يقلب المقال المهم الذي كتبه مايكل روبنز وأماني جمال ومارك تيسلر بعنوان «الفلسطينيون يريدون حل الدولتين» (ونشرته مجلة «فورين أفيرز» (2 اكتوبر 2026)، السؤال الإسرائيلي التقليدي عن غياب الشريك الفلسطيني للسلام، ليضعنا أمام السؤال الأكثر اتصالاً بالواقع: هل يملك الفلسطينيون شريكاً إسرائيلياً مستعداً للاعتراف بحقهم في الدولة وتقرير المصير؟ وتكمن أهمية هذه المقاربة أنّها تستند إلى استطلاعات للرأي العام الفلسطيني وتكشف المسافة الكبيرة بين ما يريده الفلسطينيون والصورة التي تُرسم لهم في الخطاب الإسرائيلي.
تبدو المفارقة صارخة؛ فوفق النتائج التي يعرضها المقال، ارتفع تأييد حل الدولتين في غزة من 54 % قبيل الحرب إلى 64 % في أكتوبر 2025، بينما يرفض نحو 70 % من الإسرائيليين اليهود قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف، مما يعني أننا أمام مجتمع تعرّض لدمار هائل، لكنه لم يتخلّ عن التسوية، في مقابل جمهور إسرائيلي واسع يرفض أساسها السياسي، ثم يتهم الطرف الآخر بإغلاق أبوابها!
تكمن قيمة هذه النتائج في تفكيك الرواية التي تختزل الفلسطينيين في حماس، وتختزل حماس في السابع من أكتوبر، ثم تجعل ذلك تفسيراً جاهزاً للصراع بأكمله، بهذه الطريقة يختفي الاحتلال والاستيطان والحصار من المشهد، ويصبح المطلوب من الفلسطينيين إثبات أهليتهم للسلام إلى ما لا نهاية، بينما تُعفى إسرائيل من سؤال استعدادها لإنهاء الاحتلال.
يعيد المقال الفلسطينيين إلى الصورة بوصفهم مجتمعاً له مصالح وتطلعات وخيارات، تتجاوز حسابات الفصائل وتمثيلاتها، لكن قراءة الأرقام تتطلب الحذر أيضاً؛ فتأييد التسوية لا يعني قبول أي تسوية، والرغبة في إنهاء الحرب لا تعني التنازل عن الحقوق الوطنية، ويتضح ذلك في ارتفاع تأييد التطبيع العربي الإسرائيلي لدى سكان غزة عندما يرتبط بقيام دولة فلسطينية. من زاوية ثانية تعكس التحولات في الرأي العام في غزة واقعية سياسية تدرك كلفة الصراع، لكنها تربط الخروج منه بالاستقلال، لا بتحويل الفلسطينيين إلى سكان يحتاجون إلى الغذاء والمأوى، من دون حق في السيادة والمواطنة.
تكتسب هذه الواقعية دلالة إضافية حين نربطها برغبة أغلبية سكان غزة في البقاء، رغم الخراب الذي أصاب حياتهم، فالتطلع إلى السلام يتجاور مع التمسك بالأرض، بما يفنّد التصور الذي يساوي بين إنهاك المجتمع واستعداده للرحيل، لكن ذلك لا يبرر الاطمئنان إلى قدرة الفلسطينيين على الاحتمال بلا حدود؛ فاستمرار تدمير شروط الحياة قد يحوّل الهجرة من رغبة شخصية إلى اضطرار تفرضه الوقائع.
يقودنا ذلك إلى المسألة الثانية وهي أزمة القيادة الفلسطينية، إذ يكشف المقال كتلة واسعة تشعر بالاغتراب عن فتح وحماس معاً، لكن تراجع الثقة بالفصيلين لا يمنح الأطراف الخارجية تفويضاً لاختيار البديل، فالشرعية التي فقدتها القيادات القائمة لا تُستعاد بتشكيل لجنة تكنوقراط تحظى برضا المانحين، ما لم ترتبط بإعادة بناء التمثيل الفلسطيني، ووحدة غزة والضفة، ومسار سياسي يتيح للفلسطينيين اختيار قيادتهم ومحاسبتها.
تتصل أزمة الشرعية، بهذا المعنى، بانسداد الأفق الوطني؛ إذ يصعب إقناع الفلسطيني بأن مؤسساته تمثّله وتحميه بينما يتوسع الاستيطان وتتراجع قدرته على البقاء في أرضه، لذلك لن تنجح وصفات الإصلاح الإداري والأمني وحدها، مهما بدت متقنة، إذا بقيت المؤسسات الفلسطينية مطالبة بإدارة نتائج الاحتلال، عاجزة عن إنهائه.
تبقى حدود التفاؤل في المقال مرتبطة برهانه على احتمال ظهور حكومة إسرائيلية أكثر استعداداً للتفاوض، فالأرقام التي يقدمها بنفسه تشير إلى مشكلة أعمق من نتنياهو وائتلافه، لأنّ تغيير الحكومة قد يفتح نافذة، لكنه لا يضمن تغيير التصور السائد للحقوق الفلسطينية، ولا يكفي من دون ضغط دولي يجعل استمرار الاحتلال مكلفاً.
يقدّم المقال حجة مهمة للدبلوماسية العربية: ثمة استعداد فلسطيني للتسوية ينبغي تحويله إلى مبادرة سياسية تربط الإعمار بالدولة، والتجديد السياسي بالتمثيل، والأمن بإنهاء الاحتلال، أما الاكتفاء بالاحتفاء بالواقعية الفلسطينية، مع ترك إسرائيل ترفض استحقاقاتها، فيعيد إنتاج المعادلة نفسها: يُطلب من الضحية الاعتدال، من دون أن يُطلب من المحتل الانسحاب.
الدستور
تبدو المفارقة صارخة؛ فوفق النتائج التي يعرضها المقال، ارتفع تأييد حل الدولتين في غزة من 54 % قبيل الحرب إلى 64 % في أكتوبر 2025، بينما يرفض نحو 70 % من الإسرائيليين اليهود قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف، مما يعني أننا أمام مجتمع تعرّض لدمار هائل، لكنه لم يتخلّ عن التسوية، في مقابل جمهور إسرائيلي واسع يرفض أساسها السياسي، ثم يتهم الطرف الآخر بإغلاق أبوابها!
تكمن قيمة هذه النتائج في تفكيك الرواية التي تختزل الفلسطينيين في حماس، وتختزل حماس في السابع من أكتوبر، ثم تجعل ذلك تفسيراً جاهزاً للصراع بأكمله، بهذه الطريقة يختفي الاحتلال والاستيطان والحصار من المشهد، ويصبح المطلوب من الفلسطينيين إثبات أهليتهم للسلام إلى ما لا نهاية، بينما تُعفى إسرائيل من سؤال استعدادها لإنهاء الاحتلال.
يعيد المقال الفلسطينيين إلى الصورة بوصفهم مجتمعاً له مصالح وتطلعات وخيارات، تتجاوز حسابات الفصائل وتمثيلاتها، لكن قراءة الأرقام تتطلب الحذر أيضاً؛ فتأييد التسوية لا يعني قبول أي تسوية، والرغبة في إنهاء الحرب لا تعني التنازل عن الحقوق الوطنية، ويتضح ذلك في ارتفاع تأييد التطبيع العربي الإسرائيلي لدى سكان غزة عندما يرتبط بقيام دولة فلسطينية. من زاوية ثانية تعكس التحولات في الرأي العام في غزة واقعية سياسية تدرك كلفة الصراع، لكنها تربط الخروج منه بالاستقلال، لا بتحويل الفلسطينيين إلى سكان يحتاجون إلى الغذاء والمأوى، من دون حق في السيادة والمواطنة.
تكتسب هذه الواقعية دلالة إضافية حين نربطها برغبة أغلبية سكان غزة في البقاء، رغم الخراب الذي أصاب حياتهم، فالتطلع إلى السلام يتجاور مع التمسك بالأرض، بما يفنّد التصور الذي يساوي بين إنهاك المجتمع واستعداده للرحيل، لكن ذلك لا يبرر الاطمئنان إلى قدرة الفلسطينيين على الاحتمال بلا حدود؛ فاستمرار تدمير شروط الحياة قد يحوّل الهجرة من رغبة شخصية إلى اضطرار تفرضه الوقائع.
يقودنا ذلك إلى المسألة الثانية وهي أزمة القيادة الفلسطينية، إذ يكشف المقال كتلة واسعة تشعر بالاغتراب عن فتح وحماس معاً، لكن تراجع الثقة بالفصيلين لا يمنح الأطراف الخارجية تفويضاً لاختيار البديل، فالشرعية التي فقدتها القيادات القائمة لا تُستعاد بتشكيل لجنة تكنوقراط تحظى برضا المانحين، ما لم ترتبط بإعادة بناء التمثيل الفلسطيني، ووحدة غزة والضفة، ومسار سياسي يتيح للفلسطينيين اختيار قيادتهم ومحاسبتها.
تتصل أزمة الشرعية، بهذا المعنى، بانسداد الأفق الوطني؛ إذ يصعب إقناع الفلسطيني بأن مؤسساته تمثّله وتحميه بينما يتوسع الاستيطان وتتراجع قدرته على البقاء في أرضه، لذلك لن تنجح وصفات الإصلاح الإداري والأمني وحدها، مهما بدت متقنة، إذا بقيت المؤسسات الفلسطينية مطالبة بإدارة نتائج الاحتلال، عاجزة عن إنهائه.
تبقى حدود التفاؤل في المقال مرتبطة برهانه على احتمال ظهور حكومة إسرائيلية أكثر استعداداً للتفاوض، فالأرقام التي يقدمها بنفسه تشير إلى مشكلة أعمق من نتنياهو وائتلافه، لأنّ تغيير الحكومة قد يفتح نافذة، لكنه لا يضمن تغيير التصور السائد للحقوق الفلسطينية، ولا يكفي من دون ضغط دولي يجعل استمرار الاحتلال مكلفاً.
يقدّم المقال حجة مهمة للدبلوماسية العربية: ثمة استعداد فلسطيني للتسوية ينبغي تحويله إلى مبادرة سياسية تربط الإعمار بالدولة، والتجديد السياسي بالتمثيل، والأمن بإنهاء الاحتلال، أما الاكتفاء بالاحتفاء بالواقعية الفلسطينية، مع ترك إسرائيل ترفض استحقاقاتها، فيعيد إنتاج المعادلة نفسها: يُطلب من الضحية الاعتدال، من دون أن يُطلب من المحتل الانسحاب.
الدستور
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...