بعث لي أحد الأصدقاء تعليقا على مقال سابق لي حول واقع الكشف المبكر عن سرطان الثدي في منطقتنا متسائلا: ما تفسيرك لظاهرة أن السيدة التي تتذرع بأعذار مثل: ضيق الوقت، أو كلفة الصورة أو الخشية من الألم الذي قد يصاحبها، تجدها نفسها تنحي جميع هذه المعيقات جانبا عندما يتعلق الأمر بإجراء تجميلي مثل إبر الحقن المختلفة.
ولا أدل على ذلك من الطفرة التي يشهدها «بزنس» التجميل، فالعيادات ومراكز التجميل تعج بالمراجعات من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية، وهذا ما نلمس أثره الجلي على وجوه من نقابلهن. فالمواعيد تحجز قبل أسابيع، والسيدات يجلسن ساعات راضيات بوخز الإبر وحرارة الليزر في سبيل بشرة أكثر نضارة وأقل تجاعيد، وعلى بعد أمتار قليلة منهن، تجد مراكز الكشف المبكر عن السرطان خاوية لا يكاد يطرق بابها أحد.
فلا مانع من أن ننفق مبالغ طائلة على ما يجمّل الوجه، ونبخل بالقليل وأحيانا بالمجاني منه على ما ينقذ الحياة، والأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم المفارقة، إذ ينفق العالم على طب التجميل ما يقارب مائة مليار دولار سنويا، منها نحو أحد عشر مليار دولار على الحقن التجميلية من بوتوكس وفيلر وحدها. مليارات تصرف على ما يؤجل أثر السنين على الوجه، بينما يقف الكشف المبكر وهو الأزهد ثمنًا والأعظم أثرًا بانتظار من يمنحه جزءا يسيرا من هذا الاهتمام.
والسؤال هنا ليس لوما للمرأة، بل لفهم الطبيعة البشرية فالمرأة التي تصبر على الإبرة وتهاب الصورة ليست متناقضة مع نفسها؛ فهي تستثمر في الجمال لأنه استثمار في اللحظة الآنية أما الوقاية فهي استثمار في المستقبل، فنتيجة التجميل تطل من المرآة في اليوم نفسه فتكافئها وتشعرها أن المال قد أنفق في محله، أمّا الفحص فلا يمنحها شيئًا تلمسه مباشرة؛ ففي أفضل نتائجه أن يقول لها: «لا يوجد ما يؤشر إلى وجود سرطان»، ونحن لا نجيد تقدير حجم الكارثة قبل وقوعها.
كما أن ما يؤلم المرأة ليس الصورة فالتي تتحمل وخزا متكررا لا يعجزها ضغط جهاز الماموغرام لدقائق، بل يوجعها ما قد تكشفه هذه الصورة، فألم الإبرة مقرون بمكافأة ننتظرها، وألم الفحص مقرون بخبر نخشاه؛ فنحن لا نهرب من الوجع، بل من احتمال الحقيقة. أضف إلى ذلك أن نتيجة التجميل تشارك وتمدح، بينما يبقى الفحص شأنًا خاصًّا لا مكافأة اجتماعية له، فينجذب الناس إلى ما يثنى عليه ويؤجلون ما لا يراه أحد.
ويسكننا منطقٌ صامت، «ما دمتُ لم أفحص، فأنا بخير»، وكأن تجاهل الاحتمال يلغيه. لكن المرض لا ينتظر شجاعتنا، والورم الذي نتجنّب رؤيته اليوم يكبر في صمت إلى أن يفرض نفسه غدًا، حين تضيق الخيارات ويصعب العلاج.
أمّا «لا وقت لديّ» فليست عن الوقت، فمن يجد الساعات للعيادة التي يرغب في زيارتها لن يعجزه تخصيص نصف ساعة في العام لإجراء فحص أو صورة. فالأمر مسألة أولويات لا مسألة دقائق، وحين نقول إننا مشغولون عن الكشف المبكر، فنحن نرتب أولوياتنا لا نحصي ساعاتنا.
الكشف المبكر ليس نقيضا للعناية بالجمال، بل هو أرقى صوره، فما قيمة بشرة نضرة إن أهملنا الجسد الذي يحملها؟ والعناية بالذات التي لا تشمل حماية الحياة عنايةٌ ناقصة.
لست هنا بصدد دعوة المرأة إلى أن تتخلّى عمّا يسعدها ويمنحها ثقتها بنفسها، بل أدعوها إلى أن تمنح صحّتها القدر ذاته من العناية الذي تمنحه لمظهرها. اجعلي موعد الماموغرام جزءًا من روتينك كما موعد العيادة تمامًا، وأدرجيه في أجندتك بالجدية نفسها، واعلمي أن أجمل ما يمكن أن تفعليه لوجهك أن يبقى حيا ينبض سنوات طويلة.
الغد
ولا أدل على ذلك من الطفرة التي يشهدها «بزنس» التجميل، فالعيادات ومراكز التجميل تعج بالمراجعات من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية، وهذا ما نلمس أثره الجلي على وجوه من نقابلهن. فالمواعيد تحجز قبل أسابيع، والسيدات يجلسن ساعات راضيات بوخز الإبر وحرارة الليزر في سبيل بشرة أكثر نضارة وأقل تجاعيد، وعلى بعد أمتار قليلة منهن، تجد مراكز الكشف المبكر عن السرطان خاوية لا يكاد يطرق بابها أحد.
فلا مانع من أن ننفق مبالغ طائلة على ما يجمّل الوجه، ونبخل بالقليل وأحيانا بالمجاني منه على ما ينقذ الحياة، والأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم المفارقة، إذ ينفق العالم على طب التجميل ما يقارب مائة مليار دولار سنويا، منها نحو أحد عشر مليار دولار على الحقن التجميلية من بوتوكس وفيلر وحدها. مليارات تصرف على ما يؤجل أثر السنين على الوجه، بينما يقف الكشف المبكر وهو الأزهد ثمنًا والأعظم أثرًا بانتظار من يمنحه جزءا يسيرا من هذا الاهتمام.
والسؤال هنا ليس لوما للمرأة، بل لفهم الطبيعة البشرية فالمرأة التي تصبر على الإبرة وتهاب الصورة ليست متناقضة مع نفسها؛ فهي تستثمر في الجمال لأنه استثمار في اللحظة الآنية أما الوقاية فهي استثمار في المستقبل، فنتيجة التجميل تطل من المرآة في اليوم نفسه فتكافئها وتشعرها أن المال قد أنفق في محله، أمّا الفحص فلا يمنحها شيئًا تلمسه مباشرة؛ ففي أفضل نتائجه أن يقول لها: «لا يوجد ما يؤشر إلى وجود سرطان»، ونحن لا نجيد تقدير حجم الكارثة قبل وقوعها.
كما أن ما يؤلم المرأة ليس الصورة فالتي تتحمل وخزا متكررا لا يعجزها ضغط جهاز الماموغرام لدقائق، بل يوجعها ما قد تكشفه هذه الصورة، فألم الإبرة مقرون بمكافأة ننتظرها، وألم الفحص مقرون بخبر نخشاه؛ فنحن لا نهرب من الوجع، بل من احتمال الحقيقة. أضف إلى ذلك أن نتيجة التجميل تشارك وتمدح، بينما يبقى الفحص شأنًا خاصًّا لا مكافأة اجتماعية له، فينجذب الناس إلى ما يثنى عليه ويؤجلون ما لا يراه أحد.
ويسكننا منطقٌ صامت، «ما دمتُ لم أفحص، فأنا بخير»، وكأن تجاهل الاحتمال يلغيه. لكن المرض لا ينتظر شجاعتنا، والورم الذي نتجنّب رؤيته اليوم يكبر في صمت إلى أن يفرض نفسه غدًا، حين تضيق الخيارات ويصعب العلاج.
أمّا «لا وقت لديّ» فليست عن الوقت، فمن يجد الساعات للعيادة التي يرغب في زيارتها لن يعجزه تخصيص نصف ساعة في العام لإجراء فحص أو صورة. فالأمر مسألة أولويات لا مسألة دقائق، وحين نقول إننا مشغولون عن الكشف المبكر، فنحن نرتب أولوياتنا لا نحصي ساعاتنا.
الكشف المبكر ليس نقيضا للعناية بالجمال، بل هو أرقى صوره، فما قيمة بشرة نضرة إن أهملنا الجسد الذي يحملها؟ والعناية بالذات التي لا تشمل حماية الحياة عنايةٌ ناقصة.
لست هنا بصدد دعوة المرأة إلى أن تتخلّى عمّا يسعدها ويمنحها ثقتها بنفسها، بل أدعوها إلى أن تمنح صحّتها القدر ذاته من العناية الذي تمنحه لمظهرها. اجعلي موعد الماموغرام جزءًا من روتينك كما موعد العيادة تمامًا، وأدرجيه في أجندتك بالجدية نفسها، واعلمي أن أجمل ما يمكن أن تفعليه لوجهك أن يبقى حيا ينبض سنوات طويلة.
الغد
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...