• الرئيسية
  • مقالات

  • تضارب المصالح في الأحزاب السياسية .. عندما يصبح الحكم خصماً ومنافساً في الوقت ذاته بقلم: د. محمد الجبور

تضارب المصالح في الأحزاب السياسية .. عندما يصبح الحكم خصماً ومنافساً في الوقت ذاته بقلم: د. محمد الجبور



تقوم الأحزاب السياسية على مبدأ الديمقراطية الداخلية باعتبارها الأساس الذي يمنحها الشرعية والمصداقية أمام أعضائها وأمام الرأي العام. ولذلك فإن أي ممارسة تثير الشكوك حول نزاهة الإجراءات الداخلية لا تؤثر فقط على نتائج انتخابات أو مواقع قيادية، بل تمس جوهر الثقة التي يقوم عليها العمل الحزبي بأكمله.
ومن أكثر القضايا حساسية في العمل الحزبي مسألة تضارب المصالح، خاصة عندما تتداخل الأدوار بين الإشراف على العملية الانتخابية والمشاركة فيها كمنافس على المواقع القيادية. فحتى وإن تمت الإجراءات وفق الأطر التنظيمية المعلنة، فإن وجود أي تداخل بين دور المشرف ودور المرشح يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الحياد وتكافؤ الفرص، ويخلق انطباعاً لدى الأعضاء بأن المنافسة لا تجري على أرضية متساوية.
إن الديمقراطية لا تقتصر على سلامة النتائج فقط، بل تشمل أيضاً سلامة الإجراءات والقدرة على إقناع الجميع بأن العملية تمت بصورة محايدة وعادلة. لذلك فإن العديد من المؤسسات السياسية والديمقراطية حول العالم تحرص على الفصل الكامل بين الجهات المشرفة على الانتخابات وبين المرشحين لها، ليس بسبب وجود مخالفة بالضرورة، وإنما حمايةً للمصداقية ومنعاً لأي شبهة قد تؤثر على ثقة الأعضاء.
وعندما يشعر الأعضاء بأن بعض المواقع التنظيمية تمنح أصحابها أفضلية على غيرهم في المنافسة، أو أن مراكز القرار والإشراف تتركز في أيدي أشخاص يتنافسون في الوقت ذاته على المناصب القيادية، فإن ذلك يفتح الباب أمام حالة من الإحباط والشك وفقدان الثقة، حتى لو لم يكن هناك دليل على تجاوزات فعلية. فالثقة في الحياة الحزبية تُبنى على وضوح الإجراءات بقدر ما تُبنى على نزاهة الأشخاص.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في فوز هذا الشخص أو ذاك، وإنما في ترسيخ ثقافة تنظيمية تجعل من تضارب المصالح أمراً مقبولاً أو غير مستحق للنقاش. فالحزب الذي يسعى إلى ترسيخ الديمقراطية مطالب بأن يبتعد عن أي ممارسة قد تُفسر على أنها جمع بين سلطة الإشراف ومصلحة الترشح، لأن العدالة لا يجب أن تكون متحققة فقط، بل يجب أن تكون ظاهرة وواضحة للجميع.
إن الأحزاب التي تطمح إلى بناء تجربة سياسية ناجحة مطالبة بتعزيز استقلالية اللجان المشرفة على الانتخابات الداخلية، وضمان عدم وجود مصالح مباشرة أو غير مباشرة لأعضائها في النتائج النهائية. فكلما ازدادت المسافة بين المشرف والمنافس، ازدادت الثقة بالنتائج وارتفعت مكانة الحزب واحترام أعضائه له.
لقد أثبتت التجارب السياسية أن الأحزاب لا تتراجع بسبب اختلاف الآراء، بل بسبب الشعور بغياب العدالة. وعندما يفقد الأعضاء الثقة بأن الفرص متكافئة وأن الإرادة الحزبية هي صاحبة القرار الحقيقي، تبدأ الكفاءات بالابتعاد، ويتحول العمل الحزبي من مشروع وطني جامع إلى ساحة صراعات داخلية تستنزف الجهود والطاقات.
إن الإصلاح الحزبي الحقيقي يبدأ من ترسيخ مبدأ بسيط وواضح: لا يجوز أن يكون من يدير المنافسة طرفاً فيها، ولا أن يجتمع دور الحكم ودور المنافس في شخص واحد. فهذا المبدأ ليس موجهاً ضد أشخاص بعينهم، بل هو ضمانة لحماية نزاهة العمل الحزبي وتعزيز ثقة الأعضاء بمؤسساتهم.
وفي النهاية، فإن الأحزاب التي تضع النزاهة فوق المصالح، والمؤسسة فوق الأفراد، والعدالة فوق الحسابات الضيقة، هي وحدها القادرة على الاستمرار وكسب احترام أعضائها وثقة المجتمع. أما تجاهل هذه القضايا تحت أي مبرر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين القواعد الحزبية والقيادات، وهو أمر لا يخدم الحزب ولا الحياة السياسية ولا الوطن.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :