الوسائل الإلكترونية .. تسريع إجراءات التقاضي


عمانيات - يمضي قطاع العدالة نحو توسيع استخدام الوسائل الإلكترونية في إجراءات التقاضي المدني، مع إقرار مجلس الوزراء الأحد الماضي للنظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية لسنة 2026، والذي يتجه إلى تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية، والتوسع في التبليغ والتقاضي الإلكتروني، وصولا إلى عقد جلسات المحاكمة واتخاذ إجراءات الدعوى عن بُعد.

ويرى قانونيون أن من شأن تطبيق النظام أن يقلل بصورة أكبر من الإجراءات الورقية التي تتم داخل المحاكم، في خطوة تعزز الانتقال من الاستخدام الجزئي للتكنولوجيا في بعض الإجراءات إلى منظومة قضائية تعتمد بصورة أوسع على الأدوات الرقمية.

اختصار الوقت
في هذا الصدد، يرى المحامي أحمد البطمة أن التعديلات التي تضمنها النظام الجديد مهمة، ومن شأنها أن تسهم في تسريع عملية التقاضي، خصوصا في ظل الأعداد الكبيرة من القضايا المنظورة أمام المحاكم.

وأشار إلى أن الاستغناء عن المعاملات الورقية يصب في مصلحة المواطنين والمحامين على حد سواء، لافتا إلى أن التوسع في الإيداع الإلكتروني وعقد الجلسات إلكترونيا يمكن أن يختصر الوقت والإجراءات، ولا سيما أن حضور أطراف الدعوى إلى المحكمة لن يكون ضروريا في جميع الحالات.

وكان وزير العدل الدكتور بسام التلهوني أكد أن التعديلات تأتي انسجاما مع توجهات الدولة في تحديث الإدارة العامة وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، من خلال توفير إطار قانوني أكثر مرونة لاستخدام الوسائل الإلكترونية في مختلف مراحل التقاضي، مع الحفاظ على الضمانات القانونية والحقوق الإجرائية لأطراف الدعوى.

وأوضح التلهوني أن من أبرز التعديلات استحداث "البريد الرقمي" باعتباره وسيلة جديدة ومعتمدة ضمن الوسائل الإلكترونية المستخدمة في الإجراءات القضائية، بحيث ينشأ للشخص عنوان رقمي يرتبط بهويته الرقمية، ويُعتمد في استلام التبليغات والإشعارات الإلكترونية ومرفقاتها وفقا للتشريعات النافذة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة، بحسب التلهوني، في الانتقال من استخدام عدد من الوسائل الإلكترونية المنفصلة إلى عنوان رقمي رسمي يرتبط بالهوية الرقمية للشخص، الأمر الذي يوفر إطارا أكثر تنظيما وموثوقية لإجراءات التبليغ القضائي الإلكتروني.

كما يعتمد النظام البريد الرقمي وسيلة للتبليغ القضائي إلى جانب الوسائل الإلكترونية الأخرى، بما يسمح باستخدامه لإيصال التبليغات والإشعارات ومرفقاتها، ويسهم في تقليل الوقت والجهد وتسهيل وصول أطراف الدعوى إلى المعلومات والوثائق المرتبطة بقضاياهم.

الأثر القانوني للتبليغ
ويمتد التعديل إلى تنظيم الأثر القانوني للتبليغ الإلكتروني، بالاستناد إلى السجلات والبيانات الإلكترونية المستخرجة من الأنظمة المعتمدة، بما يوفر أساسا إلكترونيا يمكن من خلاله إثبات وقوع التبليغ والتحقق منه.

ويتوسع النظام كذلك في الوسائل الإلكترونية التي يمكن استخدامها في الإجراءات القضائية، لتشمل الربط البيني مع قواعد بيانات الجهات الرسمية والمنصات الحكومية الرقمية، إلى جانب وسائل الاتصال المرئي والمسموع وأي وسائل إلكترونية أخرى تعتمدها وزارة العدل وفق التشريعات النافذة.

وفي جانب آخر، ينظم النظام عقد جلسات المحاكمة باستخدام الوسائل الإلكترونية، من خلال وضع ضوابط للتحقق من هوية الأشخاص وسلامة الإجراءات، بما يضمن حسن سير المحاكمة ويحافظ على الحقوق والضمانات الإجرائية لأطراف الدعوى.

كما يعزز النظام الحجية القانونية للبيانات والسجلات والمستندات الإلكترونية المستخرجة من الأنظمة المعتمدة لدى وزارة العدل، متى أمكن التحقق من سلامتها وصحتها، بالتوازي مع إلغاء اشتراط تقديم الأصول الورقية للأوراق التي سبق تقديمها إلكترونيا.

وفي مجال حماية البيانات، تؤكد التعديلات ضرورة الحفاظ على أمن المعلومات وسريتها وفق التشريعات النافذة، كما جرى تطوير الإطار المؤسسي المشرف على تطبيق النظام من خلال تحديث تشكيل اللجنة المختصة وإشراك وحدة الأمن السيبراني في أعمالها.

التقاضي الإلكتروني
ويكشف النظام المعدل لسنة 2026، مقارنة بنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم (95) لسنة 2018، عن توسع واضح في نطاق استخدام التكنولوجيا داخل المحاكم. ففي حين وضع نظام 2018 الأساس لاستخدام الوسائل الإلكترونية في تسجيل الدعاوى والطلبات ودفع الرسوم وإجراء التبليغات وتبادل اللوائح والمذكرات وسائر الأوراق والمخاطبات إلكترونيا، إلى جانب تنظيم الحساب الإلكتروني للمحامي، فإن النظام الجديد يتجه إلى ربط عدد أكبر من مراحل التقاضي ضمن بيئة رقمية واحدة.

ويظهر ذلك بصورة خاصة في اعتماد الهوية والبريد الرقميين، والربط البيني مع قواعد البيانات الرسمية، والتوسع في عقد الجلسات إلكترونيا، والتحقق رقميا من هوية أطراف الدعوى والوثائق المقدمة فيها.

وفي الوقت الذي يمكن لهذا التوسع أن يسهم في تسريع الإجراءات وتوفير الوقت والجهد على المتقاضين والمحامين والمحاكم، فإنه يضع في المقابل عددا من المسائل أمام التطبيق، تتعلق بمدى جاهزية المحاكم من الناحيتين التقنية والإدارية، والضمانات المرتبطة بالمحاكمات التي تتم عن بُعد، ومدى الحفاظ على التفاعل المباشر بين القاضي والمحامي والشاهد.

ويُعد استحداث مفهوم "البريد الرقمي" أحد أبرز التحولات التي يتضمنها النظام الجديد، إذ يُعرّف باعتباره عنوانا رقميا ينشأ للشخص ويرتبط بهويته الرقمية، ويُعتمد لاستلام التبليغات والإشعارات الإلكترونية ومرفقاتها.

ويختلف ذلك عن البريد الإلكتروني المستخدم في النظام السابق، إذ يرتبط البريد الرقمي مباشرة بالهوية الرقمية للشخص، بدلا من الاعتماد فقط على عنوان بريد إلكتروني يقدمه المستخدم.

ويمتد التوسع الإلكتروني كذلك إلى الربط البيني مع قواعد البيانات والأنظمة الإلكترونية لدى الجهات الرسمية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، بما يسمح بالتحقق من صحة البيانات والوثائق أو تبادلها إلكترونيا.

كما يتيح النظام الاعتماد على التطبيقات والمنصات الرقمية الحكومية المعتمدة، أو أي أنظمة إلكترونية بديلة تعتمدها وزارة العدل، إضافة إلى وسائل الاتصال المرئي والمسموع.

أدوات التحقق
وكان عضو مجلس نقابة المحامين وليد العدوان قد أكد في وقت سابق لـ"الغد" أن التعديلات توسع إمكانية استفادة القاضي من الربط الإلكتروني مع قواعد البيانات لدى الجهات المختلفة، بحيث يجري الربط من خلال وزارة العدل والمجلس القضائي مع الجهات ذات العلاقة، بما يمكّن القاضي من التحقق مباشرة من صحة الوثائق والبيانات المقدمة أمام المحكمة.

وأوضح أن هذا الربط يسمح بالتأكد من صحة الوثيقة بصورة مباشرة، وفي حال ظهور معلومات أو وثائق غير دقيقة أو غير صحيحة، يمكن التحقق منها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

ويرى العدوان أن هذا الجانب يمثل إحدى إيجابيات استخدام التكنولوجيا في القضاء، إذ يضع أمام المحكمة أدوات إضافية للتحقق من المعلومات والوثائق، ويسهم في تسريع الوصول إلى البيانات المطلوبة.

توسع التقاضي عن بُعد
ويشكل توسيع نطاق استخدام وسائل الاتصال المرئي والمسموع أحد أهم جوانب النظام الجديد، إذ كان نظام 2018 ينظم استخدامها بصورة أساسية في سماع الشهود عن بُعد في حال إقامة الشاهد خارج اختصاص المحكمة أو تعذر حضوره إليها لأي سبب.

أما النظام الجديد فيوسع هذا الاستخدام ليشمل عقد جلسات المحاكمة واتخاذ أي إجراء من إجراءات الدعوى، بحيث يجوز للمحكمة، من تلقاء ذاتها أو بناء على طلب أحد أطراف الدعوى، استخدام الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة المعتمدة من وزارة العدل.

كما يمنح الجلسات والإجراءات التي تتم بهذه الوسائل الأثر القانوني ذاته المترتب على الحضور الوجاهي، مع إلزام المحكمة بالتحقق من هوية ذوي العلاقة وسلامة إرادتهم وفاعلية الوسائل الإلكترونية المستخدمة أثناء الجلسة.

ضمانات الجلسات الإلكترونية
وفي مقابل هذا التوسع، يتضمن النظام مجموعة من الضمانات التي يتعين على المحكمة مراعاتها عند استخدام وسائل الاتصال المرئي والمسموع، ومن بينها التثبت من شخصية ذوي العلاقة من خلال الهوية الرقمية.

كما يمكن التحقق من الهوية عبر طلب إبراز وثيقة الهوية أثناء الجلسة، واستخدام الربط البيني الحكومي للتأكد من مطابقة صورة الشخص مع البيانات الموجودة لديه.

ويلزم النظام المحكمة أيضا بالتأكد من عدم وجود مؤثرات على إرادة الشخص المعني، ومن فاعلية الوسائل الإلكترونية التي تمكّن المحكمة من مشاهدة المكان الموجود فيه وسماعه بوضوح، إلى جانب تدوين وسائل التحقق الإلكتروني التي جرى استخدامها في محضر الجلسة الإلكتروني.

ولا يقتصر التحول على الجلسات والتبليغات، وإنما يمتد إلى طريقة التعامل مع المستندات والسجلات القضائية نفسها.
ففي ظل نظام 2018، كان على أطراف الدعوى تقديم أصل الأوراق التي جرى إيداعها إلكترونيا إلى المحكمة في أول جلسة تلي الإجراء الذي تم إلكترونيا، تحت طائلة بطلان ذلك الإجراء.

أما النظام الجديد فيلغي هذا الالتزام، بالتوازي مع منح البيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل الحجية القانونية ذاتها المقررة للمحررات الخطية، شريطة إمكانية التحقق من سلامتها وصحتها.

أمن وسرية البيانات
ومع زيادة حجم البيانات والمستندات التي سيجري التعامل معها إلكترونيا، يخصص النظام جانبا لأمن المعلومات وسريتها، وفق التشريعات النافذة.

كما يضيف "وحدة الأمن السيبراني" إلى الجهات الممثلة في اللجنة المعنية بمتابعة تطبيق النظام، في خطوة تعكس أهمية حماية الأنظمة والبيانات القضائية بالتوازي مع التوسع في رقمنة إجراءات التقاضي.

وبصورة عامة، ينقل النظام المعدل لسنة 2026 استخدام التكنولوجيا في إجراءات التقاضي المدني إلى مساحة أوسع مقارنة بنظام 2018؛ فمن تسجيل الدعاوى والتبليغات وتبادل الأوراق إلكترونيا، يتجه النظام الجديد نحو ربط مراحل متعددة من إجراءات الدعوى ضمن بيئة رقمية تشمل البريد والهوية الرقميين، والربط البيني للتحقق من البيانات والوثائق، والجلسات عن بُعد، ومنح المستندات والسجلات الإلكترونية الحجية القانونية.

ويبقى الاختبار الأهم في مرحلة التطبيق، ومدى قدرة هذا التوسع على تحقيق الغاية منه في تسريع إجراءات التقاضي وتخفيف الوقت والجهد والكلفة، بالتوازي مع الحفاظ على الضمانات القانونية للمحاكمة، وسلامة الإجراءات، وسرية البيانات، وعدم فقدان التفاعل المباشر في القضايا التي تقتضي طبيعتها ذلك.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :