• الرئيسية
  • مقالات

  • «حقّق»… حين يصبح تمكين الشباب مشروعاً وطنياً بقلم: الدكتور عبد الكريم السويلمين

«حقّق»… حين يصبح تمكين الشباب مشروعاً وطنياً بقلم: الدكتور عبد الكريم السويلمين


«حقّق»… حين يصبح تمكين الشباب مشروعاً وطنياً
بقلم: الدكتور عبد الكريم السويلمين
عضو هيئة تدريسية في جامعة الزرقاء الخاصة

ليست المبادرات الوطنية الكبرى مجرّد برامج عابرة، ولا حملات موسمية تنتهي بانتهاء فعالياتها، بل هي مشاريع بناء طويل المدى، تُقاس قيمتها بما تتركه في الإنسان من وعي، وفي المجتمع من أثر، وفي الدولة من قدرة متجددة على صناعة المستقبل. ومن هذا المنظور، تبرز مبادرة «حقّق» بوصفها واحدة من المبادرات الشبابية النوعية التي تجاوزت حدود النشاط المدرسي التقليدي، لتغدو إطاراً تربوياً ووطنياً يسعى إلى إعداد جيلٍ أكثر انتماءً، وأكثر قدرة على القيادة، وأكثر استعداداً لخدمة مجتمعه ووطنه.
لقد جاءت مبادرة «حقّق» منسجمة مع رؤية وطنية عميقة تؤمن بأن الشباب ليسوا هامشاً في مسيرة الدولة، بل هم قلب هذه المسيرة وطاقتها المتجددة. فالأمم التي تُحسن الاستثمار في شبابها إنما تستثمر في أمنها الاجتماعي، واستقرارها الثقافي، وازدهارها الاقتصادي، ومكانتها الحضارية. ومن هنا تبدو أهمية هذه المبادرة في كونها لا تكتفي بتقديم المعرفة النظرية، بل تسعى إلى تحويل القيم إلى ممارسة، والانتماء إلى سلوك، والقيادة إلى مسؤولية، والخدمة المجتمعية إلى عادة راسخة في وجدان الطلبة والطالبات.
وتنبع خصوصية «حقّق» من أنها تستهدف مرحلة عمرية شديدة الأهمية، هي مرحلة التشكّل النفسي والفكري والاجتماعي لدى طلبة المدارس. ففي هذه المرحلة تتكون الملامح الأولى للشخصية، وتتبلور علاقة الطالب بذاته، وبزملائه، وبمدرسته، وبوطنه. لذلك فإن غرس قيم المواطنة والقيادة والانضباط والعمل الجماعي في هذه السنّ ليس ترفاً تربوياً، بل ضرورة وطنية. فالطالب الذي يتعلم مبكراً معنى الالتزام، ومعنى خدمة الآخرين، ومعنى احترام الفريق، ومعنى المبادرة، سيكون أكثر قدرة في المستقبل على تحمّل المسؤولية في الجامعة، وفي سوق العمل، وفي الحياة العامة.
وقد أطلقت مبادرة «حقّق» عام 2013، مستهدفة طلبة المدارس في مختلف محافظات المملكة من كلا الجنسين، بما يعكس وعياً واضحاً بأهمية العدالة في توزيع الفرص، وبضرورة الوصول إلى الشباب حيثما كانوا، لا سيما في المحافظات والبيئات المدرسية المختلفة. كما تُنفّذ المبادرة بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، وتُفعّل ضمن برامج ونشاطات الوزارة، الأمر الذي يمنحها بعداً مؤسسياً مستقراً، ويجعلها جزءاً من البيئة التربوية الوطنية لا نشاطاً منفصلاً عنها.
إن الحديث عن مبادرة «حقّق» يقود بالضرورة إلى الحديث عن دور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في دعم الشباب وإبراز قدراتهم. فقد ارتبطت هذه المبادرة برؤية سموه التي تنطلق من الإيمان بأن الشباب الأردني قادر على الإنجاز متى أُعطي الفرصة، ومتى توفرت له بيئة حاضنة، ومتى جرى توجيه طاقته نحو العمل المنظم والبناء. وفي هذا السياق، لا تبدو «حقّق» مبادرة معزولة، بل حلقة في مشروع أوسع يهدف إلى تمكين الشباب، وتعزيز مهاراتهم القيادية، وربطهم بقضايا مجتمعهم ووطنهم.
وما يلفت النظر في فلسفة المبادرة أنها لا تتعامل مع القيادة باعتبارها موقعاً أو لقباً، بل باعتبارها ممارسة أخلاقية وسلوكية. فالقيادة في «حقّق» تبدأ من احترام الوقت، والقدرة على الإصغاء، والعمل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية، والتفكير في الصالح العام. وهذه المعاني، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، هي في حقيقتها أساس بناء المواطن الفاعل. فالوطن لا يحتاج فقط إلى متعلمين، بل يحتاج إلى متعلمين قادرين على المبادرة، وإلى شباب يمتلكون المعرفة إلى جانب الخلق، والحماسة إلى جانب الانضباط، والطموح إلى جانب الإحساس بالمسؤولية.
ومن الجوانب المهمة في المبادرة اعتمادها على التدرّج في تطوير المشاركين عبر مراحل متعددة، بحيث لا يكون التدريب حدثاً عابراً، بل مساراً تراكمياً لبناء الشخصية. وفي كل مرحلة تُصقل مهارات الطلبة في العمل الجماعي، وبناء روح الفريق، وتنمية المفاهيم القيادية، وتطوير القدرات الذهنية والمهارية والمعرفية. وهذا التدرّج ينسجم مع أبجديات التربية الحديثة التي تؤكد أن صناعة الإنسان لا تتم دفعة واحدة، بل عبر خبرات متراكمة، وتحديات منظمة، ومواقف عملية تكشف الإمكانات وتطوّرها.
كما أن تركيز «حقّق» على الخدمة المجتمعية يمنحها قيمة إضافية، إذ تنقل الطالب من دائرة التلقي إلى دائرة الفعل. فحين يشارك الشاب أو الشابة في عمل تطوعي، أو مبادرة لخدمة المجتمع، فإن العلاقة مع الوطن تتحول من شعار إلى ممارسة ملموسة. وحين يرى الطالب أثر جهده في محيطه، يتعمق لديه الشعور بأن له دوراً، وأن صوته وفعله يمكن أن يحدثا فرقاً. وهذه النقلة النفسية من الإحساس بالعجز إلى الإحساس بالقدرة هي واحدة من أهم مخرجات التربية الوطنية الراشدة.
وقد كشفت إنجازات المبادرة في الأعوام الأخيرة عن اتساع أثرها. فقد أشارت مؤسسة ولي العهد في لقاء عام 2024 إلى أن «حقّق» درّبت في عام 2023 أكثر من خمسين ألفاً من براعم المبادرة، واستفاد من أعمالها التطوعية ما يزيد على مئة وعشرين ألفاً من المجتمعات المحلية من خلال ستمئة عمل تطوعي، إضافة إلى بناء قدرات أكثر من أربعمئة مدرب من كوادر وزارة التربية والتعليم. وهذه الأرقام لا تمثّل مجرد مؤشرات كمية، بل تدل على أن المبادرة تتحول تدريجياً إلى ثقافة مدرسية ومجتمعية ذات أثر واسع.
إن الأردن، وهو يمضي في مئويته الثانية، أحوج ما يكون إلى مبادرات من هذا النوع، تعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه مركز التنمية وغايتها. فالتنمية لا تُختصر في المشاريع الاقتصادية، على أهميتها، ولا في البنية التحتية، على ضرورتها، بل تبدأ من بناء المواطن القادر على التفكير، والعمل، والتعاون، وتحمل المسؤولية. ومبادرة «حقّق» تذهب إلى هذا الجوهر، لأنها تعمل في عمق الشخصية الأردنية الشابة، وتستنهض فيها قيم الانتماء والإنجاز والخدمة.
ولعل أجمل ما في «حقّق» أنها تقول للشباب الأردني بلغة عملية واضحة: إن الوطن ينتظركم، وإن المستقبل لا يُمنح لمن يقف على الهامش، بل يصنعه الذين يبادرون، ويتعلمون، ويخدمون، ويؤمنون بأن لكل واحد منهم دوراً في رفعة الأردن. ومن هنا، فإن دعم هذه المبادرة، وتوسيع أثرها، وتعزيز حضورها في المدارس والمجتمعات المحلية، ليس دعماً لبرنامج شبابي فحسب، بل هو دعم لفكرة الدولة التي تراهن على أبنائها وبناتها، وتثق بأنهم الثروة الحقيقية التي لا تنضب.
ولا يقتصر أثر مبادرة «حقّق» على المرحلة المدرسية وحدها، بل يمكن أن يمتد بصورة أعمق إلى طلبة الجامعات، بوصفهم الفئة الأقرب إلى الانتقال من التعلّم إلى الفعل العام. فالطالب الجامعي يستطيع أن يستفيد من هذه المبادرة عبر تحويل ما اكتسبه في المدرسة من قيم القيادة والعمل التطوعي وروح الفريق إلى مشاريع جامعية عملية، سواء من خلال الأندية الطلابية، أو فرق الخدمة المجتمعية، أو المساقات التي تتصل بالتنمية والعمل الميداني، أو المبادرات الريادية ذات الأثر المحلي.
ويمكن لطلبة الجامعات أن يكونوا حلقة وصل مؤثرة بين المبادرة والمجتمع، من خلال التطوع في تدريب طلبة المدارس، ومرافقة الفرق المشاركة، وتصميم حملات توعوية رقمية، وتوثيق قصص النجاح، وإجراء دراسات ميدانية تقيس أثر الأعمال التطوعية في المجتمعات المحلية. وبهذا لا يبقى الطالب الجامعي مستفيداً من التجربة فحسب، بل يصبح شريكاً في توسيعها ونقل خبرتها إلى بيئات شبابية أوسع.
أما تطوير المبادرة فيمكن أن يتم عبر إنشاء مسار جامعي مكمّل لـ«حقّق»، يقوم على إعداد سفراء جامعيين للمبادرة، وربط العمل التطوعي بمشاريع تخرج أو ساعات خدمة مجتمعية، وفتح المجال أمام الطلبة لابتكار حلول لقضايا محلية في التعليم والبيئة والصحة والثقافة الرقمية. كما يمكن للجامعات أن تسهم في بناء أدوات لقياس الأثر، وتدريب المشرفين، وتطوير منصات إلكترونية تعرض الفرص التطوعية وتربط المدارس بالجامعات والمجتمعات المحلية.
ومن شأن هذا الامتداد الجامعي أن يمنح «حقّق» بعداً أكثر استدامة، لأنه يحافظ على أثر المبادرة بعد مغادرة الطالب مقاعد المدرسة، ويحوّلها إلى مسار متصل يبدأ بالتنشئة المدرسية، ثم ينضج في الجامعة، ثم ينعكس في سوق العمل والحياة العامة. وبذلك تصبح المبادرة رافعة وطنية متكاملة لإعداد شباب يمتلكون الوعي والمهارة والرغبة الصادقة في خدمة الأردن.
ختاماً، يمكن القول إن مبادرة «حقّق» تمثّل نموذجاً أردنياً رصيناً في تمكين الشباب، لأنها تجمع بين الرؤية الوطنية، والشراكة المؤسسية، والبناء التربوي، والخدمة المجتمعية. وهي، في جوهرها، دعوة إلى أن يتحول الشباب من متلقين للفرص إلى صانعين لها، ومن مراقبين للمشهد إلى مشاركين في بنائه. وحين يتحقق ذلك، فإن المبادرة تكون قد أدّت رسالتها الأعمق: أن تساعد جيلاً كاملاً على أن يحقّق ذاته، ويخدم وطنه، ويشارك بثقة في صناعة مستقبل الأردن.
ملاحظة تحريرية: استندت المعلومات التعريفية والأرقام الواردة في المقالة إلى التعريف الرسمي بمبادرة «حقّق» وإلى بيان مؤسسة ولي العهد حول إنجازات المبادرة لعام 2023.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :