه للمفكرين والإعلاميين والأجيال الشابة المقبلة.
أما أرشيف "ذاكرة بترا" الرقمي، فيمثل استعادة للذاكرة الوطنية الشاملة، حيث يضم صوراً التقطها مصورو الوكالة منذ انطلاقاتها الأولى، إلى جانب المعدات التاريخية التي استخدمت في تلك الحقبة، ليكون شاهداُ على تطور أدوات العمل الإعلامي نفسه. وفي زخم المعلومات المضللة والصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأرشيف الموثّق درعاً للحقيقة، وسيفاً في وجه الروايات المزيفة، معيداً الاعتبار للتوثيق المهني والبحث الأكاديمي المتخصص.
ثانياً: تحديث المنصة الرقمية – نحو إعلام متكامل بالصوت والصورة والسماء
لا يكفي توثيق الماضي، بل لا بد من مواكبة المستقبل، وهنا يتجلى البعد الثاني للتطوير، حيث لم تكتف "بترا" بالاستناد إلى تراثها، بل عملت على تحديث موقعها الإلكتروني ليكون منصة رقمية متكاملة، تعكس روح العصر وتلبي تطلعات الجمهور المتغير. فلم يعد المتلقي اليوم مستهلكاً سلبياً للنشرة أو الخبر المكتوب، بل أصبح مشاركاً نشطاً، يبحث عن تجربة غامرة، ومحتوى بصري وسمعي جاذب.
وجاء تحديث الموقع بواجهة حديثة وسلسة، قادرة على احتضان أشكال جديدة من الإعلام، أبرزها:
· التصوير الجوي بطائرات الدرونز، الذي يمنح المشاهد بانوراما حية للأحداث الوطنية الكبرى، ويكشف معالم الأردن الطبيعية والأثرية من زوايا درامية غير مسبوقة، مضيفاً عمقاً مكانياً للخبر، ومثبتاً مكانة "بترا" بين الوكالات المتطورة تقنياً.
· انطلاق منصة البودكاست، استجابةً للتحول في أنماط الاستهلاك الإعلامي، خاصة بين فئة الشباب، حيث أصبح المحتوى الصوتي رفيق التنقل. وهذا ينقل "بترا" من حيز النشر الخبري العاجل إلى فضاء التحليل والحوار المعمق، مما يثري المشهد الإعلامي الأردني بأصوات وخبرات متنوعة، ويعمق الفهم بقضايا الساعة.
هاتان الأداتان، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية، لا تمثلان مجرد تحديث تقني، بل إعادة تعريف لهوية الوكالة ذاتها، من ناقل للأخبار إلى منصة إعلامية شاملة، تنافس وسائل الإعلام الجديد بسرعتها، وتتفوق عليها بمصداقيتها المؤسسية وعمقها التاريخي.
التأثير على الإعلام الأردني والعالمي: نموذج يحتذى به
لا يمكن النظر إلى هذه الإصلاحات بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تعاني بعض المؤسسات الإعلامية الرسمية من أزمات ثقة وضعف تأثير. هنا، تقدم "بترا" في عامها السابع والخمسين نموذجاً وطنياً يستحق التأمل، يجمع بين:
· الانفتاح على العالم بمنصة عصرية متعددة اللغات.
· الحفاظ على الجوهر بأرشيف موثوق ومعرض سياسي يعكس عمق الدولة.
على المستوى المحلي، تشكل هذه الخطوات دعماً حقيقياً لجهود الأردن في التحول الرقمي، وتعزز من مكانة الوكالة كمرجعية إعلامية وطنية. أما عالمياً، فإن إتاحة أرشيف غني بالصور السياسية والتاريخية، إلى جانب محتوى مرئي وسمعي احترافي، يسهم في نقل صورة مشرقة ومتكاملة عن الأردن، ويعزز حضوره في الفضاء الرقمي العالمي، مما يساعد في توصيل روايته الوطنية بلغة العصر.
الصورة.. توثيق وسردية ومصداقية
لعل الإنجاز الأبرز في هاتين الخطوتين هو إعادة الاعتبار للصورة بوصفها أداة معرفية وسياسية وثقافية. فمعرض الحياة السياسية، وأرشيف "ذاكرة بترا"، واستخدام الدرونز، كلها تؤكد أن الصورة لم تعد مجرد توثيق، بل أصبحت سردية بصرية موازية للخبر، وأداة لبناء المصداقية، ونافذة على تاريخ الأمة وهويتها.
إن ما أسست له "بترا" في عامها السابع والخمسين، ليس مجرد ترقيم لأرشيف، ولا مجرد رفع لكفاءة موقع، بل هو رؤية إعلامية متكاملة الأركان، تقوم على ثلاث ركائز متينة:
1. توثيق التاريخ، بحماية الذاكرة الوطنية وإبراز مسيرة الحياة السياسية في معرض نوعي.
2. مواكبة العصر، بالانطلاق في فضاءات التصوير الجوي والبودكاست والمنصات الرقمية المتطورة.
3. تعزيز المصداقية، بجعل المادة الإعلامية متاحة، موثوقة، وخاضعة للباحثين والجمهور على حد سواء.
في زمن تغيرت فيه أدوات الإعلام، وتنوعت منابره، تثبت "بترا" أن المؤسسة الوطنية العريقة قادرة على التجديد بوعي، وأنها حين تمتلك الإرادة والرؤية، تصبح رائدة لا تابعة، ومصدراً لا مكرراً. وهذه هي الرسالة التي تبعثها "بترا" من عمان، حاملةً بين طياتها ذاكرة وطنية، ومنصة رقمية، ومصداقية لا تتزعزع، لتكون بحق درة الإعلام الأردني في عامها السابع والخمسين.
بقلم: الدكتور علي فواز العدوان
في زمن تتدفق فيه المعلومة وتختلط فيه الرواية بالشائعة، وتتعدد منابر التأثير، تظل المؤسسات الإعلامية الوطنية محكومة بمسؤولية أخلاقية وتاريخية تتجاوز النقل الآني للخبر، إلى التوثيق الأمين، وصون الذاكرة، وبناء جسور الثقة مع الجمهور. ومن هذا المنطلق، تأتي اجراءات التحديث التي أعلنت عنها وكالة الأنباء الأردنية "بترا" بمناسبة ذكرى تأسيسها السابعة والخمسين، لتشكل نقلة نوعية تليق بمكانة الوكالة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الإعلام الرقمي المتكامل، مع إطلاق معرض نوعي يوثق مسيرة الحياة السياسية في الأردن.
أولاً: "ذاكرة بترا" ومعرض الحياة السياسية – حين يصبح التاريخ مرآة للأمة
لم يعد التوثيق الفوتوغرافي ترفاً صحفياً أو مجرد توثيق بصري عابر، بل أصبح في زمننا الرقمي ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، ومصدراً بالغ الأهمية للباحثين والمؤرخين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة التي صنعتها "بترا" في عامها السابع والخمسين، حيث جمعت بين استعادة الماضي عبر أرشيفها الرقمي "ذاكرة بترا"، وبين تقديم هذا الماضي في قالب معاصر من خلال معرض الصور المخصص للحياة السياسية.
فهذا المعرض ليس مجرد جداريات تعرض صوراً لزعماء وقادة، بل هو سردية بصرية متكاملة، ترصد تطور المشهد السياسي الأردني عبر عقود، من مرحلة التأسيس والاستقلال، إلى مسيرة البناء والتحديث، وصولاً إلى العهد الهاشمي الزاهر بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين. إنه يروي، بلغة الضوء والظل، حكاية صنع القرار، ومسيرة الإصلاح، ووجوه السياسيين والبرلمانيين الذين أسهموا في بناء الدولة الحديثة، مما يجعله مادة بحثية ثرية، ومرجعاً بصرياً لا غنى عنه للمفكرين والإعلاميين والأجيال الشابة المقبلة.
أما أرشيف "ذاكرة بترا" الرقمي، فيمثل استعادة للذاكرة الوطنية الشاملة، حيث يضم صوراً التقطها مصورو الوكالة منذ انطلاقاتها الأولى، إلى جانب المعدات التاريخية التي استخدمت في تلك الحقبة، ليكون شاهداُ على تطور أدوات العمل الإعلامي نفسه. وفي زخم المعلومات المضللة والصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأرشيف الموثّق درعاً للحقيقة، وسيفاً في وجه الروايات المزيفة، معيداً الاعتبار للتوثيق المهني والبحث الأكاديمي المتخصص.
ثانياً: تحديث المنصة الرقمية – نحو إعلام متكامل بالصوت والصورة والسماء
لا يكفي توثيق الماضي، بل لا بد من مواكبة المستقبل، وهنا يتجلى البعد الثاني للتطوير، حيث لم تكتف "بترا" بالاستناد إلى تراثها، بل عملت على تحديث موقعها الإلكتروني ليكون منصة رقمية متكاملة، تعكس روح العصر وتلبي تطلعات الجمهور المتغير. فلم يعد المتلقي اليوم مستهلكاً سلبياً للنشرة أو الخبر المكتوب، بل أصبح مشاركاً نشطاً، يبحث عن تجربة غامرة، ومحتوى بصري وسمعي جاذب.
وجاء تحديث الموقع بواجهة حديثة وسلسة، قادرة على احتضان أشكال جديدة من الإعلام، أبرزها:
· التصوير الجوي بطائرات الدرونز، الذي يمنح المشاهد بانوراما حية للأحداث الوطنية الكبرى، ويكشف معالم الأردن الطبيعية والأثرية من زوايا درامية غير مسبوقة، مضيفاً عمقاً مكانياً للخبر، ومثبتاً مكانة "بترا" بين الوكالات المتطورة تقنياً.
· انطلاق منصة البودكاست، استجابةً للتحول في أنماط الاستهلاك الإعلامي، خاصة بين فئة الشباب، حيث أصبح المحتوى الصوتي رفيق التنقل. وهذا ينقل "بترا" من حيز النشر الخبري العاجل إلى فضاء التحليل والحوار المعمق، مما يثري المشهد الإعلامي الأردني بأصوات وخبرات متنوعة، ويعمق الفهم بقضايا الساعة.
هاتان الأداتان، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية، لا تمثلان مجرد تحديث تقني، بل إعادة تعريف لهوية الوكالة ذاتها، من ناقل للأخبار إلى منصة إعلامية شاملة، تنافس وسائل الإعلام الجديد بسرعتها، وتتفوق عليها بمصداقيتها المؤسسية وعمقها التاريخي.
التأثير على الإعلام الأردني والعالمي: نموذج يحتذى به
لا يمكن النظر إلى هذه الإصلاحات بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تعاني بعض المؤسسات الإعلامية الرسمية من أزمات ثقة وضعف تأثير. هنا، تقدم "بترا" في عامها السابع والخمسين نموذجاً وطنياً يستحق التأمل، يجمع بين:
· الانفتاح على العالم بمنصة عصرية متعددة اللغات.
· الحفاظ على الجوهر بأرشيف موثوق ومعرض سياسي يعكس عمق الدولة.
على المستوى المحلي، تشكل هذه الخطوات دعماً حقيقياً لجهود الأردن في التحول الرقمي، وتعزز من مكانة الوكالة كمرجعية إعلامية وطنية. أما عالمياً، فإن إتاحة أرشيف غني بالصور السياسية والتاريخية، إلى جانب محتوى مرئي وسمعي احترافي، يسهم في نقل صورة مشرقة ومتكاملة عن الأردن، ويعزز حضوره في الفضاء الرقمي العالمي، مما يساعد في توصيل روايته الوطنية بلغة العصر.
الصورة.. توثيق وسردية ومصداقية
لعل الإنجاز الأبرز في هاتين الخطوتين هو إعادة الاعتبار للصورة بوصفها أداة معرفية وسياسية وثقافية. فمعرض الحياة السياسية، وأرشيف "ذاكرة بترا"، واستخدام الدرونز، كلها تؤكد أن الصورة لم تعد مجرد توثيق، بل أصبحت سردية بصرية موازية للخبر، وأداة لبناء المصداقية، ونافذة على تاريخ الأمة وهويتها.
إن ما أسست له "بترا" في عامها السابع والخمسين، ليس مجرد ترقيم لأرشيف، ولا مجرد رفع لكفاءة موقع، بل هو رؤية إعلامية متكاملة الأركان، تقوم على ثلاث ركائز متينة:
1. توثيق التاريخ، بحماية الذاكرة الوطنية وإبراز مسيرة الحياة السياسية في معرض نوعي.
2. مواكبة العصر، بالانطلاق في فضاءات التصوير الجوي والبودكاست والمنصات الرقمية المتطورة.
3. تعزيز المصداقية، بجعل المادة الإعلامية متاحة، موثوقة، وخاضعة للباحثين والجمهور على حد سواء.
في زمن تغيرت فيه أدوات الإعلام، وتنوعت منابره، تثبت "بترا" أن المؤسسة الوطنية العريقة قادرة على التجديد بوعي، وأنها حين تمتلك الإرادة والرؤية، تصبح رائدة لا تابعة، ومصدراً لا مكرراً. وهذه هي الرسالة التي تبعثها "بترا" من عمان، حاملةً بين طياتها ذاكرة وطنية، ومنصة رقمية، ومصداقية لا تتزعزع، لتكون بحق درة الإعلام الأردني في عامها السابع والخمسين.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...