الأردن بين عاصفة الإقليم وثوابته الوطنية بقلم: عمر ضمرة


الأردن بين عاصفة الإقليم وثوابته الوطنية: لماذا يقتضي الأمن القومي النأي بالنفس عن الحرب؟

في خضم التصعيد المتسارع في الإقليم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز سؤال جوهري يتعلق بالمصلحة الوطنية الأردنية: ما الموقع الذي ينبغي أن يتخذه الأردن في هذه الحرب المفتوحة؟
من منظور الأمن القومي الأردني، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: النأي بالنفس عن هذا الصراع ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الدولة الأردنية وثوابتها التاريخية.

فالمعادلة الجيوسياسية التي تلوح في الأفق تشير إلى أن سقوط طهران – إن حدث – لن يكون مجرد تحول في موازين القوى الإقليمية، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة. وهذا الطرح لا يقوم على مجرد التوقع أو العاطفة السياسية، بل يستند إلى تصريحات صريحة أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تحدث علناً عن حلم ما يسمى بـ«إسرائيل الكبرى»، الممتدة – بحسب ما عرض في خرائط تداولها الإعلام – من نهر الفرات إلى نهر النيل، في تصور جغرافي يتجاوز حدود فلسطين ليشمل أجزاء من الأردن وسوريا والعراق وشمال السعودية وصولاً إلى صحراء سيناء.

هذه الرؤية تتقاطع مع مواقف وتصريحات صدرت عن شخصيات في الإدارة الأمريكية، من بينها السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي، والتي تعزز الانطباع بأن بعض دوائر القرار في واشنطن تنظر إلى المنطقة من زاوية إعادة تشكيلها بما يخدم المشروع الإسرائيلي. ولا يمكن فصل هذه التصورات عن السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، حين أعلن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأقر بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، وهي خطوات شكلت تحولات غير مسبوقة في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما عرف آنذاك بـصفقة القرن، التي سعت إلى فرض تسوية سياسية تتجاوز الحقوق الفلسطينية التاريخية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها طرح الأردن باعتباره وطناً بديلاً للفلسطينيين، وهو الطرح الذي واجهه الأردن بحزم واضح.

لقد كان موقف الملك عبد الله الثاني واضحاً وثابتاً في مواجهة هذه الضغوط، سواء فيما يتعلق برفض فكرة الوطن البديل، أو الدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أو رفض أي مساس بالهوية السياسية والتاريخية للمدينة المقدسة. وقد لخص جلالة الملك هذا الموقف في «اللاءات الثلاث» التي أعلنها من مدينة الزرقاء: لا للتوطين، لا للوطن البديل، ولا لتغيير معالم القدس.

كما أن التطورات التي شهدتها الساحة السورية بعد سنوات الحرب أظهرت كيف يمكن أن تتغير خرائط النفوذ بسرعة في المنطقة. فقد وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها في المناطق القريبة من هضبة الجولان، واقترب حضورها العسكري من العمق السوري، في وقت تتزايد فيه المنافسة على مصادر المياه الحيوية في المنطقة، بما في ذلك منابع الحاصباني وبانياس واللدان، إضافة إلى منطقة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية.

من هذا المنظور، فإن أي انهيار كبير في التوازنات الإقليمية – بما في ذلك سقوط طهران – قد يفضي إلى إعادة تشكيل المنطقة بطريقة تمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً واسعاً، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً في ما يتعلق بالسيطرة على موارد الطاقة ومساراتها، ودفع عدد من الدول العربية إلى الالتحاق بمسار التطبيع السياسي ضمن ما يعرف بـاتفاقات إبراهيم.

وفي ظل هذه المعطيات، تظل القضية الفلسطينية في قلب المشهد. فالمخاوف تتزايد من أن يؤدي هذا التحول الجيوسياسي إلى تصفية القضية الفلسطينية تدريجياً، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، وتكريس فكرة تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، وهو السيناريو الذي يشكل تهديداً مباشراً للأردن سياسياً وديموغرافياً.

لهذا كله، فإن المصلحة القومية الأردنية تقتضي التمسك بنهج واضح يقوم على تحييد الأردن عن أتون الصراع الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابته الوطنية والتاريخية. فالأردن، الذي كان دائماً صوت الاعتدال والعقلانية في المنطقة، يدرك أن الانخراط في هذه الحرب لن يجلب له سوى مزيد من المخاطر والتحديات.

إن النأي بالنفس عن الصراع لا يعني الحياد تجاه قضايا الأمة، بل يعكس إدراكاً عميقاً بأن حماية الدولة الأردنية واستقرارها هو الشرط الأساسي لأي دور عربي فاعل. وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبقى اللاءات الأردنية الثلاث – لا للتوطين، لا للوطن البديل، ولا لتغيير معالم القدس – بمثابة بوصلة وطنية تحمي الأردن من الانزلاق إلى مشاريع إقليمية تهدد هويته ومصالحه العليا.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :