تذكر طفولته المسلوبة وسنوات عمره الأولى المصلوبة على خشب الرجاء بأن يكبر سريعاً. «غداً يكبر ويعمل ويساعدني» جملة أبيه التي خلع طفولته وارتداها. اضطر ان يكبر سريعا. لم يشارك اترابه اللعب بالكرة في الحارة، وأية كرة؟! كانوا يسمونها طابة شرايط. والشرايط ما يتبقى من القميص او الفستان أو البنطلون، تلك التي كانت وكالة الغوث توزعها على أهل المخيم ممن يتصدق به العالم عبر الوكالة الدولية كتعويض عن بلدهم وبياراتهم وبيوتهم و.. بحرهم.
تتوقف سيارة في وسط المخيم تحمل ماكينة كبيرة تفرم تلك الملابس لتخرج ما يشبه الصوف. تعبئه الأمهات في قماش يخيطنه بأحجام مختلفة منها الفرشات والمخدات والجنبيات واللحف.
كانت النكبة طازجة والناس لا تعرف ما جرى وما سيجري.
«الكرم» الدولي على اللاجئين كان يسبق الشتاء بشهر. وكان يوم توزيع «البُقج» السنوي عيداً في المخيم. يصطف اللاجئون منذ الصباح ليتسلم كل رب عائلة بقجته ملفوفة بمعطف كبير بداخلها «انت وحظك»، كنزة صوف وفستان شتوي بنطلون وملابس أطفال، حذاء. يجري كل الى خيمته ليفتح البقجة التي تفوح منها رائحة الفونيك المطهر على بعد أمتار حتى يخيل اليك انها أمطرت «فونيك» على كل المخيم.
تلتم العائلة ويبدا الأب بفرز «الهدية الأممية»: هذا الفستنان لك يا فاطمة. لكنه «مشخلع» يا أبي وأنا لا أرتدي الا الكم الطويل. تقول فاطمة والأب يدعي أنه لم يسمع. ويكمل: هذه الكندرة «الحذاء» لك يا أمينة. يا ابي هذه كعب عالي وانا يا دوب البس شبشب زحف. ايضاً كأنه لم يسمع. هذا الجاكيت لك يا حسن. لكنه.. لا يدعه يكمل ويواصل الفرز: هذا روب صوف ربما كانت صاحبته ثرية يا صبحية، انه بلون بدلة عرسنا، هل تذكرين تلك البدلة، تقول زوجته بخجل حميم. لكن كيف ألبس روب في خيمة يا محمد؟ عندما لبست بدلة عرسنا كان بيتنا يطل على البحر. لا تذكريني يا صبحية، لقد أغرقونا في المجهول.
في الصباح يبدو المخيم كحلقة سيرك. ألوان غير متناسقة، مقاسات متنافرة، طفل محشو في تبان كقطعة حلوى ذائبة في ورقها، امرأة مكتنزة في فستان مغنية أوبرا، شاب في معطف نسائي. رجل مقهور يرتدي ما تيسر. لكن الكل كان فرحاً. كيف لا وقد قالوا لهم: لا تأخذوا شيئاً معكم. سنعيدكم الى بيوتكم خلال أسبوع. حملوا ما يسد حاجتهم لأسبوع، بابور، طنجرة، ابريق شاي، كبايات، ما عليهم من ملابس وما نتشته الام مما طالته يدها وهي تركض فيما الزوج يصيح: يللا يا مرة، اليهود بيطخوا عالناس، المهم مفتاح البيت معي. كلها كم يوم وراجعين.
كان يحكي حكايته لغريبة في الغربة وهو غريب.
قالت له في أول جلسة بينهما فيما كانت عيونهما تتبللان بدموع حزن مالحة ورأسها ملقى على كتفه من ثقل ما سمعت.
«يااااا ألله.. كيف وصلت الى ما وصلت اليه من علم وثقافة ومكانة وشهادات جامعية. كيف تعلمت قيم التسامح وجماليات الحياة في وجه القبح البشع؟!.
قال لها: القصة طويلة سأحدثك عنها لاحقاً. دعينا الآن نصنع حاضراً جميلاً ليكون لنا ماضياً أجمل.
* من رواية قادمة
الدستور
تتوقف سيارة في وسط المخيم تحمل ماكينة كبيرة تفرم تلك الملابس لتخرج ما يشبه الصوف. تعبئه الأمهات في قماش يخيطنه بأحجام مختلفة منها الفرشات والمخدات والجنبيات واللحف.
كانت النكبة طازجة والناس لا تعرف ما جرى وما سيجري.
«الكرم» الدولي على اللاجئين كان يسبق الشتاء بشهر. وكان يوم توزيع «البُقج» السنوي عيداً في المخيم. يصطف اللاجئون منذ الصباح ليتسلم كل رب عائلة بقجته ملفوفة بمعطف كبير بداخلها «انت وحظك»، كنزة صوف وفستان شتوي بنطلون وملابس أطفال، حذاء. يجري كل الى خيمته ليفتح البقجة التي تفوح منها رائحة الفونيك المطهر على بعد أمتار حتى يخيل اليك انها أمطرت «فونيك» على كل المخيم.
تلتم العائلة ويبدا الأب بفرز «الهدية الأممية»: هذا الفستنان لك يا فاطمة. لكنه «مشخلع» يا أبي وأنا لا أرتدي الا الكم الطويل. تقول فاطمة والأب يدعي أنه لم يسمع. ويكمل: هذه الكندرة «الحذاء» لك يا أمينة. يا ابي هذه كعب عالي وانا يا دوب البس شبشب زحف. ايضاً كأنه لم يسمع. هذا الجاكيت لك يا حسن. لكنه.. لا يدعه يكمل ويواصل الفرز: هذا روب صوف ربما كانت صاحبته ثرية يا صبحية، انه بلون بدلة عرسنا، هل تذكرين تلك البدلة، تقول زوجته بخجل حميم. لكن كيف ألبس روب في خيمة يا محمد؟ عندما لبست بدلة عرسنا كان بيتنا يطل على البحر. لا تذكريني يا صبحية، لقد أغرقونا في المجهول.
في الصباح يبدو المخيم كحلقة سيرك. ألوان غير متناسقة، مقاسات متنافرة، طفل محشو في تبان كقطعة حلوى ذائبة في ورقها، امرأة مكتنزة في فستان مغنية أوبرا، شاب في معطف نسائي. رجل مقهور يرتدي ما تيسر. لكن الكل كان فرحاً. كيف لا وقد قالوا لهم: لا تأخذوا شيئاً معكم. سنعيدكم الى بيوتكم خلال أسبوع. حملوا ما يسد حاجتهم لأسبوع، بابور، طنجرة، ابريق شاي، كبايات، ما عليهم من ملابس وما نتشته الام مما طالته يدها وهي تركض فيما الزوج يصيح: يللا يا مرة، اليهود بيطخوا عالناس، المهم مفتاح البيت معي. كلها كم يوم وراجعين.
كان يحكي حكايته لغريبة في الغربة وهو غريب.
قالت له في أول جلسة بينهما فيما كانت عيونهما تتبللان بدموع حزن مالحة ورأسها ملقى على كتفه من ثقل ما سمعت.
«يااااا ألله.. كيف وصلت الى ما وصلت اليه من علم وثقافة ومكانة وشهادات جامعية. كيف تعلمت قيم التسامح وجماليات الحياة في وجه القبح البشع؟!.
قال لها: القصة طويلة سأحدثك عنها لاحقاً. دعينا الآن نصنع حاضراً جميلاً ليكون لنا ماضياً أجمل.
* من رواية قادمة
الدستور
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...