• الرئيسية
  • إقتصاد

  • هل ينبغي للمواطن معرفة الأثر البيئي للعقار قبل شرائه أو استئجاره؟

هل ينبغي للمواطن معرفة الأثر البيئي للعقار قبل شرائه أو استئجاره؟


عمانيات - غالبا ما يشتري المواطن عقارا يعرف مساحته وسعره وموقعه، لكنه قد يجهل الأعباء البيئية والمالية التي سترافقه طوال سنوات استخدامه، نتيجة ضعف العزل الحراري أو التهوية والإضاءة الطبيعية وغيرها من العيوب التصميمية، التي لا تكشفها التشطيبات، ولا تظهر أثناء معاينة العقار قبل شرائه.

وتكشف هذه الفجوة عن جانب غائب في السوق العقارية المحلية، يتمثل في عدم وجود بطاقة بيئية موحدة تتيح للمشتري الاطلاع على الأداء البيئي للعقار، والتحقق من خصائصه الفنية، بدلا من الاكتفاء بمعلومات يقدمها المستثمر أو المالك دون تقييم مستقل، ما يحرم المواطن من القدرة على المقارنة بين العقارات، وفق معايير تتجاوز السعر والمساحة والموقع.
ويبرز التباين بين دعوات الخبراء إلى إلزام المشاريع الجديدة بالإفصاح عن أدائها البيئي، والتوجه نحو ترك اعتماد هذه الأداة لقوى العرض والطلب.
وأكد هؤلاء الخبراء لـ"الغد" أن غياب المعلومات الموثوقة لا يقتصر أثره على المشتري، بل يُضعف أيضا حوافز المستثمرين لتحسين هذه العقارات، ويحول دون تحول الكفاءة البيئية إلى عنصر تنافسي في السوق.
أعباء بيئية
ومن وجهة نظر الأستاذ في قسم هندسة العمارة في الجامعة الأردنية د. سامر أبو غزالة، فإن بعض التصاميم المعمارية قد تتضمن أعباء بيئية وتشغيلية لا يستطيع المشتري اكتشافها بسهولة خلال زيارة الشقة قبل الشراء، فالمظهر الخارجي للشقة وجودة التشطيبات لا يعكسان بالضرورة كفاءتها البيئية، أو مستوى الراحة داخلها.
وأعطى مثالا على ذلك بضعف الإضاءة الطبيعية، وعدم كفاية التهوية، والتوجيه غير الملائم للواجهات، وكبر مساحة النوافذ دون معالجة مناسبة، وضعف العزل الحراري، إلى جانب عدم كفاءة توزيع الغرف.
ولفت أبو غزالة إلى أن هذه العوامل ستزيد الحاجة إلى التدفئة والتبريد، والإضاءة الاصطناعية، فضلا عن انخفاض الراحة الحرارية والبصرية للسكان، لذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقييم الشقة على مساحتها وسعرها وموقعها، بل على خصائصها المعمارية، ومدى تأثيرها في جودة الحياة، وتكاليف التشغيل على المدى الطويل كذلك.
وأشار إلى أن كودات البناء تمثل أساسا ضروريا لضمان السلامة وجودة البناء، وتحقيق المتطلبات الفنية المعتمدة، بما فيها تلك المتعلقة بالعزل الحراري وكفاءة الطاقة، لكن الالتزام لا يعني أن المبنى يحقق أفضل أداء بيئي أثناء الاستخدام الفعلي.
وشرح ذلك بأن ثمة فرقا بين استيفاء الحد الأدنى من المتطلبات الفنية وتقييم الأداء المتكامل للمبنى، فالأداء البيئي يتأثر بالتوجيه المعماري وتصميم الواجهات ونسب النوافذ والإضاءة الطبيعية والتهوية والتظليل والراحة الحرارية وجودة التنفيذ، فضلا عن طبيعة تشغيل المبنى وصيانته.
ومن هنا، فإن أبو غزالة يدعو ليس لاستبدال كودات البناء، بل إلى استكمالها بنظام لتقييم الأداء البيئي والإفصاح عنه، بحيث يوفر للمشتري معلومات واضحة عن خصائص العقار الفعلية والمتوقعة، مع التمييز بين الأداء التصميمي والأداء المقاس بعد الإشغال.
اكتمال الصورة
وأكد أبو غزالة أن تقييم بعض الخصائص البيئية للشقة يمكن بصورة مستقلة، مثل التوجيه والإضاءة الطبيعية والتهوية ونسبة مساحة النوافذ إلى مساحة الغرف ومدى تعرضها للشمس، لكن الاكتفاء بتقييم الشقة بمعزل عن المبنى قد يعطي صورة غير مكتملة، وربما مضللة.
وأضاف إن أداء الشقة يتأثر أيضا بموقعها داخل المبنى، والشقق المجاورة لها، والطابق الذي تقع فيه، وعدد الواجهات الخارجية، والعزل الحراري للغلاف الخارجي، والأسطح المعرضة للشمس، علاوة على طبيعة المساحات المشتركة والأنظمة الميكانيكية المستخدمة.
ولذلك، فإن أبو غزالة يحث على اعتماد تقييم على مستويين متكاملين؛ الأول للمبنى كاملا، والثاني للشقة كوحدة سكنية مستقلة، ما يتيح للمشتري فهم المزايا والقيود الخاصة بالشقة التي ينوي شراءها، بدلا من الاعتماد على تصنيف عام للمبنى وحده.
وينبغي أن تتضمن البطاقة البيئية مؤشرات معمارية واضحة وقابلة للتحقق، لأن جودة التصميم تؤثر في الراحة اليومية للسكان، وفي تكاليف التشغيل طوال عمر المبنى، تبعا له.
ومن أهم هذه المؤشرات، التي حددها، كفاية الإضاءة الطبيعية وإمكانات التهوية الطبيعية والتوجيه بالنسبة إلى الشمس وفعالية التظليل، إضافة إلى جودة العزل الحراري وخصائص النوافذ والراحة الحرارية ومستوى الخصوصية البصرية وجودة البيئة الداخلية، وكذلك مدى الاستفادة من المساحات وكفاءة التصميم في الحد من اكتساب الحرارة صيفا وفقدانها شتاء.
كما ينبغي، بحسبه، مراعاة موقع المبنى ضمن الحي وسهولة الوصول إلى النقل العام والخدمات الأساسية وإمكان الوصول سيرا على الأقدام، إضافة إلى جودة المساحات الخارجية والظل المتاح للمشاة.
والأهم، في رأيه، أن تكون هذه المؤشرات مبنية على معايير قياس واضحة، وأن تعرض بطريقة مبسطة يفهمها المشتري، بدلا من الاكتفاء بدرجة إجمالية لا توضح أسباب التقييم.
إلزامية الإفصاح
وشدد أبو غزالة على أن إلزامية الإفصاح تُسهم في تغيير تصميم المشاريع السكنية بصورة ملموسة، إذا ارتبط بآلية تحقق مستقلة ومعايير واضحة ومساءلة عن دقة المعلومات المقدمة، أما إذا اقتصر على شهادة شكلية تصدر دون فحص فعلي للتصميم والتنفيذ، فقد يتحول إلى إجراء إداري لا يحقق أهدافه، بحسبه.
ولفت إلى أن خصائص الشقة البيئية عندما تصبح معلومة للمشتري قبل الشراء، يمكن أن تتحول الإضاءة الطبيعية والتهوية والتظليل والعزل والراحة الحرارية إلى عناصر منافسة بين المطورين، بدلا من التركيز على الموقع والمساحة والتشطيبات فقط.
واقترح أن يبدأ التطبيق تدريجيا، من خلال إلزام المشاريع الجديدة بتقديم بطاقة بيئية موحدة عند التسويق والبيع، تستند إلى مراجعة التصميم، ثم التحقق من التنفيذ عند الحاجة، ويمكن لاحقا، تطوير النظام ليشمل قياس الأداء الفعلي بعد الإشغال، مع توضيح أن الاستهلاك الحقيقي يتأثر أيضا بسلوك السكان والظروف المناخية.
ودعا إلى أن يراعي نظام التصنيف البيئي اختلاف عمر المباني وظروف إنشائها، وألا يفرض على المباني القائمة المتطلبات نفسها المطبقة على المشاريع الجديدة دون تمييز.
ولذلك، وكما يشير، فإنه يمكن البدء بتقييم المباني القديمة وفق خصائصها الحالية، ثم تقديم توصيات للتحسين بحسب الأولوية والتكلفة، في مجالات إحكام النوافذ وإضافة وسائل التظليل ومعالجة بعض أوجه القصور في العزل وتحسين التهوية والإضاءة الطبيعية حيثما أمكن.
ومن بين توصياته، اعتماد تصنيف يوضح الأداء القائم وفرص التحسين، بدلا من اعتبار عدم استيفاء معايير المباني الجديدة سببا تلقائيا لخفض قيمة العقار.
لكن ذلك لا بد أن ترافقه فترة انتقالية وحوافز مناسبة للتحسينات ذات الجدوى الاقتصادية، مع تجنب فرض أعمال مكلفة لا تتناسب مع طبيعة المبنى أو عمره.
وبين أن الهدف من التصنيف البيئي للمباني القديمة ليس معاقبة المالك، بل توفير معلومات شفافة تساعده والمشتري على فهم حالة العقار وتحديد التحسينات الممكنة وتشجيع التطوير التدريجي للمخزون السكني القائم.
أداة موثوقة
ويمكن أن تُشكل البطاقة البيئية للعقار أداة موثوقة لمالكي العقارات لإبراز تميزها البيئي، واستنادا على أسس ومعايير واضحة، وبعيدا عن الادعاءات الذاتية غير المدعومة بتقييم موضوعي، وبما يشجع الاستثمار في تحسين جودة عقاراتهم وإظهار مزاياها للمشترين، وفق تأكيدات رئيس مجلس الأبنية الخضراء المهندس عبدالله بدير.
وأوضح بدير أن غياب مثل هذه البطاقة في السوق العقاري المحلي أوجد فجوة في الثقة بين المستثمرين والمشترين، إذ لا يجد المستثمر حافزا كافيا لإنفاق مبالغ إضافية لتحسين الجودة البيئية للعقار، ما دام لا يستطيع إثبات هذا التميز للمشتري، وحتى إن أبقى السعر ضمن القدرة الشرائية له.
وفي المقابل، وبحسبه، فإن المشتري لا يكون مستعدا لدفع مبلغ أعلى مقابل شقة يُقال إنها تتمتع بمزايا بيئية، لعدم وجود جهة موثوقة تؤكد أن هذه المزايا حقيقية.
وعلاج هذه المشكلة، كما يقترح، يتطلب وجود هيئة مستقلة مثل مجلس الأبنية الخضراء، تتولى تطوير بطاقة أو شهادة بيئية للشقق السكنية، تعتمد على معايير واضحة لقياس البصمة الكربونية أو تقييم الأداء البيئي لكل شقة على حدة، وليس للمبنى بأكمله فقط.
وبين أن المباني الكبيرة يستطيع مالكوها تحمل تكاليف الحصول على شهادات الأبنية الخضراء المعتمدة دوليا، لأن ذلك يكون مجديا من الناحية الاقتصادية، بينما يصعب تطبيق الأمر ذاته على الشقق الصغيرة أو الوحدات السكنية المنفردة، نظرا لارتفاع تكاليف التقييم والتصنيف مقارنة بحجم العقار.
وشدد بدير على أن تطوير شهادة بيئية خاصة بالشقق السكنية، تكون تكلفتها مقبولة، وإجراءات تقييمها بسيطة بات أمرا ضروريا لإتاحة استخدامها في السوق العقارية دون فرض أعباء مالية كبيرة.
وأكد أن تبسيط إجراءات التقييم لا يعني تخفيض مستوى الجودة أو التساهل في المعايير، وإنما وضع طريقة تقييم سهلة التطبيق، تستند إلى أسس واضحة ومدروسة، على أن تخضع الأداة نفسها للدراسة والتحقق من ملاءمتها قبل اعتمادها وتطبيقها.
تعاون مشترك
وتابع بدير أن مجلس الأبنية الخضراء قطع شوطا كبيرا في تطوير أداة للتقييم البيئي للعقارات، والتي وصلت إلى مرحلة متقدمة من الجاهزية، وأصبحت قابلة للتطبيق، إلا أن طرحها في السوق يتطلب الإنفاق على آلية واضحة لاعتمادها، وتحديد الجهات التي ستتبناها.
ونوه بأن تطبيق هذه الأداة يستدعي تعاونا مشتركا بين الجهات المعنية، لضمان وضوح آلية استخدامها، وتجنب الإجراءات الروتينية والتعقيدات الإدارية، التي قد تحولها إلى عبء على القطاع التجاري، بدلا من أن تُسهم في تطويره.
وحذر من اعتماد أدوات تقييم معقدة يُصعب تطبيقها عمليا، أو تتطلب إجراءات طويلة، والاستفادة من تجارب النجاح العالمية في تطبيق المبسطة منها.
ودعا إلى إدخال أداة لتقييم الأداء البيئي إلى السوق العقارية بناء على آليات العرض والطلب، وليس من خلال فرض استخدامها بصورة إلزامية، إذ إن مدى انتشارها واعتمادها يجب أن يتحدد وفقا لإقبال المستثمرين والمشترين عليها ومدى استحسان السوق لها.
وأضاف إن إقبال شريحة واسعة من السوق العقارية على استخدام أداة التقييم البيئي من شأنه أن يعزز انتشارها تدريجيا.
وأنهى حديثه بالتأكيد أن جاهزية القطاع العقاري لاعتماد أداة التقييم البيئي لا ترتبط بالجانب الفني وحده، بل تنبع من وجود رغبة كبيرة لدى المواطنين في شراء العقارات بالحصول على معلومات واضحة وشفافة، تُمكنهم من معرفة مدى التزام العقار بالمتطلبات الفنية والبيئية المطلوبة.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :