القارة التي أصبحت أغلى من نفسها


الكاتب : مالك العثامنة

من يعيش في أوروبا اليوم لا يحتاج إلى تقرير اقتصادي كي يشعر بأن شيئا ما تغير، فالهزة موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، في فاتورة الطاقة، وفي كلفة التسوق، وفي الإيجار والسفر، وفي شعور متزايد بأن الدخل نفسه لم يعد يشتري الحياة نفسها، وحتى الطبقة الوسطى التي بنت استقرارها على قدرة واضحة في التخطيط للمستقبل بدأت تعيد حساباتها من جديد.

وأنا أعيش في بلجيكا، حيث مؤسسات الاتحاد الأوروبي على بعد دقائق، تبدو المفارقة أكثر وضوحا، فبروكسل التي تصنع جزءا مهما من سياسات القارة تعيش هي نفسها ضغطا ماليا ومعيشيا واضحا، والتضخم لا يعود رقما في نشرات الاقتصاد حين تراه في فاتورة السوبرماركت والطاقة والخدمات، بل يتحول إلى إحساس يومي بأن كلفة الحياة تتقدم أسرع من قدرة الناس على استيعابها.
ومن هنا صار الحديث بين الناس مختلفا أيضا، فلم تعد الهجرة إلى أوروبا هي الحلم الوحيد المتداول، بل أصبحنا نسمع أوروبيين ومقيمين فيها يفكرون بالاتجاه المعاكس، إلى الخليج أو آسيا أو أماكن أخرى تبدو فيها الضرائب أقل أو الفرص أسرع أو كلفة الحياة أكثر احتمالا، وهذه ليست هجرة جماعية بالطبع، لكنها علامة نفسية مهمة، لأن أوروبا التي كانت مكانا يحلم الناس بالوصول إليه أصبحت عند بعض سكانها مكانا يعيدون التفكير في جدوى البقاء فيه.
أوروبا القديمة عاشت زمنا مريحا نسبيا، الولايات المتحدة تتكفل بجزء كبير من أمنها، وروسيا تمدها بالطاقة، والصين شريك تجاري ضخم، والعولمة تفتح الأسواق، فيما تستطيع الحكومات توجيه موارد كبيرة إلى الصحة والتعليم والتقاعد والحماية الاجتماعية، لكن هذا العالم انتهى تقريبا، والحرب عادت إلى القارة، والدفاع صار بندا ضخما في الموازنات، والطاقة تحولت إلى قضية أمن، والصين إلى منافس صناعي، فيما لم تعد المظلة الأميركية شيئا يمكن افتراضه بلا أسئلة.
وفوق ذلك تكبر أوروبا في السن، فالعمر الوسيط لسكان الاتحاد الأوروبي وصل إلى 44.9 سنة، وأكثر من خمس السكان في الخامسة والستين أو أكثر، وهذا يعني أن القارة تحتاج إلى مزيد من العمال والضرائب والإنفاق في الوقت نفسه، ثم تقع في المفارقة الأصعب، فهي تحتاج إلى الهجرة اقتصاديا وتخاف منها سياسيا.
اليوم فرنسا تقدم الصورة الأكثر صخبا، وبلجيكا تقدم نسخة أكثر هدوءا لكنها محسوسة، وألمانيا تعيد طرح أسئلة كانت تظن أنها تجاوزتها، بينما تتقدم في دول عدة قوى سياسية تشكك في شكل الاتحاد الحالي، لا لأن الأوروبيين استيقظوا فجأة وهم يكرهون أوروبا، بل لأن العقد الذي قام عليه المشروع لم يعد يعمل بالكفاءة القديمة.
لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي ذاهب إلى الاختفاء، لكن أوروبا القديمة انتهت بالفعل، تلك التي كان السلام فيها رخيصا والأمن مضمونا والطاقة متاحة ودولة الرفاه قابلة للتمويل، ولهذا لم يعد السؤال هل سيبقى الاتحاد، بل أي اتحاد سيبقى بعد أن صار الحفاظ على كل ما اعتاده الأوروبيون أكثر كلفة من أي وقت مضى.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :