كيف نتناسى "الكارما" ونتصالح مع فكرة "التخلي"؟
عمانيات - حين يخطئ شخص ما في حقنا، قد نبقى عالقين طويلاً في أثر ما حدث، ننتظر أن تنصفنا الحياة وأن تلتفت "الكارما" يوماً إلى من تسبب في ألمنا. لكن ماذا لو لم يكن شفاؤنا مرتبطاً بما سيحدث للشخص الذي آذانا؟ وماذا نفعل بالغضب الذي يتراكم داخلنا، وكيف نتجاوز ما حدث من دون أن نكمل حياتنا بانتظار العدالة التي نريدها؟ والأهم، كيف نبدأ حياة أكثر سكينة، يكون عنوانها التعافي من جراحنا لا انتظار أن ترد لنا "الكارما" اعتبارنا بطريقة ما؟
الكارما والتخلي
تأتي كلمة "كارما" من الكلمة السنسكريتية "كارمان"، التي تعني حرفياً "الفعل"، لكن هذا المعنى وحده لا يصل لمفهومها كاملاً؛ فالـ"كارما" لا تشير فقط إلى علاقة بين فعل ونتيجة، إذ تُفهم في بعض التقاليد الروحية بوصفها قوة خفية تحتفظ بأثر أفعالنا ونوايانا الماضية، وتنعكس على واقعنا وحياتنا في الحاضر. وبمعنى أبسط، يمكن النظر إليها باعتبارها عودة طبيعية لما نفعله، وهو ما تختصره الحكمة الشعبية: "من يزرع الريح يحصد العاصفة".
في اللغة الفرنسية، يوجد تعبير"lâcher-prise"، ويُترجم عادةً بـ"التخلي"، ويعني ذلك الاعتراف بالأذى الذي تركه ما حدث، ثم التحرر من التعلق به ومن انتظار نتيجة بعينها نراها عادلة أو مستحقة، وبكلمات أخرى: التخلي عمًا لا نستطيع تغييره.
وفي سياق "التخلي" هنا، علينا تقبل أن هناك أشياء حدثت، ولم يعد بإمكاننا تغييرها مهما أعدنا التفكير فيها أو تمنينا لو سارت الأمور على نحو مختلف، فبدلا من أن نبقى عالقين في سؤال: "متى سيُردّ لي حقي؟"، نبدأ بالسؤال: "ما الذي أستطيع أن أفعله الآن؟ وما الذي ما يزال في يدي؟"، عندها فقط، سيكون التحرر الحقيقي في ألا نعلق حياتنا على لحظة عدالة قد تأتي، وقد لا تأتي بالطريقة التي تخيلناها.
كيف نتناسى "الكارما" وندع العدالة تأخذ مجراها؟
يولد الإنسان وفي داخله رغبة في السيطرة على تفاصيل حياته. وعندما يحدث ما لم يكن وفق إرادته، قد يعود إلى الموقف مراراً في ذهنه ليسأل نفسه: كيف كان ينبغي أن أتصرف؟ لماذا لم أقل ذلك؟ وكيف استطاع أن يفعل بي ما فعل؟
كما تشير أبحاث في علم النفس، إلى أن الندم لا يرتبط فقط بما فعلناه، فكثيراً ما يرتبط أيضاً بما لم نفعله.
ووجدت دراسات أن الإنسان قد يحمل ندماً أكبر تجاه مواقف لم يتحدث فيها أو لم يتصرف فيها بالطريقة التي كان يتمنى أن يتصرف بها، خصوصاً بعد تجربة سلبية.
وفي سياق متصل، أجرت الباحثتان في علم النفس الثقافي نامراتا جويال وجوان جي. ميلر، بحثاً لمفهوم "الكارما" وعلاقته بطريقة تعامل الناس مع الأذى، خصوصاً بين الرغبة بالانتقام وترك الأمور للأيام كي تأخذ مجراها.
ووجدت الدراسة التي تطوع فيها 1114 مشاركاً، أن الإيمان بأن الشخص المؤذي سيواجه عواقب أفعاله قد يرتبط بتراجع الرغبة في الانتقام؛ إذ يرى البعض أن العدالة ستتكفل بالأمر في النهاية.
ورغم صعوبة مطالبة من تعرّض للإساءة بتجاوز الماضي والتركيز على مستقبله، فإن الاقتناع بهذه الأفكار وتبنّيها قد يساعده على التعافي بصورة أسرع.
الاعتراف بالأذى
الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بأن ما حدث كان مؤذياً بالفعل. ومن الطبيعي أن نشعر بالغضب والحزن، وربما بالرغبة في الانتقام أيضاً، ثم نمنح أنفسنا فرصة لتجاوز هذا الألم حتى يبقى الماضي في مكانه، بدلاً من أن يمتد إلى حاضرنا ويعيد نفسه كل يوم.
الفصل بين تقبّل ما حدث وتبريره
تقبّل ما حدث يقوم على الاعتراف بحقيقته كما هي، من دون تبرير أو استسلام. كأن تقول لنفسك: "ما حصل كان ظلماً لي، وسأحتفظ بالدرس الذي خرجت به منه"، وفي الوقت نفسه: "سأمضي في حياتي من دون أن أترك لما حدث سلطة دائمة عليها".
التوقف عن انتظار الاعتذار
من أكثر الأمور التي تبقينا مرتبطين بالماضي انتظار اعتذار من الشخص الذي أساء إلينا. قد نقول لأنفسنا: "لن أرتاح حتى يعتذر"، أو "أريده أن يندم على ما فعله"، لكن الحقيقة أنه مهما كان حقنا واضحاً، لن نحصل دائماً على اعتراف الطرف الآخر بذنبه.
وقد يكون جزء من التعافي هو اليقين بأن راحتنا لا ينبغي أن تبقى معلقة على تصرف شخص آخر. فقد يأتي اعتذاره، وقد لا يأتي، وقد نشهد ندمه، وقد لا نراه أبداً. وما نستطيع التحكم فيه هو ما إذا كنا سنواصل انتظار ذلك اليوم، أم سنمنح أنفسنا الحق في المضي قدماً من دونه.
لا تنتظر "الكارما"
عندما يؤذينا شخص ما، من الطبيعي أن نفكر: "سيأتي يوم وينال جزاء ما فعله". وقد نجد أنفسنا نراقب أخباره أو نسأل عنه، بدافع الرغبة في معرفة إن كان قد نال بالفعل ما يستحقه، حتى بعد خروجه من حياتنا.
لكننا بهذه الطريقة، وبشكل غير مباشر، نُبقي راحتنا مرتبطة بحياة شخص آخر، مع أن التحرر الحقيقي يعني الوصول إلى مرحلة نستطيع فيها القول: "حتى لو لم أعرف أبداً ما الذي حدث لهذا الشخص، أريد أن أمضي في حياتي".
وتظهر فكرة التخلي عن الانتقام بوضوح في بعض الكتابات النفسية حول المسامحة؛ إذ يعني الإقرار بالتعرض للأذى والظلم، مع اختيار الشخص المتضرر أن يمضي في حياته من دون أن يجعل ما فعله الطرف الآخر محوراً دائماً لها.
ركز بحياتك مجدداً
الفكرة هنا هي أن ينتقل التركيز من الشخص الذي تسبب في الألم إلى الشخص الذي يحتاج إلى التعافي منه: أنت!
وقد يبدأ ذلك بخطوات بسيطة كأن تعود إلى روتينك اليومي، وتهتم بعلاقاتك، وتمارس الهوايات التي تحبها، وتخرج من عزلتك، وتكتب ما تشعر به، أو أن تمنح نفسك الوقت الكافي للتعافي من دون أن تضغط عليها كي تنسى بسرعة.
صغ حكاية أخرى لما حدث
تكمن المشكلة فيما حدث، وفي القصة التي نستمر في تكرارها لأنفسنا.
في كل مرة نقول فيها: "لقد دمرني"، أو "لماذا فعل بي ذلك؟"، قد نجد أنفسنا نعيش اللحظة نفسها من جديد.
لذا، يمكن أن تصبح القصة: "لقد تأذيت، وتعلمت من التجربة، وعرفت حدودي، وفهمت أموراً عن نفسي وعن الآخرين، والآن أحاول أن أمضي قدماً". بمعنى آخر، ستظل التجربة جزءا من قصتنا، لكنها لا يجب أن تكون القصة بأكملها.
الغد
الكارما والتخلي
تأتي كلمة "كارما" من الكلمة السنسكريتية "كارمان"، التي تعني حرفياً "الفعل"، لكن هذا المعنى وحده لا يصل لمفهومها كاملاً؛ فالـ"كارما" لا تشير فقط إلى علاقة بين فعل ونتيجة، إذ تُفهم في بعض التقاليد الروحية بوصفها قوة خفية تحتفظ بأثر أفعالنا ونوايانا الماضية، وتنعكس على واقعنا وحياتنا في الحاضر. وبمعنى أبسط، يمكن النظر إليها باعتبارها عودة طبيعية لما نفعله، وهو ما تختصره الحكمة الشعبية: "من يزرع الريح يحصد العاصفة".
في اللغة الفرنسية، يوجد تعبير"lâcher-prise"، ويُترجم عادةً بـ"التخلي"، ويعني ذلك الاعتراف بالأذى الذي تركه ما حدث، ثم التحرر من التعلق به ومن انتظار نتيجة بعينها نراها عادلة أو مستحقة، وبكلمات أخرى: التخلي عمًا لا نستطيع تغييره.
وفي سياق "التخلي" هنا، علينا تقبل أن هناك أشياء حدثت، ولم يعد بإمكاننا تغييرها مهما أعدنا التفكير فيها أو تمنينا لو سارت الأمور على نحو مختلف، فبدلا من أن نبقى عالقين في سؤال: "متى سيُردّ لي حقي؟"، نبدأ بالسؤال: "ما الذي أستطيع أن أفعله الآن؟ وما الذي ما يزال في يدي؟"، عندها فقط، سيكون التحرر الحقيقي في ألا نعلق حياتنا على لحظة عدالة قد تأتي، وقد لا تأتي بالطريقة التي تخيلناها.
كيف نتناسى "الكارما" وندع العدالة تأخذ مجراها؟
يولد الإنسان وفي داخله رغبة في السيطرة على تفاصيل حياته. وعندما يحدث ما لم يكن وفق إرادته، قد يعود إلى الموقف مراراً في ذهنه ليسأل نفسه: كيف كان ينبغي أن أتصرف؟ لماذا لم أقل ذلك؟ وكيف استطاع أن يفعل بي ما فعل؟
كما تشير أبحاث في علم النفس، إلى أن الندم لا يرتبط فقط بما فعلناه، فكثيراً ما يرتبط أيضاً بما لم نفعله.
ووجدت دراسات أن الإنسان قد يحمل ندماً أكبر تجاه مواقف لم يتحدث فيها أو لم يتصرف فيها بالطريقة التي كان يتمنى أن يتصرف بها، خصوصاً بعد تجربة سلبية.
وفي سياق متصل، أجرت الباحثتان في علم النفس الثقافي نامراتا جويال وجوان جي. ميلر، بحثاً لمفهوم "الكارما" وعلاقته بطريقة تعامل الناس مع الأذى، خصوصاً بين الرغبة بالانتقام وترك الأمور للأيام كي تأخذ مجراها.
ووجدت الدراسة التي تطوع فيها 1114 مشاركاً، أن الإيمان بأن الشخص المؤذي سيواجه عواقب أفعاله قد يرتبط بتراجع الرغبة في الانتقام؛ إذ يرى البعض أن العدالة ستتكفل بالأمر في النهاية.
ورغم صعوبة مطالبة من تعرّض للإساءة بتجاوز الماضي والتركيز على مستقبله، فإن الاقتناع بهذه الأفكار وتبنّيها قد يساعده على التعافي بصورة أسرع.
الاعتراف بالأذى
الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بأن ما حدث كان مؤذياً بالفعل. ومن الطبيعي أن نشعر بالغضب والحزن، وربما بالرغبة في الانتقام أيضاً، ثم نمنح أنفسنا فرصة لتجاوز هذا الألم حتى يبقى الماضي في مكانه، بدلاً من أن يمتد إلى حاضرنا ويعيد نفسه كل يوم.
الفصل بين تقبّل ما حدث وتبريره
تقبّل ما حدث يقوم على الاعتراف بحقيقته كما هي، من دون تبرير أو استسلام. كأن تقول لنفسك: "ما حصل كان ظلماً لي، وسأحتفظ بالدرس الذي خرجت به منه"، وفي الوقت نفسه: "سأمضي في حياتي من دون أن أترك لما حدث سلطة دائمة عليها".
التوقف عن انتظار الاعتذار
من أكثر الأمور التي تبقينا مرتبطين بالماضي انتظار اعتذار من الشخص الذي أساء إلينا. قد نقول لأنفسنا: "لن أرتاح حتى يعتذر"، أو "أريده أن يندم على ما فعله"، لكن الحقيقة أنه مهما كان حقنا واضحاً، لن نحصل دائماً على اعتراف الطرف الآخر بذنبه.
وقد يكون جزء من التعافي هو اليقين بأن راحتنا لا ينبغي أن تبقى معلقة على تصرف شخص آخر. فقد يأتي اعتذاره، وقد لا يأتي، وقد نشهد ندمه، وقد لا نراه أبداً. وما نستطيع التحكم فيه هو ما إذا كنا سنواصل انتظار ذلك اليوم، أم سنمنح أنفسنا الحق في المضي قدماً من دونه.
لا تنتظر "الكارما"
عندما يؤذينا شخص ما، من الطبيعي أن نفكر: "سيأتي يوم وينال جزاء ما فعله". وقد نجد أنفسنا نراقب أخباره أو نسأل عنه، بدافع الرغبة في معرفة إن كان قد نال بالفعل ما يستحقه، حتى بعد خروجه من حياتنا.
لكننا بهذه الطريقة، وبشكل غير مباشر، نُبقي راحتنا مرتبطة بحياة شخص آخر، مع أن التحرر الحقيقي يعني الوصول إلى مرحلة نستطيع فيها القول: "حتى لو لم أعرف أبداً ما الذي حدث لهذا الشخص، أريد أن أمضي في حياتي".
وتظهر فكرة التخلي عن الانتقام بوضوح في بعض الكتابات النفسية حول المسامحة؛ إذ يعني الإقرار بالتعرض للأذى والظلم، مع اختيار الشخص المتضرر أن يمضي في حياته من دون أن يجعل ما فعله الطرف الآخر محوراً دائماً لها.
ركز بحياتك مجدداً
الفكرة هنا هي أن ينتقل التركيز من الشخص الذي تسبب في الألم إلى الشخص الذي يحتاج إلى التعافي منه: أنت!
وقد يبدأ ذلك بخطوات بسيطة كأن تعود إلى روتينك اليومي، وتهتم بعلاقاتك، وتمارس الهوايات التي تحبها، وتخرج من عزلتك، وتكتب ما تشعر به، أو أن تمنح نفسك الوقت الكافي للتعافي من دون أن تضغط عليها كي تنسى بسرعة.
صغ حكاية أخرى لما حدث
تكمن المشكلة فيما حدث، وفي القصة التي نستمر في تكرارها لأنفسنا.
في كل مرة نقول فيها: "لقد دمرني"، أو "لماذا فعل بي ذلك؟"، قد نجد أنفسنا نعيش اللحظة نفسها من جديد.
لذا، يمكن أن تصبح القصة: "لقد تأذيت، وتعلمت من التجربة، وعرفت حدودي، وفهمت أموراً عن نفسي وعن الآخرين، والآن أحاول أن أمضي قدماً". بمعنى آخر، ستظل التجربة جزءا من قصتنا، لكنها لا يجب أن تكون القصة بأكملها.
الغد
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...