- الرئيسية
أخبار المملكة
- المشاريع البيئية .. هل تقاس بحجم إنجازها أم في أثرها على المجتمعات؟
المشاريع البيئية .. هل تقاس بحجم إنجازها أم في أثرها على المجتمعات؟
عمانيات - بات تطوير منظومة تقييم المشاريع البيئية في الأردن أولوية تنموية لتعظيم عوائد الاستثمارات الموجهة إلى حماية الموارد الطبيعية والتكيف مع التغير المناخي، من خلال توسيع مؤشرات النجاح لتشمل أثر هذه المشاريع الاقتصادي والاجتماعي على المجتمعات المحلية، ومدى استدامة نتائجها بعد انتهاء التمويل، بدلا من اقتصار التقييم على حجم الإنفاق وعدد المشاريع.
وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ظل حاجة الأردن إلى نحو 7.5 مليار دولار لتمويل مشاريع التكيف والتخفيف المناخي حتى عام 2030، ومواجهته تحديات الشح المائي والبطالة التي تتجاوز معدلاتها 21 %، ما يعزز ضرورة ربط الاستثمارات البيئية بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل فرص العمل المستدامة، وتحسين دخل الأسر، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، وغيرها.
ويدعو خبراء اقتصاديون وبيئيون، في تصريحاتهم لـ"الغد"، إلى اعتماد إطار وطني مستقل لتقييم الأثر التنموي للمشاريع، يستند إلى بيانات أساسية تُجمع قبل التنفيذ، ومؤشرات لقياس النتائج خلال التنفيذ وبعد انتهائه، مع إشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات التدخل ومعايير نجاحه.
قصور تحليلي
برأي الخبير الاقتصادي ووزير التعاون والتخطيط الدولي، الدكتور تيسير الصمادي، فإن النظريات التنموية تؤكد أن التركيز على المدخلات، كحجم الأموال التي يتم استقطابها أو إنفاقها على المبادرات والمشاريع التنموية بمختلف أشكالها، يمثل قصورا تحليليا وخطأ منهجيا فادحا.
وأكد لـ"الغد" أن النجاح الحقيقي يُقاس بالأثر المتمثل في توسيع خيارات السكان وتحسين رفاهيتهم وجودة حياتهم، فالتمويل بحد ذاته لا يمثل إنجازا تنمويا، بل هو مجرد أداة لتحقيق الغايات المنشودة.
وفي قراءة تحليلية للبيانات الرسمية والتقارير الدولية الموثوقة، مثل تقرير المناخ والتنمية الخاص بالأردن، الصادر عن مجموعة البنك الدولي، يرى الصمادي أن الأردن حقق نجاحات ملموسة في استقطاب التمويل المناخي والبيئي.
لكن المفارقة، بحسب الصمادي، تكمن في أن هذا التمويل يتقاطع مع واقع اقتصادي بالغ الدقة؛ إذ تقف معدلات البطالة عند مستويات مقلقة تتجاوز 21 %، بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، فيما تتزايد تحديات الشح المائي التي باتت تهدد سبل عيش المزارعين في الأغوار والمحافظات.
ويدفعه ذلك إلى القول إن الإعلان عن استقطاب عشرات الملايين لمشاريع بيئية لا تكون له قيمة حقيقية ما لم تُجب الجهات المعنية عن أسئلة جوهرية، تتعلق بعدد فرص العمل الخضراء والمستدامة التي أوجدها هذا التمويل للشباب في المحافظات، ومدى مساهمته في خفض فاتورة الطاقة على القطاع الصناعي.
وأشار إلى أن معيار النجاح الأوحد اليوم هو العائد التنموي والاجتماعي، وهو مبدأ يُعد جوهر رؤية التحديث الاقتصادي، التي تتبنى النمو الأخضر رافعة لتحسين جودة الحياة.
ولفت إلى أن تحقيق الهدف الطموح للرؤية، المتمثل في خلق مليون فرصة عمل، يتطلب أن تكون المنح والمشاريع البيئية جزءا أصيلا من الحل.
ويتسق ذلك، وفق رؤيته، مع أهداف التنمية المستدامة، وتحديدا هدفي القضاء على الفقر والعمل اللائق، ومع أفضل الممارسات الدولية، إذ باتت مؤسسات التمويل الدولية تتجه بحزم نحو نهج التمويل المبني على النتائج، بحيث لا تُصرف الأموال إلا بعد التحقق ميدانيا من تحقيق مؤشرات تنموية محددة مسبقا على أرض الواقع.
وبيّن أن الجهات المانحة تميل إلى فرض أولوياتها على الدول المتلقية كلما غابت الرؤية الوطنية الواضحة والصلبة، وهو ما تفسره نظرية الاعتماد على الموارد.
ولتجاوز هذه التبعية، اقترح الصمادي العودة إلى الأدبيات التنموية ومبادئ إعلان باريس لفعالية المعونة، التي تؤكد صراحة ضرورة الملكية الوطنية ومواءمة أموال المانحين مع الخطط الوطنية.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك أطرا مرجعية مهمة، مثل محور البيئة المستدامة في رؤية التحديث الاقتصادي، وخطة العمل الوطنية للنمو الأخضر، ووثيقة المساهمات المحددة وطنيا، التي تُقدّر حاجة الأردن إلى نحو 7.5 مليار دولار لتنفيذ مشاريع التكيف والتخفيف المناخي بحلول عام 2030.
لكنه يرى، في ضوء الواقع الحالي للمالية العامة، أن المؤسسات تواجه ضغوطا مزدوجة تتمثل في شح الموارد وتفاقم المديونية من جهة، وتراجع التمويل الدولي الموجه لخطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية من جهة أخرى.
وهذا الضغط المالي الخانق، كما يصفه، قد يدفع المؤسسات أحيانا إلى القبول بمشاريع بيئية يطرحها المانحون وفق أجنداتهم العالمية، لسد فجوات تمويلية سريعة، حتى وإن لم تكن تمثل أولوية قصوى للاقتصاد الوطني.
وحدد الصمادي الفجوة الحقيقية في القدرة المؤسسية على ترجمة الخطط الكبرى إلى مشاريع ناضجة وقابلة للتمويل، ومدعمة بدراسات جدوى فنية واقتصادية، محذرا من أن غياب هذه الجاهزية سيترك فراغا تملؤه تلقائيا أجندة المانحين.
وضرب مثالا على ذلك بمشروع الناقل الوطني الإستراتيجي للمياه، موضحا أنه عندما أعد الأردن دراسة جدوى فنية ومالية متكاملة لمشروع يمس أمنه المائي، استطاع فرض أجندته على طاولة المانحين ومؤسسات التمويل الدولية، وتوجيه بوصلتهم نحو أولوية أردنية خالصة.
وبالتالي، فإن هذا الواقع، بحسب الصمادي، يتطلب تعزيز القدرات المؤسسية وبناء الكفاءات في الوزارات، بحيث يكون المفاوض الأردني قادرا على تفعيل الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالشراكات، لإيجاد تقاطعات تخدم الاحتياجات الاقتصادية الفعلية.
كما أن ذلك سيمنحه القدرة على رفض أي تمويل أو قروض ميسرة لا تصب مباشرة في مصلحة الأولويات الوطنية الآنية والمستدامة، وفقا لما ذكره.
وفي طرح أكثر تعمقا بشأن القيمة الاقتصادية للمشاريع، أوضح أن تقييمات الجدوى الحديثة تستند إلى منهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار، التي تفترض أن أي استثمار عام أو مدعوم يجب أن يولّد قيمة اجتماعية تفوق تكلفته المالية.
وقدم شرحا لذلك، مبينا أن المشاريع البيئية التي تُصمم دون مؤشرات اقتصادية واجتماعية تُعد، وفقا لمبادئ اقتصاديات الرفاه، استنزافا للموارد وهدرا تنمويا.
وتابع قائلا: "إذا أسقطنا ذلك على الواقع الأردني الحالي، فنحن نتحدث عن ثاني أفقر دولة مائيا في العالم، وتواجه معدلات بطالة هيكلية تزيد على 21 %".
وفي هذا السياق الضاغط، يرى أن تقنيات مثل الزراعة الذكية مناخيا أو الحصاد المائي تفقد جدواها تماما إذا لم تتضمن، منذ يومها الأول، خط أساس يقيس بدقة أثرها على دخل المزارع، وقدرته على الصمود، وحجم الوفر في استهلاك المياه.
وأضاف أنه في ظل مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تطمح إلى استيعاب مليون شاب في سوق العمل، لا يملك الأردن رفاهية قبول تمويل لمشاريع بيئية لا تسهم بصورة مباشرة في خلق فرص عمل في المحافظات، أو لا ترفع العائد الاقتصادي للمتر المكعب من المياه.
وتتوافق هذه الرؤية، وفق الصمادي، مع معايير منظمة العمل الدولية التي تشترط في الوظائف الخضراء أن توفر عملا لائقا يسهم في انتشال الأسر من خط الفقر، كما تنسجم مع الهدفين الثاني والسادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلقين بالأمن الغذائي والإدارة المتكاملة للمياه.
وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت آليات تقييم المشاريع الممولة دوليا تقارن بين كلفتها الحقيقية والمنافع التي تصل إلى المجتمعات المستهدفة، بيّن أن الإجابة تكمن فيما يُسمى "العبء الخفي" في إدارة المساعدات، حيث تُستنزف نسب كبيرة من التمويل في الهياكل الإدارية، ورواتب الخبراء الأجانب، والنفقات التشغيلية، بدلا من وصولها إلى المستفيد النهائي.
وأعرب عن أسفه لأن التقييمات التقليدية غالبا ما تكون سطحية، إذ تركز على المخرجات، مثل عدد ورش العمل والمشاركين والدراسات المنجزة، وتتجاهل المنفعة الصافية.
ولمعالجة هذا الخلل، دعا إلى تطبيق معيار الكفاءة بصرامة، الذي يقيس حجم الموارد التي تحولت فعليا إلى أثر تنموي مستدام، مقارنة بما أُهدر في التكاليف الجانبية.
وشدد على أن إرساء هذه الآليات في الأردن يمثل تطبيقا مباشرا للهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى بناء مؤسسات شفافة وفعالة وخاضعة للمساءلة، للحد من الهدر المقنع في منظومة التعاون الدولي.
وحث على ربط الموافقة على تمويل مشاريع بيئية جديدة بنتائج المشاريع السابقة، موضحا أن ذلك يرتبط بنظرية التعلم المؤسسي، التي تؤكد أهمية البناء التراكمي للخبرات، والاستفادة من نقاط القوة، وتجنب نقاط الضعف وعدم تكرار الأخطاء.
وأكد أن التعامل مع المشاريع باعتبارها جزرا معزولة يمحو الذاكرة المؤسسية، ويجعل الدولة حقلا لتجارب لا تنتهي، ما يعيق مسار التنمية المستدامة.
ولتقريب الصورة إلى واقع السكان، ضرب مثالا بما تشهده بعض المحافظات من مشاريع بيئية، مثل إدارة النفايات الصلبة، والحصاد المائي، وتوفير الطاقة الشمسية للمجتمعات الزراعية، لكنها تتكرر أحيانا بالتصاميم والأخطاء التخطيطية نفسها.
وأوضح أن ما يحدث غالبا هو تعثر المشروع بمجرد توقف التمويل الخارجي، بسبب غياب خطة لاستدامة التكاليف التشغيلية أو الصيانة. ويمكن القول إن السكان في المجتمعات المحلية باتوا يلاحظون تعدد لافتات المشاريع وتغير شعارات الجهات المانحة في مناطقهم، دون أن يلمسوا تحسنا مستداما في مستوى معيشتهم أو خلقا لفرص عمل دائمة.
لذلك، يشدد الصمادي على أن الاستمرار في ضخ أموال جديدة ضمن القوالب السابقة نفسها، دون تقييم صارم للأثر، يُعد هدرا للموارد، في وقت تتبنى فيه المؤسسات الدولية نهج الإدارة المبنية على النتائج، إلى جانب أطر التعاون والتعلم والتكيف.
ولمعالجة هذا التحدي التنموي، أوصى بعدم توقيع الأردن أي اتفاقيات تمويل جديدة لقطاعات لم تثبت تدخلاتها السابقة تحقيق الاستدامة الفنية أو المالية.
كما دعا إلى إيجاد نظام وطني مستقل لتقييم العائد التنموي للاستثمارات البيئية، وربط نتائجه بقرارات التمويل والمساءلة، بما ينسجم مع منهج صنع السياسات المبني على الأدلة.
وأوضح أن هذا النهج يقوم على أدلة تؤكد أن التخطيط الاستراتيجي يفقد بوصلته في غياب جهاز قياس مستقل، يتمتع بصلاحيات مناسبة تمكنه من أداء دوره بكفاءة وموضوعية.
وأضاف أن أفضل الممارسات التنموية الدولية تُظهر أن الاكتفاء بالرقابة المالية التقليدية لم يعد مجديا، إذ تبرز الحاجة إلى تقييم الكفاءة التنموية للمشاريع، باعتباره أداة فاعلة لضمان مبدأ القيمة مقابل المال، والتحقق من قدرة المشاريع على الاستدامة الذاتية بعد توقف التمويل الخارجي.
ويمثل هذا النظام، بحسب الصمادي، حجر الزاوية لتعظيم الاستفادة من منظومة التعاون الدولي وضمان تحقيق محاور رؤية التحديث الاقتصادي، وهو ما تجسده تجارب رائدة، مثل تجربة مجلس الخزانة الكندي، الذي يلزم الوزارات والمؤسسات الحكومية بتخصيص موازنات لتقييم برامجها بصورة دورية ومستقلة.
ولا شك أن تأسيس إطار وطني مماثل في الأردن سيعزز الامتثال لمبادئ الحوكمة الرشيدة، ويرفع القوة التفاوضية للدولة، ويضمن أن يترك كل دولار يُنفق أثرا حقيقيا ومستداما في بنية الاقتصاد الوطني، وفقا لما أفاد به.
مخرجات قابلة للقياس
وفي رأي الخبير في مجال التنمية المستدامة والابتكار، الدكتور عودة الجيوسي، فإن أفضل التجارب العالمية تعتمد على رصد مؤشرات الأداء من خلال مخرجات قابلة للقياس، وليس عبر عدد المشاريع؛ لذلك فإن قياس الأثر على المدى الطويل، سواء على صعيد تغيير السياسات أو تحقيق أهداف التنمية، بات أمرا بالغ الأهمية.
ولفت لـ"الغد" إلى أن تصميم مؤشرات نجاح المشاريع البيئية يفترض أن يجري، في الغالب، بالتشارك مع المجتمع المحلي، الذي يُعد إشراكه جزءا من الحوكمة الرشيدة، إلا أن ذلك يتطلب بناء قدرات أفراده قبل المباشرة في هذه العملية.
وأضاف أن التحقق من التحسن البيئي أو المعيشي الناتج عن المشاريع يتطلب تطبيق منهجيات عالمية لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، شريطة أن تراعي التداخل بين هذه الأبعاد، وأن تستند إلى تحليل جذور المشكلة وأعراضها وسياقها.
وشدد على أن مسؤولية قياس الأثر بعد انتهاء التمويل تقع على عاتق جميع الأطراف المعنية، من أصحاب المصلحة والجهات الممولة، ما يستدعي تطوير آليات التعلم المؤسسي وإحداث تحول ثقافي في التعامل مع تقييم المشاريع.
وأشار إلى أن تصميم المشاريع، إذا بُني على أسس منهجية سليمة، فإنه سيراعي تحقيق الأثر في مختلف القطاعات والفئات المستهدفة.
ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية، دعا الجيوسي إلى اعتماد إطار وطني لقياس الأثر، يشمل مجموعة من المؤشرات، مثل معدلات خفض البطالة، والتوظيف، وخفض البصمة البيئية وانبعاثات الكربون.
وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ظل حاجة الأردن إلى نحو 7.5 مليار دولار لتمويل مشاريع التكيف والتخفيف المناخي حتى عام 2030، ومواجهته تحديات الشح المائي والبطالة التي تتجاوز معدلاتها 21 %، ما يعزز ضرورة ربط الاستثمارات البيئية بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل فرص العمل المستدامة، وتحسين دخل الأسر، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، وغيرها.
ويدعو خبراء اقتصاديون وبيئيون، في تصريحاتهم لـ"الغد"، إلى اعتماد إطار وطني مستقل لتقييم الأثر التنموي للمشاريع، يستند إلى بيانات أساسية تُجمع قبل التنفيذ، ومؤشرات لقياس النتائج خلال التنفيذ وبعد انتهائه، مع إشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات التدخل ومعايير نجاحه.
قصور تحليلي
برأي الخبير الاقتصادي ووزير التعاون والتخطيط الدولي، الدكتور تيسير الصمادي، فإن النظريات التنموية تؤكد أن التركيز على المدخلات، كحجم الأموال التي يتم استقطابها أو إنفاقها على المبادرات والمشاريع التنموية بمختلف أشكالها، يمثل قصورا تحليليا وخطأ منهجيا فادحا.
وأكد لـ"الغد" أن النجاح الحقيقي يُقاس بالأثر المتمثل في توسيع خيارات السكان وتحسين رفاهيتهم وجودة حياتهم، فالتمويل بحد ذاته لا يمثل إنجازا تنمويا، بل هو مجرد أداة لتحقيق الغايات المنشودة.
وفي قراءة تحليلية للبيانات الرسمية والتقارير الدولية الموثوقة، مثل تقرير المناخ والتنمية الخاص بالأردن، الصادر عن مجموعة البنك الدولي، يرى الصمادي أن الأردن حقق نجاحات ملموسة في استقطاب التمويل المناخي والبيئي.
لكن المفارقة، بحسب الصمادي، تكمن في أن هذا التمويل يتقاطع مع واقع اقتصادي بالغ الدقة؛ إذ تقف معدلات البطالة عند مستويات مقلقة تتجاوز 21 %، بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، فيما تتزايد تحديات الشح المائي التي باتت تهدد سبل عيش المزارعين في الأغوار والمحافظات.
ويدفعه ذلك إلى القول إن الإعلان عن استقطاب عشرات الملايين لمشاريع بيئية لا تكون له قيمة حقيقية ما لم تُجب الجهات المعنية عن أسئلة جوهرية، تتعلق بعدد فرص العمل الخضراء والمستدامة التي أوجدها هذا التمويل للشباب في المحافظات، ومدى مساهمته في خفض فاتورة الطاقة على القطاع الصناعي.
وأشار إلى أن معيار النجاح الأوحد اليوم هو العائد التنموي والاجتماعي، وهو مبدأ يُعد جوهر رؤية التحديث الاقتصادي، التي تتبنى النمو الأخضر رافعة لتحسين جودة الحياة.
ولفت إلى أن تحقيق الهدف الطموح للرؤية، المتمثل في خلق مليون فرصة عمل، يتطلب أن تكون المنح والمشاريع البيئية جزءا أصيلا من الحل.
ويتسق ذلك، وفق رؤيته، مع أهداف التنمية المستدامة، وتحديدا هدفي القضاء على الفقر والعمل اللائق، ومع أفضل الممارسات الدولية، إذ باتت مؤسسات التمويل الدولية تتجه بحزم نحو نهج التمويل المبني على النتائج، بحيث لا تُصرف الأموال إلا بعد التحقق ميدانيا من تحقيق مؤشرات تنموية محددة مسبقا على أرض الواقع.
وبيّن أن الجهات المانحة تميل إلى فرض أولوياتها على الدول المتلقية كلما غابت الرؤية الوطنية الواضحة والصلبة، وهو ما تفسره نظرية الاعتماد على الموارد.
ولتجاوز هذه التبعية، اقترح الصمادي العودة إلى الأدبيات التنموية ومبادئ إعلان باريس لفعالية المعونة، التي تؤكد صراحة ضرورة الملكية الوطنية ومواءمة أموال المانحين مع الخطط الوطنية.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك أطرا مرجعية مهمة، مثل محور البيئة المستدامة في رؤية التحديث الاقتصادي، وخطة العمل الوطنية للنمو الأخضر، ووثيقة المساهمات المحددة وطنيا، التي تُقدّر حاجة الأردن إلى نحو 7.5 مليار دولار لتنفيذ مشاريع التكيف والتخفيف المناخي بحلول عام 2030.
لكنه يرى، في ضوء الواقع الحالي للمالية العامة، أن المؤسسات تواجه ضغوطا مزدوجة تتمثل في شح الموارد وتفاقم المديونية من جهة، وتراجع التمويل الدولي الموجه لخطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية من جهة أخرى.
وهذا الضغط المالي الخانق، كما يصفه، قد يدفع المؤسسات أحيانا إلى القبول بمشاريع بيئية يطرحها المانحون وفق أجنداتهم العالمية، لسد فجوات تمويلية سريعة، حتى وإن لم تكن تمثل أولوية قصوى للاقتصاد الوطني.
وحدد الصمادي الفجوة الحقيقية في القدرة المؤسسية على ترجمة الخطط الكبرى إلى مشاريع ناضجة وقابلة للتمويل، ومدعمة بدراسات جدوى فنية واقتصادية، محذرا من أن غياب هذه الجاهزية سيترك فراغا تملؤه تلقائيا أجندة المانحين.
وضرب مثالا على ذلك بمشروع الناقل الوطني الإستراتيجي للمياه، موضحا أنه عندما أعد الأردن دراسة جدوى فنية ومالية متكاملة لمشروع يمس أمنه المائي، استطاع فرض أجندته على طاولة المانحين ومؤسسات التمويل الدولية، وتوجيه بوصلتهم نحو أولوية أردنية خالصة.
وبالتالي، فإن هذا الواقع، بحسب الصمادي، يتطلب تعزيز القدرات المؤسسية وبناء الكفاءات في الوزارات، بحيث يكون المفاوض الأردني قادرا على تفعيل الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالشراكات، لإيجاد تقاطعات تخدم الاحتياجات الاقتصادية الفعلية.
كما أن ذلك سيمنحه القدرة على رفض أي تمويل أو قروض ميسرة لا تصب مباشرة في مصلحة الأولويات الوطنية الآنية والمستدامة، وفقا لما ذكره.
وفي طرح أكثر تعمقا بشأن القيمة الاقتصادية للمشاريع، أوضح أن تقييمات الجدوى الحديثة تستند إلى منهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار، التي تفترض أن أي استثمار عام أو مدعوم يجب أن يولّد قيمة اجتماعية تفوق تكلفته المالية.
وقدم شرحا لذلك، مبينا أن المشاريع البيئية التي تُصمم دون مؤشرات اقتصادية واجتماعية تُعد، وفقا لمبادئ اقتصاديات الرفاه، استنزافا للموارد وهدرا تنمويا.
وتابع قائلا: "إذا أسقطنا ذلك على الواقع الأردني الحالي، فنحن نتحدث عن ثاني أفقر دولة مائيا في العالم، وتواجه معدلات بطالة هيكلية تزيد على 21 %".
وفي هذا السياق الضاغط، يرى أن تقنيات مثل الزراعة الذكية مناخيا أو الحصاد المائي تفقد جدواها تماما إذا لم تتضمن، منذ يومها الأول، خط أساس يقيس بدقة أثرها على دخل المزارع، وقدرته على الصمود، وحجم الوفر في استهلاك المياه.
وأضاف أنه في ظل مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تطمح إلى استيعاب مليون شاب في سوق العمل، لا يملك الأردن رفاهية قبول تمويل لمشاريع بيئية لا تسهم بصورة مباشرة في خلق فرص عمل في المحافظات، أو لا ترفع العائد الاقتصادي للمتر المكعب من المياه.
وتتوافق هذه الرؤية، وفق الصمادي، مع معايير منظمة العمل الدولية التي تشترط في الوظائف الخضراء أن توفر عملا لائقا يسهم في انتشال الأسر من خط الفقر، كما تنسجم مع الهدفين الثاني والسادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلقين بالأمن الغذائي والإدارة المتكاملة للمياه.
وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت آليات تقييم المشاريع الممولة دوليا تقارن بين كلفتها الحقيقية والمنافع التي تصل إلى المجتمعات المستهدفة، بيّن أن الإجابة تكمن فيما يُسمى "العبء الخفي" في إدارة المساعدات، حيث تُستنزف نسب كبيرة من التمويل في الهياكل الإدارية، ورواتب الخبراء الأجانب، والنفقات التشغيلية، بدلا من وصولها إلى المستفيد النهائي.
وأعرب عن أسفه لأن التقييمات التقليدية غالبا ما تكون سطحية، إذ تركز على المخرجات، مثل عدد ورش العمل والمشاركين والدراسات المنجزة، وتتجاهل المنفعة الصافية.
ولمعالجة هذا الخلل، دعا إلى تطبيق معيار الكفاءة بصرامة، الذي يقيس حجم الموارد التي تحولت فعليا إلى أثر تنموي مستدام، مقارنة بما أُهدر في التكاليف الجانبية.
وشدد على أن إرساء هذه الآليات في الأردن يمثل تطبيقا مباشرا للهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى بناء مؤسسات شفافة وفعالة وخاضعة للمساءلة، للحد من الهدر المقنع في منظومة التعاون الدولي.
وحث على ربط الموافقة على تمويل مشاريع بيئية جديدة بنتائج المشاريع السابقة، موضحا أن ذلك يرتبط بنظرية التعلم المؤسسي، التي تؤكد أهمية البناء التراكمي للخبرات، والاستفادة من نقاط القوة، وتجنب نقاط الضعف وعدم تكرار الأخطاء.
وأكد أن التعامل مع المشاريع باعتبارها جزرا معزولة يمحو الذاكرة المؤسسية، ويجعل الدولة حقلا لتجارب لا تنتهي، ما يعيق مسار التنمية المستدامة.
ولتقريب الصورة إلى واقع السكان، ضرب مثالا بما تشهده بعض المحافظات من مشاريع بيئية، مثل إدارة النفايات الصلبة، والحصاد المائي، وتوفير الطاقة الشمسية للمجتمعات الزراعية، لكنها تتكرر أحيانا بالتصاميم والأخطاء التخطيطية نفسها.
وأوضح أن ما يحدث غالبا هو تعثر المشروع بمجرد توقف التمويل الخارجي، بسبب غياب خطة لاستدامة التكاليف التشغيلية أو الصيانة. ويمكن القول إن السكان في المجتمعات المحلية باتوا يلاحظون تعدد لافتات المشاريع وتغير شعارات الجهات المانحة في مناطقهم، دون أن يلمسوا تحسنا مستداما في مستوى معيشتهم أو خلقا لفرص عمل دائمة.
لذلك، يشدد الصمادي على أن الاستمرار في ضخ أموال جديدة ضمن القوالب السابقة نفسها، دون تقييم صارم للأثر، يُعد هدرا للموارد، في وقت تتبنى فيه المؤسسات الدولية نهج الإدارة المبنية على النتائج، إلى جانب أطر التعاون والتعلم والتكيف.
ولمعالجة هذا التحدي التنموي، أوصى بعدم توقيع الأردن أي اتفاقيات تمويل جديدة لقطاعات لم تثبت تدخلاتها السابقة تحقيق الاستدامة الفنية أو المالية.
كما دعا إلى إيجاد نظام وطني مستقل لتقييم العائد التنموي للاستثمارات البيئية، وربط نتائجه بقرارات التمويل والمساءلة، بما ينسجم مع منهج صنع السياسات المبني على الأدلة.
وأوضح أن هذا النهج يقوم على أدلة تؤكد أن التخطيط الاستراتيجي يفقد بوصلته في غياب جهاز قياس مستقل، يتمتع بصلاحيات مناسبة تمكنه من أداء دوره بكفاءة وموضوعية.
وأضاف أن أفضل الممارسات التنموية الدولية تُظهر أن الاكتفاء بالرقابة المالية التقليدية لم يعد مجديا، إذ تبرز الحاجة إلى تقييم الكفاءة التنموية للمشاريع، باعتباره أداة فاعلة لضمان مبدأ القيمة مقابل المال، والتحقق من قدرة المشاريع على الاستدامة الذاتية بعد توقف التمويل الخارجي.
ويمثل هذا النظام، بحسب الصمادي، حجر الزاوية لتعظيم الاستفادة من منظومة التعاون الدولي وضمان تحقيق محاور رؤية التحديث الاقتصادي، وهو ما تجسده تجارب رائدة، مثل تجربة مجلس الخزانة الكندي، الذي يلزم الوزارات والمؤسسات الحكومية بتخصيص موازنات لتقييم برامجها بصورة دورية ومستقلة.
ولا شك أن تأسيس إطار وطني مماثل في الأردن سيعزز الامتثال لمبادئ الحوكمة الرشيدة، ويرفع القوة التفاوضية للدولة، ويضمن أن يترك كل دولار يُنفق أثرا حقيقيا ومستداما في بنية الاقتصاد الوطني، وفقا لما أفاد به.
مخرجات قابلة للقياس
وفي رأي الخبير في مجال التنمية المستدامة والابتكار، الدكتور عودة الجيوسي، فإن أفضل التجارب العالمية تعتمد على رصد مؤشرات الأداء من خلال مخرجات قابلة للقياس، وليس عبر عدد المشاريع؛ لذلك فإن قياس الأثر على المدى الطويل، سواء على صعيد تغيير السياسات أو تحقيق أهداف التنمية، بات أمرا بالغ الأهمية.
ولفت لـ"الغد" إلى أن تصميم مؤشرات نجاح المشاريع البيئية يفترض أن يجري، في الغالب، بالتشارك مع المجتمع المحلي، الذي يُعد إشراكه جزءا من الحوكمة الرشيدة، إلا أن ذلك يتطلب بناء قدرات أفراده قبل المباشرة في هذه العملية.
وأضاف أن التحقق من التحسن البيئي أو المعيشي الناتج عن المشاريع يتطلب تطبيق منهجيات عالمية لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، شريطة أن تراعي التداخل بين هذه الأبعاد، وأن تستند إلى تحليل جذور المشكلة وأعراضها وسياقها.
وشدد على أن مسؤولية قياس الأثر بعد انتهاء التمويل تقع على عاتق جميع الأطراف المعنية، من أصحاب المصلحة والجهات الممولة، ما يستدعي تطوير آليات التعلم المؤسسي وإحداث تحول ثقافي في التعامل مع تقييم المشاريع.
وأشار إلى أن تصميم المشاريع، إذا بُني على أسس منهجية سليمة، فإنه سيراعي تحقيق الأثر في مختلف القطاعات والفئات المستهدفة.
ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية، دعا الجيوسي إلى اعتماد إطار وطني لقياس الأثر، يشمل مجموعة من المؤشرات، مثل معدلات خفض البطالة، والتوظيف، وخفض البصمة البيئية وانبعاثات الكربون.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...