- الرئيسية
مقالات
- قراءة في مفاوضات الصحراء المغربية: واشنطن، الرسائل الاستراتيجية، وإعادة ترتيب الموازين كتبت د. آمال جبور
قراءة في مفاوضات الصحراء المغربية: واشنطن، الرسائل الاستراتيجية، وإعادة ترتيب الموازين كتبت د. آمال جبور
–
ما يجري مؤخراً في المفاوضات غير المعلنة حول ملف الصحراء المغربية، والتي تنقلت خلال شهر بين فلوريدا ومدريد وواشنطن برعاية أمريكية مباشرة، لا يمكن قراءته كاستئناف لمسار تفاوضي قديم. نحن أمام لحظة سياسية مختلفة تعكس انتقال مركز الثقل من الإطار الأممي التقليدي إلى إدارة أمريكية مباشرة للملف، بما يحمله ذلك من رسائل استراتيجية عميقة وإعادة ترتيب واضحة في موازين التأثير.
مع تصاعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية واتساعها في الشرق الاوسط ودول الخليج، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا والتحولات في إفريقيا، لم يعد أي ملف يُنظر إليه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. من هذا المنظور، لا تُرى الصحراء كقضية معزولة، بل كجزء من بيئة إقليمية مضطربة، حيث استمرار نزاع مجمّد بين الأطلسي والساحل يفتح المجال لحسابات متنافسة. لذلك، يبدو تحريك الملف بالسرعة الحالية خطوة ضمن إدارة توازنات أوسع، لا مجرد وساطة تقليدية استمرت عقوداً، حين كان النزاع يُقدَّم كقضية تصفية استعمار أو تقرير مصير، ثم تحوّل تدريجياً إلى نزاع إقليمي.
اليوم، ومع انتقال مركز الثقل في إدارة الملف إلى واشنطن، يصبح النزاع ملف استقرار إقليمي مرتبط بالأمن الأطلسي والساحل. هذه النقلة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع إنساني أو قانوني فقط، بل ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب اولوياتها في المجال الجيوسياسي الممتد من غرب المتوسط إلى الساحل الإفريقي والاطلسي ، حيث يشهد الإقليم تمدداً روسياً، وحضوراً صينياً اقتصادياً، وتراجعاً أوروبياً مرتبكاً، ما يجعل المغرب نقطة ارتكاز تتحول فيها الصحراء من ملف نزاع إلى عقدة توازن.
بالتالي، تشهد المفاوضات مستجدات تستدعي الإشارة إليها وفق منطق القوة الدولي، الذي تتحكم فيه الإدارة الأمريكية الترامبية اليوم:
اولا: انتقال إدارة الملف إلى واشنطن مع رعاية مباشرة وتسريع الجولات، وتراجع دور الأمم المتحدة، في محاولة لكسر الجمود الممتد منذ خمسين عاماً.
ثانيا: إجراء المفاوضات في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 وعلى قاعدة مبادرة الحكم الذاتي المغربية المحدثة، التي تحولت من ثلاثة أوراق عام 2007 إلى وثيقة مفصلة تعكس تصوراً مؤسساتياً متكاملاً.
ثالثا: السرية والغموض المحيط بالمفاوضات، ربما يسمح لكل طرف بمراجعة مواقفه بعيداً عن ضغط الإعلام، فيما تُستخدم أميركياً لضبط الملف وتوجيه الأطراف نحو توافق سياسي وفق إيقاع واشنطن.
رابع: اعتماد صيغة “الطاولة المستديرة” للأطراف الأربعة وفق قرار مجلس الأمن 2797، كما في جولات جنيف، لكن التحوّل الجوهري يكمن في الجهة التي تُدير اليوم الإطار السياسي للمسار.
خامسا: تَحرك الأطراف وفق مصالح واضحة؛ المغرب يركّز على تثبيت سيادته عبر مبادرة الحكم الذاتي المحدثة، الجزائر تعيد تقييم دورها التقليدي، جبهة البوليساريو تواجه قيود الواقع الدولي، وموريتانيا تتبنى مقاربة توازنية تراعي مصالحها وأمنها واستقرارها الداخلي وع الجوار.
وعليه، تشير قراءة هذه المستجدات إلى أن واشنطن لا تهدف فقط لحل النزاع، بل لتثبيت المغرب كقاعدة استقرار في غرب المتوسط والساحل، مع إشراك الأطراف في صيغة رباعية تحت إشراف أمريكي مباشر، مما يقلص هامش مناورتها الدبلوماسية التقليدية.
الأهم، أن الإدارة الأمريكية، ترى في استمرار النزاع تهديداً أمنياً بين الأطلسي والساحل، ما يتعارض مع أولويات إعادة الانتشار الأمريكي، لذلك تسعى لتسريع إنتاج “اتفاق إطار” سريع حتى لو تركت التفاصيل التقنية لاحقاً.
بالمقابل، يبرز دور المغرب المحوري من خلال تقديم صيغة مفصلة لمبادرة الحكم الذاتي، التي تحوّلت من ثلاث أوراق عام 2007 إلى وثيقة بنحو أربعين صفحة، تعكس تصوراً مؤسساتياً متكاملاً؛ فهي في الخطاب المغربي سقف الحل، وفي القرار الأممي “أساساً واقعياً”، وقد تُقرأ أمريكياً كنموذج محتمل لتطبيقه على نزاعات مشابهة.
وعليه فإن انعقاد المفاوضات بصيغة “الطاولة المستديرة” لا يشكل جديداً في الشكل، لكنه يعكس تحولاً جوهرياً: من يجلس اليوم إلى الطاولة يعترف عملياً بمرجعية أمريكية مباشرة لإدارة المسار، أي نقل مركز الثقل من الرعاية الأممية التقليدية إلى هندسة سياسية تقودها قوة عظمى.
بالتالي يمكن قراءة أبرز الرسائل الأمريكية في هذا السياق في عدة اتجاهات:
إلى الأمم المتحدة دوركم مرجعي، لكن الإيقاع السياسي تحدده واشنطن.
إلى أوروبا بأن الفراغ الذي تركته في الضفة الجنوبية للمتوسط يُعاد ملؤه من واشنطن.
إلى الجزائر لم يعد موقع الطرف غير المعني خياراً عملياً، ويجب المشاركة بفاعلية ضمن الإطار الجديد.
إلى المغرب بأن موقعه يتعزز كشريك استراتيجي في معادلة الاستقرار الجديدة.
اذا صحت هذه القراءة، فإن إدخال الملف بقوة إلى دائرة القرار الأمريكي يطرح سؤالاً موازياً: هل أصبح النزاع جزءاً من سلة ملفات مرتبطة بأمن الساحل والطاقة والتوازنات الإقليمية؟ وإذا كان كذلك، فإلى أي حد سيتأثر مساره بتغيّر الأولويات داخل واشنطن مستقبلاً ؟
في عالم تحكمه موازين القوة، لم تعد الصحراء نزاعاً إقليمياً معزولاً، بل جزءاً من مشهد أكبر يُعاد تشكيله. السؤال المفتوح اليوم: أي توازن سيولد من رحم هذه المفاوضات، ومن سيمسك فعلياً بمفاتيح المرحلة المقبلة؟
ما يجري مؤخراً في المفاوضات غير المعلنة حول ملف الصحراء المغربية، والتي تنقلت خلال شهر بين فلوريدا ومدريد وواشنطن برعاية أمريكية مباشرة، لا يمكن قراءته كاستئناف لمسار تفاوضي قديم. نحن أمام لحظة سياسية مختلفة تعكس انتقال مركز الثقل من الإطار الأممي التقليدي إلى إدارة أمريكية مباشرة للملف، بما يحمله ذلك من رسائل استراتيجية عميقة وإعادة ترتيب واضحة في موازين التأثير.
مع تصاعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية واتساعها في الشرق الاوسط ودول الخليج، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا والتحولات في إفريقيا، لم يعد أي ملف يُنظر إليه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. من هذا المنظور، لا تُرى الصحراء كقضية معزولة، بل كجزء من بيئة إقليمية مضطربة، حيث استمرار نزاع مجمّد بين الأطلسي والساحل يفتح المجال لحسابات متنافسة. لذلك، يبدو تحريك الملف بالسرعة الحالية خطوة ضمن إدارة توازنات أوسع، لا مجرد وساطة تقليدية استمرت عقوداً، حين كان النزاع يُقدَّم كقضية تصفية استعمار أو تقرير مصير، ثم تحوّل تدريجياً إلى نزاع إقليمي.
اليوم، ومع انتقال مركز الثقل في إدارة الملف إلى واشنطن، يصبح النزاع ملف استقرار إقليمي مرتبط بالأمن الأطلسي والساحل. هذه النقلة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع إنساني أو قانوني فقط، بل ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب اولوياتها في المجال الجيوسياسي الممتد من غرب المتوسط إلى الساحل الإفريقي والاطلسي ، حيث يشهد الإقليم تمدداً روسياً، وحضوراً صينياً اقتصادياً، وتراجعاً أوروبياً مرتبكاً، ما يجعل المغرب نقطة ارتكاز تتحول فيها الصحراء من ملف نزاع إلى عقدة توازن.
بالتالي، تشهد المفاوضات مستجدات تستدعي الإشارة إليها وفق منطق القوة الدولي، الذي تتحكم فيه الإدارة الأمريكية الترامبية اليوم:
اولا: انتقال إدارة الملف إلى واشنطن مع رعاية مباشرة وتسريع الجولات، وتراجع دور الأمم المتحدة، في محاولة لكسر الجمود الممتد منذ خمسين عاماً.
ثانيا: إجراء المفاوضات في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 وعلى قاعدة مبادرة الحكم الذاتي المغربية المحدثة، التي تحولت من ثلاثة أوراق عام 2007 إلى وثيقة مفصلة تعكس تصوراً مؤسساتياً متكاملاً.
ثالثا: السرية والغموض المحيط بالمفاوضات، ربما يسمح لكل طرف بمراجعة مواقفه بعيداً عن ضغط الإعلام، فيما تُستخدم أميركياً لضبط الملف وتوجيه الأطراف نحو توافق سياسي وفق إيقاع واشنطن.
رابع: اعتماد صيغة “الطاولة المستديرة” للأطراف الأربعة وفق قرار مجلس الأمن 2797، كما في جولات جنيف، لكن التحوّل الجوهري يكمن في الجهة التي تُدير اليوم الإطار السياسي للمسار.
خامسا: تَحرك الأطراف وفق مصالح واضحة؛ المغرب يركّز على تثبيت سيادته عبر مبادرة الحكم الذاتي المحدثة، الجزائر تعيد تقييم دورها التقليدي، جبهة البوليساريو تواجه قيود الواقع الدولي، وموريتانيا تتبنى مقاربة توازنية تراعي مصالحها وأمنها واستقرارها الداخلي وع الجوار.
وعليه، تشير قراءة هذه المستجدات إلى أن واشنطن لا تهدف فقط لحل النزاع، بل لتثبيت المغرب كقاعدة استقرار في غرب المتوسط والساحل، مع إشراك الأطراف في صيغة رباعية تحت إشراف أمريكي مباشر، مما يقلص هامش مناورتها الدبلوماسية التقليدية.
الأهم، أن الإدارة الأمريكية، ترى في استمرار النزاع تهديداً أمنياً بين الأطلسي والساحل، ما يتعارض مع أولويات إعادة الانتشار الأمريكي، لذلك تسعى لتسريع إنتاج “اتفاق إطار” سريع حتى لو تركت التفاصيل التقنية لاحقاً.
بالمقابل، يبرز دور المغرب المحوري من خلال تقديم صيغة مفصلة لمبادرة الحكم الذاتي، التي تحوّلت من ثلاث أوراق عام 2007 إلى وثيقة بنحو أربعين صفحة، تعكس تصوراً مؤسساتياً متكاملاً؛ فهي في الخطاب المغربي سقف الحل، وفي القرار الأممي “أساساً واقعياً”، وقد تُقرأ أمريكياً كنموذج محتمل لتطبيقه على نزاعات مشابهة.
وعليه فإن انعقاد المفاوضات بصيغة “الطاولة المستديرة” لا يشكل جديداً في الشكل، لكنه يعكس تحولاً جوهرياً: من يجلس اليوم إلى الطاولة يعترف عملياً بمرجعية أمريكية مباشرة لإدارة المسار، أي نقل مركز الثقل من الرعاية الأممية التقليدية إلى هندسة سياسية تقودها قوة عظمى.
بالتالي يمكن قراءة أبرز الرسائل الأمريكية في هذا السياق في عدة اتجاهات:
إلى الأمم المتحدة دوركم مرجعي، لكن الإيقاع السياسي تحدده واشنطن.
إلى أوروبا بأن الفراغ الذي تركته في الضفة الجنوبية للمتوسط يُعاد ملؤه من واشنطن.
إلى الجزائر لم يعد موقع الطرف غير المعني خياراً عملياً، ويجب المشاركة بفاعلية ضمن الإطار الجديد.
إلى المغرب بأن موقعه يتعزز كشريك استراتيجي في معادلة الاستقرار الجديدة.
اذا صحت هذه القراءة، فإن إدخال الملف بقوة إلى دائرة القرار الأمريكي يطرح سؤالاً موازياً: هل أصبح النزاع جزءاً من سلة ملفات مرتبطة بأمن الساحل والطاقة والتوازنات الإقليمية؟ وإذا كان كذلك، فإلى أي حد سيتأثر مساره بتغيّر الأولويات داخل واشنطن مستقبلاً ؟
في عالم تحكمه موازين القوة، لم تعد الصحراء نزاعاً إقليمياً معزولاً، بل جزءاً من مشهد أكبر يُعاد تشكيله. السؤال المفتوح اليوم: أي توازن سيولد من رحم هذه المفاوضات، ومن سيمسك فعلياً بمفاتيح المرحلة المقبلة؟
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...